الكرة التونسية تشكو حظها و«طبيبها» سبب أمراضها!

 ظافر الغربي
حجم الخط
1

تونس-«القدس العربي»: دوريٌ بأي حال عدت يا دوري، غبت شهورا ثلاثة بأمر فيك منسي! مع الاعتذار للشاعر الفذ أبو الطيب المتنبي. هكذا يبدو لسان حال الجوّ المحيط بالبطولة التونسية في نسختها الثامنة والستين، فبعد راحة دامت أكثر من تسعين يوما، تدب الحياة من جديد في ملاعب تشكو معظمها نقائص عدة خصوصا من حيث جودة الأرضية، التي لم تفلح وزارة الشباب والرياضة والبلديات في إصلاحها وتهيئتها بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، استضافت خلالها تونس نهائيات كأس الأمم الافريقية عامي 1994 و2004. ما يعني أن الفرصة كانت سانحة في ظرف عشر سنوات لإنجاز بنية تحتية لائقة تتوفر فيها المكونات الضرورية للفرجة والمتعة!
اليوم الجمعة يستأنف الدوري نشاطه لتخوض الأندية المشاركة خمس جولات ثم تتعطل لغة الحوار الكروي بعد شهر فقط ليُفسح المجال لاستعدادات المنتخب لخوض المونديال القطري. ويقام الدوري بنظام المجموعتين (للموسم الثاني على التوالي) الذي لا يغني الكرة ولا يسمن الجمهور المتعطش.
نظام أثبت فشله ولم يحقق أي نفع للدوري من حيث المستوى، وفُرض على الجميع من قبل الحاكم بأمره رئيس الاتحاد بعد خسارته الموسم الماضي للجولة الأولى من صراعه مع هلال الشابة بقرار من محكمة التحكيم الرياضي التي أعادت الهلال لموقعه ضمن البطولة المحترفة الأولى، بعدما تقرر “إعدامه” حيّا بسلسلة من الخطايا والغرامات وإعادته لنقطة الصفر من حيث بدأ مشواره الكروي، أي ضمن بطولة الهواة.
المجال لا يتسع هنا لسرد قصة “تمرد” هلال الشابة، لكنه يعيدنا الى صدر المقال: هل هو عنوان مُفاجئ أم مثير للريبة؟ هل هناك مبالغة في الأمر؟ هل فيه تحامل على شخص رئيس الاتحاد الدكتور وديع الجريء المتخصص في الطب الرياضي والذي يتولى قيادة سفينة الكرة التونسية منذ 2012 بدون أن يرسو بها خلال هذه الفترة الطويلة على ضفاف التتويجات؟ صفة الدكتور فيها حرص غير مسبوق على تثبيتها في بلاغات الاتحاد وإقرانها بأي عمل يقوم به “الجريء” جدا. ترأس الدكتور، اجتمع الدكتور، قام الدكتور!
في تونس ليست عندنا “عقدة” الدكترة، والحرص على الألقاب، باستثناء بعض المناصب التي يكون من الطبيعي ذكر الرتب حين التحدث مع أصحابها. كلمة دكتور لها وقع جميل من حيث البريستيج وتعطي شيئا من “الأبهة” للشخص، لكن فاقد الشيء لا يعطيه، فماذا جنت كرة القدم في تونس من عنتريات الدكتور وانتهاجه خطا ديكتاتوريا ترسخ داخل اتحاد الكرة بفرض سياسة “سمعا وطاعة” يا مولانا؟ خط لم ينتهجه أي رئيس سابق لاتحاد الكرة.
وديع الجريء ترك “الوداعة” و”تجرأ” على مكونات كرة القدم ليدخلها بيت الطاعة (تذكروا الطريقة المهينة التي أقيل بها المدرب منذر الكبير وتعيين مساعده جلال القادري بديلا له) ومن يرفض ذلك لا يناله من حب الدكتور جانب، فيقسو على من يعارضه ويحاول إسكاته بكل الوسائل (ولنا في قضية نادي هلال الشابة خير دليل على هذا الكلام). ليس هناك رأي ورأي آخر، فقط الرأي الواحد تدعمه لوائح داخلية فصّلت على مقاس “الدكتور” وهواه، تمنع رؤساء الاندية من انتقاده، والويل لمن يتجرأ على ذلك فمصيره إما تغريمه بخطايا مالية، أو بتأديب فريقه على الميدان.
البلاد كلها تنتقد كبار المسؤولين، بدءا من رئيس الدولة في إطار حرية التعبير وهو ما جعل محكمة التحكيم الرياضي تسقط حجة الاتحاد التي بنى عليها عقوباته المشطة على هلال الشابة لان دستور البلاد يكفل ذلك، فكيف لرئيس الاتحاد أن يكمم الأفواه ويعاقب من يتجرأ على كتابة أي سطر لا يروق له في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي؟ كل منابر الاعلام (المرئية تحديدا) تجامله بشكل غير مسبوق وتدعوه في البلاتوهات ليستعرض عضلاته، وهو من يشترط حضور هذا ومنع هذا فله حق “الفيتو” في اختيار الحضور! سيقولون ما هو دليلك على ذلك؟ الجواب سهل وبسيط، تأملوا فقط في المدعوين وفي نوعية أسئلتهم!
