كتاب المؤرخ المصري أيمن فؤاد سيد «دولة سلاطين المماليك في مصر»: صعود العسكر على خلفية أخطار واجهت العالم الإسلامي

نزار صالح
حجم الخط
0

ابتداء من مقدمة كتابه «دولة سلاطين المماليك في مصر» يوضح المؤرخ أيمن فؤاد سيد، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ومدير مركز المخطوطات بجامعة الأزهر في القاهرة، أن الاهتمام بالدراسات المملوكية في العصر الحديث يرجع إلى نهاية القرن 18 وبدايات القرن 19 من جانب المستشرقين. وارتبط في البداية برغبة «التعرّف على علاقة المماليك بالحملات الصليبية المتأخرة»، خاصة تلك التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع وانتصر فيها المماليك، وأسفرت عن إنهاء حكم الأيوبيين في مصر. جانب آخر للاهتمام يتصل بالدور الذي قام به المماليك «لإنهاء وجود الفرنج الصليبيين في سواحل الشام سنة 690 هـ/1290 م، ناهيك عن تصديهم لخطر المغول القادمين من الشرق» بعد إسقاطهم الخلافة العباسية في بغداد وإيقاف تقدمهم نحو الغرب.
بذلك فإن الكتاب يندرج في حقل الدراسات المملوكية، التي تتناول التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري لسلاطين المماليك في مصر. وفي الميدان العربي، هذه دراسات نشطت بصفة خاصة بعد إنشاء الجامعة المصرية الرسمية سنة 1925، واقتفت أثر عشرات الأبحاث الغربية، والفرنسية بصفة خاصة، التي تناولت الحقبة بعد ظهور وثائق ومخطوطات ومؤلفات تاريخية عربية.
ويتوزع الكتاب على مقدمة تستعرض الدراسات المملوكية الغربية والعربية، وعلى مدخل يلخص فيه المؤلف ملامح دولة سلاطين المماليك في مصر. القسم الأول يتناول التاريخ السياسي، مبتدئاً من دولة المماليك البحرية (1250 ــ 1382)، حيث طور التوطيد، والأثر المغولي، وصراع الطوائف وما أسفر عنه من انعدام الاستقرار السياسي، والسلطنة الثالثة للناصر محمد بن قلاوون، وتزايد المحن الاجتماعية والاقتصادية على خلفية الأزمات وفقدان الاستقرار. كذلك يناقش هذا القسم دولة المماليك الشراكسة (1382ــ1517)، من سلطنة الظاهر برقوق، إلى الناصر فرج، واحتكار التجارة الشرقية (غزوة رودس، المماليك الأجلاب)، وصولاً إلى نهاية المماليك.
القسم الثاني يخصصه المؤلف لتاريخ المماليك الفكري والعمراني، فيستعرض الإنتاج العلمي، والمصاحف المملوكية، وخزائن الكتب، والعمارة (القاهرة بصفة خاصة، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين)، والمدارس (من حيث التخطيط والوظيفة والمنابر والمحاريب).
ويرى المؤلف أن سقوط الخلافة العباسية في بغداد أفسح المجال أمام دولة المماليك في مصر والشام كي تصبح «أكبر قوة إسلامية»، وأضحت بعد استضافتها للخلافة العباسية «تمثّل الدولة الإسلامية بامتياز، حيث رعت آخر أكبر تجمّع ثقافي إسلامي عربي قبل العصور الحديثة، والذي ندين لعلمائه ومفكريه بأغلب معارفنا عن العصور الإسلامية الأقدم». كما يشدد على أن هذا الوضع أحلّ القاهرة محلّ بغداد، فانتقل إليها عدد غير قليل من علماء الشرق الإسلامي، مما «ساعد على ازدهار مناخ علمي أنتج العديد من المؤلفات في فنون كثيرة».
ويتوقف المؤلف عند موسوعة متميزة هي «نهاية الأرب في فنون الأدب» التي وضعها شهاب الدين النويري المتوفي سنة 732 هـ/1332 م، ويعدّ «خير ممثل للوسط الذي عُملت فيه ومن أجله موسوعات عصر المماليك». والموسوعة تتألف من أربعة فنون، هي الفلك والأجرام السماوية، والجغرافيا والأجناس، والحيوان، والنبات، وبذلك فإن النويري اقتدى بموسوعة أولى متميزة هي «مباهج الفكر ومناهج العبر» التي ألفها جمال الدين محمد الكتبي الورّاق. وأما أهم ما أنتجه العصر المملوكي في هذا المضمار فإنه، حسب المؤلف، موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لشهاب الدين أحمد بن يحيى العمري، المتوفي سنة 749 هـ/1349 م. وهذه تنقسم إلى قسم أول أختار له العمري عنوان «في ذكر الأرض وما اشتملت عليه برّاً وبحراً»، وقسم ثانٍ عنوانه «في سكان الأرض من طوائف الأمم».
وفي القسم الخاص بالتاريخ العمراني يشير المؤلف إلى أن أكبر نمو ملحوظ للقاهرة المملوكية جاء أثناء السلطنة الثالثة للناصر محمد بن قلاوون (709ـ741 هـ/ 1309/1341 م)، التي «تعدّ نقطة تحوّل مهمة في تاريخ المدينة». ولم تقتصر تلك النهضة العمرانية على الدور والقصور بل تعدت ذلك إلى بناء عدد من المساجد الجامعة الضخمة، وذلك بعد تبدّل الرأي القائل بإلقاء خطبة الجمعة في جامع واحد (حسب المذهب الشافعي الذي أخذ به الأيوبيون).
وفي الحديث عن المدارس المملوكية يبدأ المؤلف بمناقشة نشأة المدرسة باعتبارها «أحد أهم مؤسسات الحضارة الإسلامية اعتباراً من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي». وهو يشدد على أن قيمة المدرسة الدينية والتعليمية والسياسية والاجتماعية غطّت، في عصر المماليك خصوصاً، على «أية مؤسسة إسلامية مشابهة أخرى مثل دار العلم ودار الحديث ودار القرآن». وينقل عن أحمد فكري رأيه بأن «المدرسة هي التطور المنطقي لوظيفة المسجد، وأن تعريفها مستمد من البيوت المخصصة لسكنى الشيوخ والفقهاء، لا من قاعات التدريس والمدرسين. في المقابل يعتقد جورج مقدسي أن المدرسة هي تطور «الخانات» التي كان يقيم بها الطلبة الغرباء عند ترددهم على كبار العلماء والشيوخ في بغداد خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي.
ولا تفوت المؤلف إشارة هامة إلى أن الأخطار التي واجهت العالم الإسلامي ابتداء من نهاية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي مع طلائع جيوش الفرنج في الحملة الصليبية الأولى التي انتهت بسقوط بيت المقدس سنة 492 هـ/ 1099 م، هي التي أدت إلى تغيير كبير في شكل الدولة الإسلامية. من أبرز ملامحه كان «هيمنة القادة العسكريين من السلاجقة والترك والأكراد والتركمان على مقاليد الأمور، وهي عناصر شديدة المراس والبأس قادت الجيوش الإسلامية أولاً إلى استرداد بيت المقدس بعد معركة حطين سنة 583 هـ/1187 م، ثم ضد جيوش المغول في عين جالوت سنة 658 هـ/ 1260 م بعد أن أسقطوا الخلافة الإسلامية في بغداد قبل ذلك بعامين». وهذا يعني أن «قيام هذه الأنظمة جاء كاستجابة سياسية وعسكرية للظروف التي واجهت العالم الإسلامي حينئذ».
وإذا كان السلطان الناصر صلاح الدين، مؤسس الدولة الأيوبية، قد نجح في توحيد الجبهة الإسلامية بعد أن وضع نهاية للدولة الفاطمية في مصر، وتصدى لوجود الفرنج الصليبيين في جنوبي بلاد الشام وفلسطين واسترد بيت المقدس، فإن «خلفاءه الذين اقتسموا دولته بدلاً من استكمال مسيرته في الجهاد ضد الفرنج أخذوا في الاقتتال فيما بينهم، بل وصل الأمر ببعضهم إلى حدّ الاستعانة بالفرنج أنفسهم ضد بعضهم البعض».
قصارى القول إن الكتاب مرجع جيد عن الحقبة المملوكية، يخدم القارئ غير المختص وغير الأكاديمي، ويقترح قراءة مبسطة وموثقة وكثيرة الإحالات إلى كتب التراث العربي، فضلاً عن إرفاق عدد من الصور الملونة التي توضح مختلف أنشطة المماليك الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية. وقد يكون هذا هو السبب في أن الدراسة لم تأت بجديد كثير، سواء حول تفاصيل غير معروفة في التاريخ المملوكي، أو في اقتراح قراءة جدلية ونقدية حول الإشكاليات التي اقترنت بصعود وأفول حكم المماليك وسلاطينهم.
ولقد اعتمد المؤلف مزيجاً من مناهج العرض، والتحليل، والسرد التاريخي، وتحكيم الوثائق والمخطوطات والمراجع.  وخياراته هذه خدمت بحثه، ويسّرت اقتراب القارئ من المادة التاريخية وتحليل نتائجها معاً. وهو أفرد ثبتاً بمصادره ومراجعه العربية والمعربة والأجنبية، وكذلك ستة كشافات: الأعلام، والمصطلحات والوظائف والألقاب، والأماكن والبلدان، والطوائف والجماعات، وأسماء الكتب، والمؤلفون.
لغة المؤلف سليمة وسلسة وميسرة، وهو يتوخى الدقة والوضوح، وطابع السرد التاريخي التبسيطي الذي انتهجه أتاح له اجتناب المصطلحات، واللجوء في المقابل إلى المسميات التي شاعت في كتب المؤرخين العرب عن الحقبة المملوكية (أتابك العساكر، أمير آخور، الدوادار، وما إليها). ولا يوحي المؤلف بانتماء إلى مدرسة محددة في دراسة التاريخ، الأمر الذي لم ينعكس سلباً على مقارباته الإجمالية، إذ اعتمد على السرد والوثيقة والترجيح واستخلاص المعطيات، بصفة شبه محايدة. ولأنّ المؤلف أكاديمي مختص ومارس التدريس في جامعات عديدة، فهذا العمل جزء من سلسلة مؤلفات أصدرها وتناولت تاريخ الفاطميين وعمران القاهرة ومذاهب اليمن الدينية ومناهج النقد التاريخي عند المؤرخين المسلمين.
ومن حيث المبدأ فإنّ قيمة الدراسات المملوكية تبدأ أولاً من الحاجة إلى أبحاث معمقة تسلط أضواء جديدة على خفايا دولة سلاطين المماليك، بالنظر إلى أن الدراسات والأبحاث والمؤلفات التي تناولت تلك الدولة لا تعد ولا تحصى. وقد نجح المؤلف في توفير موجز ميسّر يخدم القارئ العريض، لكنه للأسف لم يأت بجديد كاف بالمقارنة مع ما هو متوفر للتوّ، من جهة أولى؛ وتجنّب، عن سابق قصد كما يلوح، الدخول في سجالات نقدية حول مختلف الإشكاليات التي اكتنفت التاريخ المملوكي، من جهة ثانية.
أيمن فؤاد سيد: «دولة سلاطين المماليك في مصر»
الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2019
247 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية