بغداد ـ «القدس العربي»: تواصل بعثة الأمم المتحدة العاملة في العراق «يونامي» ضغطها على الأطراف السياسية العراقية، بهدف التوصل إلى تسوية للأزمة السياسية التي يشهدها هذا البلد منذ عام، وإنهاء حالة الانسداد السياسي عبر حوارٍ «غير مشروط» يُفضي إلى تشكيل حكومة جديدة «كاملة الصلاحيات»، وسط بوادر على «انفراجة قريبة» قد تتضح ملامحها عقب زيارة وفدّ ائتلاف «إدارة الدولة» لمدينة أربيل، ولقاء زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، مسعود بارزاني، والمسؤولين الأكراد هناك.
ودعت «يونامي»، أمس الإثنين، قادة الأحزاب السياسية إلى تشكيل حكومة «فاعلة» وكاملة الصلاحيات، مشددة في الوقت عينه على اللجوء إلى الحوار لتجاوز الأزمة السياسية.
«سياسات انقسامية»
وقال، في بيان صحافي، «توجّه العراقيون قبل عام إلى صناديق الاقتراع على أملِ رسم مستقبلٍ جديد لبلدهم.
وأُجريت الانتخابات بصعوبة بالغة وجاءت نتيجةً للضغط الشعبي من خلال احتجاجات عمّت أرجاء البلاد، ولقي فيها عدة مئاتٍ من الشباب العراقيين حتفهم وأُصيب الآلاف، وللأسف، تلك الممارسة الديمقراطية أعقبتها سياسات انقسامية ولّدت خيبة أمل عامة ومريرة».
وأضاف، «اليوم ليس لدى العراق الكثير من الوقت. فالأزمة التي طال أمدها تنذر بمزيد من عدم الاستقرار والأحداث الأخيرة دليلٌ على ذلك. وتهدد أيضا سُبُل عيش المواطنين. وعليه، يمثل إقرار ميزانية 2023 قبل نهاية العام، أمراً ملحاً».
ووفقاً للبيان، «بُذلت جهود دؤوبة في الأسابيع والأشهر الماضية لجميع الجهات الفاعلة للشروع في طريقٍ نحو الاستقرار السياسي، ولكن دون جدوى»، مشيراً إلى أن «حان الوقت الآن أن تتحمل الطبقة السياسية المسؤولية ومطابقة الأقوال مع الأفعال».
«تقديم تنازلات»
ودعت «يونامي»، الجهات الفاعلة كافة إلى «الانخراط في حوارٍ دون شروط مسبقة، والاتفاق بشكلٍ جماعي على النتائج الرئيسية من خلال تقديم تنازلات تعيد التأكيد على هدفهم المعلن ألا وهو تلبية احتياجات الشعب العراقي وتشكيل حكومة ذات صلاحيات كاملة وفاعلة. لقد حان وقت العمل الآن».
وسبق للممثلة الأممية في العراق، جينين بلاسخارت، أن وجّهت انتقاداً لاذعاً للقوى السياسية العراقية، خلال إحاطتها الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي.
ولاقى البيان الأممي، أمس، ترحيباً دولياً واسعاً، إذ عبّر السفير البريطاني في بغداد، مارك برايسون، عن تأييده «الكامل» ما جاء فيه.
وأضاف: «بعد مرور عام على الانتخابات العراقية. كان هناك القليل فقط من التقدم نحو إنشاء حكومة ذات صلاحيات كاملة وفعالة ويمكنها تلبية احتياجات الشعب العراقي وتنمية الاقتصاد وخلق فرص العمل وتقديم الخدمات وضمان سلامة الشعب وأمنه».
وأشار، في بيان صحافي إلى أن «الجدل والاختلاف السياسي، مؤشرات صحية للديمقراطية، ولكن هذه الاختلافات تحتاج إلى حلّ سلمي»، مبيناً أن «أعمال العنف التي شهدها العراق في الأسابيع الأخيرة غير مقبولة ولا يمكن السماح بتكرارها».
ودعا، الأطراف العراقية إلى «الالتزام بالحوار والانخراط بحسن نيّة والعمل معا للتوصل إلى حلّ سلمي وقانوني شامل»، مؤكداً ضرورة «استنفاد جميع إمكانيات تحقيق ذلك».
ولفت إلى أن «في الوقت ذاته، هناك متطلبات عاجلة، مثل الميزانية والتي تحتاج إلى معالجة سريعة من أجل الشعب العراقي. إن وقت العمل الآن».
وزاد: «لقد عزّزت الأشهر الـ12 الماضية من الجمود، في دعوات الإصلاح لإعادة التواصل بين النخب السياسية في العراق والشعب العراقي».
وأبدى تطلعه إلى «دعم جهود الحكومة العراقية في تنفيذ الإصلاحات، والعمل معاً لتحقيق مصالحنا المشتركة مثل تعزيز الاستقرار الإقليمي ومكافحة التغير المناخي».
حوار حقيقي
كذلك، قالت السفارة الفرنسية في العراق، في بيان صحافي: «نحن نؤيد بالكامل بيان بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بعد عام واحد من الانتخابات البرلمانية لعام 2021».
ودعت «جميع أصحاب المصلحة بشكل عاجل إلى الانخراط في حوار حقيقي دون شروط مسبقة ومع استعداد حقيقي لتقديم تنازلات» لافتة إلى أهمية «سماع أصوات النساء والرجال في المجتمع المدني، وخاصة أصوات الشباب الذين يشكلون غالبية البلاد والذين يريدون مستقبلاً أفضل».
وأكدت أن «الوقت جوهري للحفاظ على استقرار العراق وتلبية الاحتياجات والتطلعات المشروعة للشعب العراقي».
أمس أيضا، التقت الممثلة الأممية في العراق، رئيس الجمهورية برهم صالح، وناقشا معاً، أهمية الخروج من الأزمة الراهنة.
بيان رئاسي أفاد أن اللقاء شهد «التأكيد على أهمية الخروج من الأزمة الراهنة بعد مرور عام كامل على إجراء الانتخابات، والركون إلى الحوار الجاد الملتزم لتلبية الاستحقاقات الوطنية والدستورية ومجابهة التحديات الجسيمة التي تواجه البلد وضمان الأمن والاستقرار، وتحقيق العيش الكريم الحر للمواطنين».
وأكد صالح، ضرورة أنهاء دوامة الأزمات والتأسيس لحكم رشيد.
وقال في «تغريدة» له أمس، إنه «يمر عام على الانتخابات دون إكمال استحقاقاتها الدستورية، تذكير قاسٍ بما فاتنا من فرص ضائعة لبلدنا، وحافزٌ مهم لرص الصف والحوار الوطني الجامع، يكون أساسه ومُنتهاه مصلحة الوطن والمواطنين وتلبية حقهم في الحياة الحرة الكريمة».
وأضاف: «آن الأوان لإنهاء دوامة الأزمات والتأسيس لحكم رشيد».
أما رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، فقد دعا، الأحزاب والقوى السياسية جميعها، إلى الاحتكام لمنطق الحوار العاقل الهادئ والبنّاء لحل الأزمة السياسية.
السوداني ووفد ائتلاف «إدارة الدولة» يلتقون بارزاني في أربيل
وقال، في بيان صحافي، إن «في مثل هذا اليوم من العام الماضي (10 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021)، أنجزنا أهم بندٍ في برنامجنا الحكومي، إذ أجرينا انتخابات تشريعية مبكرة، اتسمت بالنزاهة والمهنية، بشهادة الأمم المتحدة وجميع المراقبين. وهذه الانتخابات المبكرة جاءت تلبية لمطالب شعبنا الكريم، ودعت المرجعية الرشيدة للاستجابة لها، والمشاركة فيها».
وأضاف: «لقد أثبتت ظروف عام على تجربة الانتخابات أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع يجب أن يرتبط بإيمان كل القوى السياسية المشاركة فيها بالمبادئ الديمقراطية، وممارسة العمل السياسي وفق سياقها الثقافي وقيمها».
منهج مختلف
وأشار إلى أن، «خلال العامين الماضيين، عملنا على منهج مختلف يحتكم للحوار والتفاهم والتعاون والشراكة، واعتمدنا الهدوء والعقلانية في تعاطينا مع الأحداث والمواقف، على الرغم من الهجمات غير المنصفة التي تعرضنا لها؛ وكل ذلك بهدف تكريس تهدئة واستقرار يحتاجهما الوطن، ومن أجل التأسيس لثقافة سياسية تعتمد القيم الديمقراطية، وتنبذ العنف والاستبداد في عراقنا الحبيب، الذي عانى ما عاناه، لأجل الوصول إلى ديمقراطيته الحالية».
ودعا، الأحزاب والقوى السياسية جميعها أخرى إلى »الاحتكام لمنطق الحوار العاقل الهادئ والبنّاء لحل الأزمة السياسية، والدفع بحلولٍ وطنيةٍ شاملة، تعزز ديمقراطيتنا الفتية، وتدعم ركائز الاستقرار والازدهار لعراقنا الحبيب، وأهلنا الكرام».
في المقابل، حذر رئيس الوزراء الأسبق، زعيم ائتلاف «النصر» حيدر العبادي، أمس، من الاستمرار بـ«تعطيل الدولة»، مشيرا إلى أن الوضع ينذر «بثورة شعبية وتدويل الحالة العراقية». وقال، في بيان صحافي، «مر عام على إجراء الانتخابات المبكرة، وما زال الانسداد السياسي سيد الموقف، وهو أمر لا يليق بمن يتصدى لقيادة شعب وإدارة دولة».
وأضاف: «دعوت سابقاً، وبمبادرات معلنة وخاصة، لتجاوز تداعيات أزمة العملية الانتخابية وما تلاها، والذهاب إلى تسويات وطنية دستورية ينتجها حوار بنّاء ومسؤول للخروج من الأزمة، وأجدد الدعوة، وأحذر من اعتماد معادلة حكم إقصائية هشة تكون تداعيات سقوطها أكبر من مأزق الانسداد الحالي».
وتابع: «يؤسفني الحديث بلغة التحذير، لكن على الساسة إدراك، أنّ الاستمرار بتعطيل الدولة ينذر بثورة شعبية، وبتدويل الحالة العراقية وهو ما لا يرضاه العراقيون»، معربا عن أمله أن «يسود منهج الحكمة لإنهاء الأزمة السياسية، حرصاً على الدولة والنظام والشعب».
ووسط تلك المخاوف، وصل وفد يضم رئيس البرلمان العراقي، محمد الحلبوسي، ومرشح «الإطار التنسيقي» الشيعي لمنصب رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، ورئيس حركة «عطاء»، رئيس هيئة «الحشد الشعبي»، فالح الفياض، إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، للقاء زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، والقادة الأكراد.
ويبدو أن اللقاء الذي سيأتي على وقع الضغط الدولي، يمهّد للإسراع في حسم الأكراد منصب رئاسة الجمهورية، والمضي صوب تشكيل الحكومة الجديدة.
ورجّح رئيس «المجلس الاستشاري العراقي» غير الحكومي، فرهاد علاء الدين، أمس، مضي الانسداد السياسي نحو الانفراج، عازياً ذلك إلى مواقف المجتمع الدولي الأخيرة، لا سيما بعد إحاطة بلاسخارت، في وقت أكد فيه أن موقف (الزعيم الشيعي مقتدى) الصدر ما يزال ثابتاً دون تغيير.
وقال، في سلسلة «تغريدات»، إن «عاماً مضى على الانتخابات المبكرة، وتشكيل الحكومة ما يزال متأخراً، وفشلت القوى السياسية في حل خلافاتها بالرغم من الاجتماعات الماراثونية والوساطات الاستثنائية المحلية والدولية».
وأضاف، أصدرت بعثة الأمم المتحدة بيانا تحثهم على الحوار وعلى «تشكيل حكومة ذات صلاحيات كاملة».
مهمة صعبة
وعن ائتلاف «إدارة الدولة» الذي يضم قادة الأحزاب السياسية باستثناء التيار الصدري، أكد أن «اجتماعاً ساخناً جمع القوى السياسية عدا التيار الصدري يوم السبت (الماضي) وتم تثبيت الرأي بوجوب المضي نحو تحديد الجلسة لانتخاب رئيس الجمهورية، وقرر الاجتماع إرسال وفد رفيع إلى أربيل، لمحاورة زعيم الحزب الديموقراطي، وحثه على الاتفاق مع الاتحاد، إلا أن مهمتهم صعبة للغاية».
وبشأن المشهد الشيعي، قال إن «الإطار، شهد تحولا كبيرا نحو وحدة القرار بعد أن تيقن بعض قياداتهم استحالة تغير المرشح، فأصبح الجميع يغرد على نفس النغمة، وهي المضي نحو تشكيل الحكومة، ويعتقد الإطار بإمكانهم جمع النصاب المطلوب مع الشركاء لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وإن لم تحضر بعض القوى».
وفيما يتعلّق بالتيار الصدري، رأى «عدم وجود تغير في الموقف ولا حوار مع الإطار، والإشارات المرنة التي تخرج من قيادات الخط الأول تتناقض مع الموقف المتشدد لزعيم التيار الذي لا يقبل الجلوس مع قيادات الإطار».
وتابع: «فيما تؤكد بعثة الامم المتحدة على أن يتعين على الجهات الفاعلة كافة الانخراط في حوار دون شروط مسبقة».
وحول المشهد الكردي، أوضح أن «لا تغير ومازال الاتفاق بين الحزبين بعيدا، إلا أن الديمقراطي طرح أفكاراً جديدة حول اختيار مرشح رئيس الجمهورية، تتلخص، بالحسم داخل الكتلة البرلمانية، أو الحسم داخل برلمان كردستان، وهذه الأفكار رفضها الاتحاد لأنها تصب في مصلحة الديمقراطي ولا تراعي توازن القوى في إقليم كردستان».
وزاد: «أصدرت بعثة الأمم المتحدة بيانا صريحا بمناسبة مرور عام على الانتخابات، جاء فيه: ليس لدى العراق الوقت، حان الوقت أن تتحمل القوى السياسية المسؤولية، يتعين على الجهات كافة الانخراط في حوار دون شروط مسبقة، وتشكيل حكومة ذات صلاحية كاملة وفاعلة».
وأكد أنه «أيدت كل من فرنسا وبريطانيا ما جاء في بيان الأمم المتحدة بإصدار بيان لكل منهما»، مبيناً أن «تحذيرات المجتمع الدولي لا تأتي من فراغ، ولديهم مخاوف كبيرة حول تأخير تشكيل الحكومة، وخصوصا بعد مرور عام على الانتخابات والبلد يعيش حالة شلل تام».
وخلاصة الموقف السياسي في العراق، حسب علاء الدين، أن «بيانات المجتمع الدولي تتزامن مع مقررات اجتماع ائتلاف إدارة الدولة، وهذا دليل على اتخاذ القرار، انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة».
وأكد أن «قد نشهد قريبا اجتماعات ماراثونية على التشكيلة الحكومية وتقسيم الوزارات وتداول أسماء الوزراء». واختتم بالقول: «لقد بدأ العد التنازلي لفك الانسداد».