ما الذي يفرّق الصحافي المحترف، الموضوعي والمسؤول عما يكتبه، عن الصحافيين الذين لا يكترثون لما يكتبونه أو يبثونه إذاعياً أو تلفزيونياً ويسعون فقط للإثارة أو لتحقيق الشهرة أو يعملون بدوافع مادية وشخصية أخرى؟
هذا سؤال يُطرح كثيراً هذه الأيام في قطاع التغطية الصحافية وفي الصحف ومؤسسات الإعلام الغربية لقضايا الشرق الأوسط المصيرية كالقضية الفلسطينية وشن الحروب لإسقاط الأنظمة في العراق وسوريا وأفغانستان ودول شمال أفريقيا العربية وغيرها بحجة ضرورة نشر الديمقراطية والحرية في تلك الدول.
جيريمي بوين، كبير مراسلي تلفزيون «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي.بي.سي) في الشرق الأوسط هو من صحافيي الفئة الأولى الذين أصبحوا عملة نادرة في هذه الأيام إذ ان كبار أصحاب أو مسؤولي المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى أصبحوا في كثير من الأحيان يتجنبون التعاقد مع مثل اولئك الإعلاميين المخضرمين، الذين يكترثون لنتاجهم وتأثير تقاريرهم على مصير البشرية عموماً، وليس فقط لتحقيق الخبطات الإعلامية.
بوين أصدر مؤخراً كتابا بعنوان «صنع الشرق الأوسط الحديث (منظار تاريخي شخصي)» شمل أهم التغطيات التي قام بها في الشرق الأوسط، ولعل أهم ما يشمله الكتاب هو ما كتبه عن فلسطين والعراق، خصوصاً في فصوله الأخيرة.
في الفصل الرابع والعشرين بعنوان «صفقة القرن» يفضح مواقف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر عندما تم الاعتراف بان مدينة القدس بكاملها هي عاصمة لإسرائيل، حيث قال ترامب في المناسبة التي أعلن فيها هذا القرار بأن «هذا الواقع هو أمر بديهي كان يجب أن يحدث منذ زمن».
يعتبر بوين في كتابه ان قرار ترامب آنذاك تم لأسباب انتخابية رئاسية لإرضاء الناخبين الأمريكيين الصهاينة والمسيحيين المؤمنين بالصهيونية في أمريكا وللحصول على مباركة رئيس حكومة إسرائيل السابق بنيامين نتنياهو وهذا الموقف دفع نتنياهو إلى الاستمرار في عملية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية التي رأى بعض القياديين الأمنيين الإسرائيليين آنذاك بانها ستشكل المزيد من التحريض ضد الفلسطينيين. فقد اعتبر ترامب ان الفلسطينيين خسروا معركة تحرير بلدهم وانه سيقف إلى جانب المنتصرين الإسرائيليين. (ص 294).
وبلغت غطرسة ترامب (حسب بوين) بانه اعتبر نفسه كبير صانعي الصفقات التاريخية السياسية وكلف صهره جاريد كوشنر بالانطلاق في تنفيذ ما سمي «صفقة القرن».
وفي لقاء بين بوين وكوشنر في منزل السفير الأمريكي في لندن وينفلد هاوس، «بدا كوشنر لطيفاً ولكن ما كان يقوله تنافى مع جميع المبادئ والمواثيق التي اتفقت أمريكا عبرها مع الفلسطينيين والإسرائيليين والدول العربية». وفي طليعتها قوله لبوين: «ان تعبير حل الدولتين أصبح لغة قديمة لأن ذلك التعبير يعني أشياء مختلفة لشخصيات مختلفة» وبرأي كوشنر «الحل الأفضل هو عرض صفقة وخطة مالية على الفلسطينيين شبيهة بالصفقات العقارية الضخمة التي كان يجريها في أمريكا هو ومن قبله والده ووالد زوجته» والتي كانت (برأي بوين) «صفقات فاشلة وبعضها مخالف للقوانين».
رسالة كوشنر وترامب (حسب المؤلف) إلى الفلسطينيين كانت ان «أحلامهم بتحقيق الاستقلال أصبحت ميتة وسيخسرون مرة ثانية إذا رفضوا العروض التي تقدم إليهم». (ص 295).
وفي الغرفة الشرقية في مبنى البيت الأبيض عُرضت خطة صفقة القرن، في كانون الثاني (يناير) 2020 وكان بوين حاضرا في تلك المناسبة وعلّق على ما ورد فيها في الكتاب بقوله: «ربما كانت صفقة قرن بالنسبة لترامب ونتنياهو ولكنها لم تكن خطة سلام بالنسبة للفلسطينيين الذين لم تتم استشارتهم حولها ولم يُطلب حضورهم أثناء الإعلان عنها. وبدا اللقاء في البيت الأبيض وكأنه حفلة زفاف من جهة واحدة بين مجموعة ترامب ومجموعة نتنياهو، وكانوا يوافقون خلالها على وثيقة استسلام الفلسطينيين. وبالطبع رفض الفلسطينيون تلك الوثيقة». (ص 295 أيضا).
ويضيف بوين في الفصل نفسه ان كوشنر، وقبل فترة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 أعلن عن إبرام اتفاقيات بين إسرائيل وأربع دول عربية (الإمارات والسعودية والمغرب والسودان) تحقق التطبيع والعلاقات الطبيعية بين الجهتين. ويعلق بوين على هذا الإعلان بانه: «لا يشكل اتفاقيات سلام، لان هذه الدول الأربع لم تكن في حالة حرب ضد إسرائيل. كما انها تتعارض مع المشروع السعودي الذي وافقت عليه الجامعة العربية في مؤتمر القمة العربية في بيروت لعام 2002 والمتضمن السلام مقابل تخلي إسرائيل عن الأراضي العربية المحتلة، فيما قدمت اتفاقيات ابراهام السلام إلى إسرائيل والعلاقات الدبلوماسية الطبيعية من دون تقديم إسرائيل أي تنازلات في المقابل». (ص 297).
في تغطيته المباشرة للحرب الأمريكية ـ البريطانية ضد العراق، لا يتورع بوين في فضح التغطية الإعلامية الغربية للتجاوزات العسكرية التي كانت تحدث ضد الأبرياء العراقيين. فيقول في الفصل الثالث: «لقد كتبت تقارير عما رأيته، وفوجئت مثلاً عندما أصدرت وزارتا الدفاع في واشنطن ولندن (في عام 1991) بياناً بان أحد الملاجئ التي قُصفت وقضى فيها أطفال ومدنيون ونساء من العراقيين كانت موقعاً عسكرياً عراقياً للقوات العراقية المقاومة. لقد قضيت ساعات وأنا أتجول في الملجأ بعد القصف وتبين لي أن البيانات الأمريكية والبريطانية كانت أكاذيب وتلفيقات للتغطية على الأخطاء». (ص 35).
ويتحدث في هذا الفصل عن خدعة نفذها النظام العراقي في الحرب الأمريكية الأولى ضد العراق عام 1991 بحيث نجح في الحصول على طائرات مروحية عسكرية استخدمها في القضاء على المقاومة الكردية والشيعية ضد شمال العراق وفي كردستان العراق والبصرة. (ص 38).
وبرغم ذلك يقول بوين (في الفصل الثالث أيضا) بأن جورج بوش الأب كانت مواقفه في العراق أقل خطورة من جورج بوش الابن، ولكن الأب والابن ارتكبا الأخطاء في العراق وخصوصاً انه لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل التي جرى الادعاء بكونها موجودة لدى العراق ولم يعثر المفتشون الدوليون عليها قبل الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 الذي ما زالت آثاره السلبية موجودة حتى الآن.
في الفصل الخامس، يسرد المؤلف الوقائع التاريخية حول الطريقة التي تم خلالها فرض تأسيس الكيان الإسرائيلي في عام 1948.
وظهر بوين في ذلك الفصل متمكناً من معلوماته التاريخية وتفاصيل الأمور. وقد حظي بالإطراء من أبرز خبراء وأساتذة تاريخ الشرق الأوسط في الجامعات البريطانية وبينهم البروفسور يوجين روغان من جامعة أكسفورد العريقة، أحد كبار الخبراء في هذا المجال.
وهنا يجدر الذكر انه على كبار المراسلين والكتّاب والصحافيين دراسة التاريخ بتعمق قبل كتاباتهم المنحازة أو بثهم التقارير الخطيرة عن الشرق الأوسط والعالم عموماً فهناك صحافي في صحيفة «الصنداي تلغراف» البريطانية ادعى خلال وقبل غزو العراق عام 2003 بأن صدام حسين يدرّب أفراداً من منظمة «القاعدة» في مطار عسكري في العراق تحضيراً لقيامهم بعمليات ضد أمريكا، من دون أدلة دامغة وقد نُشر تقريره في الصحيفة، واستمر في منصبه حتى بعد انتهاء حرب العراق وما زال يكتب في الصحيفة حتى الساعة.
القائد الفلسطيني ياسر عرفات (بنظر بوين) ارتكب أخطاء سياسية عديدة، أكان ذلك في الأردن أو لبنان أو في العراق، ولكن عرفات: «حظي بالتركيز والتقدير من جانب الكثير من الشعوب والقيادات العربية. وقدّمت إليه الدول العربية الغنية المساعدات المالية والمادية الكبيرة. ونشاطه السياسي فاق ما توقعه الرئيس جمال عبد الناصر عندما ساهم في تأسيس (منظمة التحرير الفلسطينية). فقد كان ناصر يأمل بان يضبط الأمور بنفسه ويقود القوميين الفلسطينيين من خلال المنظمة الفلسطينية وليس إتاحة المجال الكامل لهم للتصرف السياسي الحر حسب مشيئتهم وبشكل منفلت. عبد الناصر كان يسعى لأن يقرر بنفسه الموعد الملائم له لمواجهة إسرائيل عسكرياً، ولكن وبعد ما حدث في هزيمة 1967 القاسية لناصر والعالم العربي حوّل ياسر عرفات (منظمة التحرير الفلسطينية) كمظلة لتحقيق الوحدة (إلى حد ما) بين الفصائل الفلسطينية ولأجل الحصول على الاعتراف الدولي ولمواجهة إسرائيل، وهنا كمنت أهمية هذا التطور». (ص63).
لا شك بان بوين في هذا المقطع الذي ورد في الفصل الخامس يظهر معرفته وإدراكه للواقع ومؤهلاته لتسلُم منصب كبير مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية في الشرق الأوسط. فقد أدرك ويدرك خلفيات العديد من الأمور الحساسة جداً في المنطقة وبينها الخلاف الذي استمر بين عرفات وقادة الدول العربية التاريخيين ابتداء بعبد الناصر ثم الملك حسين ومن بعدهما حافظ الأسد وقادة لبنان عموماً.
وكل ذلك ليس عبر قراءة ومتابعة الكتب أو الأبحاث الأكاديمية فقط، بل عن طريق المقابلات والتغطية المباشرة من جانب بوين للأحداث بطريقة ذكية وموضوعية وهادئة.
فيقول مؤكداً ذلك: «ان قرار عرفات تأييد صدام حسين في مواجهته مع أمريكا عام 1991 بعد غزوه الكويت، دفع قيادة جورج بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر إلى عدم قبوله على رأس الوفد الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام في تلك السنة، ولكن المبادرات الأخرى التي أدت إلى اتفاقيات أوسلو أدركت بان عدم وجوده في ساحة المفاوضات آنذاك سيشكل حلقة ضعف كبير فيها ما سيؤثر على تحقيق النتائج فهو كان الورقة الصعبة والمفتاح للحلول في معظم الأحداث».
لقد تطرق بوين في هذا الكتاب بجرأة ووضوح لموضوعي الانتفاضة الشعبية في سوريا وللمواجهة بين حزب الله اللبناني مع إسرائيل. وخلاصة ما قاله حول هذه المواضيع الشديدة الحساسية ان الشعب السوري والشعب اللبناني دفعا الكثير من التضحيات في هذا المجال من دون ان يحققا ما سعيا إليه وأن الكثير من الشهداء سقطوا في هذا المضمار وان الدماء الغالية حُقنت في سبيل القيم النبيلة.
والأمر اللافت هنا كان قدرة بوين على الحضور في جميع الأمكنة التي دارت فيها المواجهات الميدانية في المنطقة. وهذا الأمر يفسر تفوقه وحنكته كمراسل قادر على التواجد والحوار مع جميع الجبهات والجهات المتنازعة. وهذا أحد مميزات المراسل المحترف الممتاز القادر على طمأنة الجميع بالنسبة لحسن نياته وعدم عمالته ودوره كصحافي لامع، أو بسبب شخصيته التي وفرت له التوصل لتحقيق العلاقات المباشرة مع أصحاب القرار المحليين والدوليين الذين ارتاحوا إلى حرفيته.
وفي الحالتين نجح بوين في الوصول إلى أخطر المواقع كمراسل وفي الدفاع عن حقوق غير القادرين عن الدفاع عن أنفسهم وفي شجب عدد من المجازر التي حدثت في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة.
Jeremy Bowen: The Making of the Modern Middle East
Picador, London 2020
351 pages.