قد نجد العذر لوسائل الاعلام التي تدين له بالطاعة ولا يمكنها غير الرضوخ لأوامره، كونها تخشى أن يحرمها من شراء حقوق البث للدوري التونسي، ما يشكل عائقا كبيرا لتأثيث برامجها الرياضية التي يشكل فيها الدوري التونسي عمودها الفقري. ولا يحلو الحديث عن الدكتور والاعلام دون ذكر “الانجاز” الكبير الذي تحقق في عهده، ألا وهو حرمان التونسيين من مشاهدة مباريات الدوري على الشاشة الوطنية كما اعتاد الجميع منذ الصغر، ما اضطرهم الى تحويل الوجهة نحو قناة الكأس القطرية التي وجدت في الخلاف القائم بين “الدكتور” والتلفزيون الرسمي خير فرصة لبث المباريات بعدد أكبر من الذي اعتادت عليه في المواسم الفائتة. حُجّة رئيس الاتحاد ان التلفزيون التونسي لم يسدد ديونه المتراكمة، لكن “الدكتور” يضخ المليارات مساهمة من اتحاد الكرة (وهذا ليس دوره أساسا كمرفق عام) بشكل فاعل في حل ديون أندية كبيرة وقعت في “وحل” القضايا مع مدربين ولاعبين معظمهم أجانب وهنا سَيف الفيفا لا يرحم في هذه النزاعات، إما الدفع أو المنع من الانتدابات وما يتبعها من عقوبات أخرى في حال التأخير في السداد.
دعنا من هذا كله ولنتأمل في أحوال الكرة التونسية منذ تطبيق الاحتراف (أو الإنحراف كما يسميه البعض) عام 1994 عبر أهم مقياس، البطولة المحلية. كيف لهذا الدوري ان يكون جذابا عالي المستوى غامضا ومثيرا، يخدم الاندية التونسية المشاركة في البطولات القارية ويجعلها قادرة على مقارعة نظيراتها والمراهنة بقوة على التتويج؟ كيف لهذا الدوري أن يفرز أجواء نظيفة في ظل تحكيم تحوم حوله علامات الاستفهام بسبب ما يردده الكثيرون حول اختفاء مفردات النزاهة من قاموسه! تحكيم فقد أوراق اعتماده كهيكل يقدم سفراء أكفاء  يمثلون بلدهم قاريا وعالميا؟ كل ذلك كان نتاجا طبيعيا لسياسة لم تتخذ التكوين منهجا والارتقاء بمستوى الحكام هدفا فلم يعد للتحكيم التونسي أسماء لامعة قوية الشخصية، كالتي كانت تحمل الأمانة بنزاهة وتصل بالدوري الى برّ الأمان إضافة الى تألقها خارجيا.
كيف لكرة محترفة ان تكون الأندية المكونة لها غارقة في الديون وزبائن دائمين عند لجنة النزاعات في الفيفا؟ كيف يكون الاحتراف مرهونا بالوضع المالي لرئيس النادي؟ ان كان ميسور الحال فالامور تمشي عال العال، وان تعثرت الاوضاع أو كبر حجم الدعم المقدم منه فانه يتراجع  ليطالب بماله الذي صرفه واعتبره في عداد ديون النادي! وحده الترجي الاستثناء في هذه الحالة، ففي أقسى الحالات التي مرت بالدوري التونسي من كورونا ومباريات بدون حضور الجمهور، كان رئيس النادي (وهو من كبار رجال الأعمال) يصرف بسخاء و يقدم سنويا تنازلا عن المبالغ التي دعّم بها الخزينة لتُسجل كتبرّع منه لا يلزم النادي في شيء، الأمر الذي حقق للترجي استقرارا اداريا غير مسبوق تحسده عليه الاندية التونسية، وهو ما انعكس إيجابيا على الصعيد الرياضي حيث استمر فريق الكرة في هيمنته على الدوري التونسي محتفظا باللقب للموسم السادس على التوالي ورافعا العدد الاجمالي الى 32 لقبا، وهذا ينسحب على بقية الالعاب الجماعية والفردية (كرة اليد والكرة الطائرة والسباحة والمصارعة) التي شهدت سيطرة مطلقة لشيخ الأندية التونسية. هذه الحالة و ان كانت تسعد جماهير الترجي، فهي لا تعود بالنفع الكبير على الرياضة التونسية، وخاصة كرة القدم باعتبارها الواجهة و اللعبة الشعبية الاولى، بل أن الترجي ذاته متضرر من سيطرته المطلقة التي باتت تسبب له بعض المتاعب في مشاركاته القارية حيث يصطدم بفرق تحرمه من الذهاب بعيدا في دوري الابطال (الذي يعتبر الهدف الاول للنادي) حتى لو كانت أحيانا أقل منه مستوى وتاريخا، كل ذلك بسبب غياب الندية والمنافسة القوية محليا التي من شأنها أن تفرز فريقا قادرا على مواجهة كبار القارة الافريقية. هذا الوضع المحلي أفرز استياء ونفورا كبيرين لدى الناس على أكثر من مستوى، فالتأهل القاري أو العالمي لم يعد مصدر بهجة للتونسيين، فقط فرحة “عادية”، ولا تقترن بمظاهر معبّرة في الشارع لأن كثيرين يعتقدون ان المنتخب لن يذهب بعيدا في كلتا التظاهرتين، فرصيد تونس القاري هزيل جدا يتمثل بلقب وحيد وهي التي استضافت نهائيات الأمم الافريقية ثلاث مرات. أما عالميا، صار الأمل مفقودا في صعود المنتخب للدور الثاني على غرار بعض سفراء القارة المميزين، رغم ان نسور قرطاج “المهاجرين” يشكلون الركيزة الاساسية للمنتخب التونسي. المستفيد الاساسي في أي تأهل قاري أو عالمي يبقى الحساب الجاري لاتحاد كرة القدم نظرا لسخاء الفيفا وكرمه مع المنتخبات المتأهلة للمونديال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية