البحث عن جزائريي فرنسا

حجم الخط
3

منذ نصف قرن راهنت فرنسا على أبناء المستعمرات القديمة. لم تعد تتعامل معهم كمخزون للحروب فقط، بل صارت لهم وظيفة رياضية، وشرعت في تكوينهم ودمجهم في منتخباتها لكرة القدم، لاسيما منهم لاعبين ذوي أصول افريقية.
إلى غاية اليوم سنجد أن أكبر عدد في «الديكة» يتشكل من لاعبين تعود أصولهم إلى القارة السمراء، منهم من ولد في فرنسا، وآخرون وصلوا إليها في سن مبكرة. هذا الانفتاح على الأجانب كانت له مكاسب، بدءاً من كأسين للعالم (1998 و2018) إلى غاية تحسين نتائج الفرق الوطنية. هذا الخيار السياسي في الممارسة الرياضية سارت عليه دول أخرى (مثل إنكلترا) وباتت الهوية عاملاً ثانويا في الانضمام إلى منتخبات كرة أوروبية.
منذ نهاية التسعينيات، اختارت الجزائر النهج عينه، وصارت من مهام اتحادية الكرة البحث عن جزائريين تائهين في فرنسا، تنتقي أفضلهم، قصد استقطابهم إلى منتخب الكرة، لكن القضية ليست هينة. فعلى عكس فرنسا، تشقى الجزائر في كسب ثقة أبناء المهاجرين، ولا تتم الأمور بسهولة، بل تفلح أحيانا في استقطاب اسم أو اثنين وتفشل مع آخرين، لأن الأمر ببساطة لا يتوقف على العامل الرياضي، بل هي قضية ثقافية بامتياز، في تحفيز مغترب وُلد وتدرب وتطور وتعلم في فرنسا، بأن يلتحق بمنتخب والديه: الجزائر. نسوق هذا الكلام عقب تتويج كريم بن زيمة بالكرة الذهبية، وهو من والدين جزائريين، فما تزال ـ إلى حد الساعة ـ قضية مزدوجي الجنسية قضية راهنة، محصورة في شقها الرياضي، بدون فهم عميق للمسألة، وأنها تتعدى الكرة إلى مسائل تتعلق بالهوية والثقافة التي نشأ عليها ذلك اللاعب المغترب.

الماضي ضد الحاضر

من المتعارف عليه أن لا أحد من اللاعبين المغتربين يختار الجزائر كخيار أول، بل جميعهم ـ مع استثناءات نادرة ـ يترقبون دعوة من منتخب فرنسا، في حال عدم وصول تلك الدعوة، ومع تقدمهم في السن، أو في حال وجود منافس قوي لهم في المركز الذي يلعبون فيه، يفكرون حينها في الجزائر. هكذا جرت الأمور ولا تزال تجري بالطريقة عينها. فاللاعب المغترب وُلد في فرنسا، تكوّن في فرنسا، تدرج في الفئات العمرية في فرنسا، ومنهم من لعب في منتخبات فرنسا للشباب، أي أن ولاءه إلى فرنسا بالدرجة الأولى، وذلك أمر طبيعي، ولا يتعلق الأمر بالمغترب الجزائري وحده، بل يحدث مع المغربي والتونسي والإيفواري والكونغولي وغيرهم. لأنهم ينظرون إلى فرنسا بوصفها المنتخب الأهم، واللعب في صفوف الديكة من المحتمل أن يتيح لهم عقوداً أفضل وصفقات أعلى مع النوادي، هكذا يربطون اللعب للمنتخب بمكاسبهم في الأندية، ما يعني أن العملية تجارية أيضاً.

لقد وقعت قطيعة عمرت طويلة، من جهة أبناء المغتربين الذين يجدون أنفسهم في عزلة، لا رابط يعيدهم إلى الجزائر سوى حكايات الآباء القديمة، ومن جهة أخرى تغيب السفارة عن الانتباه إليهم، مع حصر مهامها في شؤون إدارية محضة.

اللعب في فرنسا يسهل لهم الوصل إلى دوري أوروبا وإلى كأس العالم وبالتالي لفت أنظار سماسرة الكرة ونيل عروض أقوى من أندية إنكليزية أو إيطالية أو إسبانية، عكس الحال في الجزائر، حيث التأهل لكأس العالم أمر شاق، عكس ما هو عليه الحال في فرنسا. ورغم ضغط اليمين المتطرف على اتحادية الكرة الفرنسية بأن تنتهج منطق (الكوتا) أي تحديد عدد مزدوجي الجنسية في المنتخب وإتاحة هامش للاعبين من أصول فرنسية 100% فإن ذلك لم يتحقق. ما يهم الفرنسيين هو نتائج المباريات وليس من يلعب أساسيا أو احتياطياً. لا يهم إن سجل محمد أو كريم أو كوليبالي أو تراوري، المهم أن يسجل لصالح أصحاب القميص الأزرق، فمنطق اليمين المتطرف كان سيعود بالمنفعة على دول افريقية كي تستعيد أبناءها المغتربين، وكانت ستكون تلك المرة الأولى التي يقدم فيه اليمين خدمة لافريقيا، لكن حصل العكس، وظل منطق الكسب أهم من منطق تحديد (الكوتا). بالمقابل تواصل الجزائر سعيها في استمالة أبناء الجالية، وتراهن ككل مرة على وتر التاريخ. استجلاب الماضي ضد الحاضر، في تذكير اللاعبين بأصولهم وماضيهم آبائهم، بدون الانتباه أن ذلك الخطاب الماضوي لن يغير شيئاً من خياراتهم الرياضية.

التواصل مع الجالية

الجالية الجزائرية في فرنسا تعد بالملايين، لكنها لا تحظى بعناية من بلدها الأصلي، لا تتمتع سوى بمركز ثقافي جزائري واحد في باريس، مع جدول برامج متذبذب، ولا يستجيب لتطلعات الأجيال الشابة منهم. مع عدم اهتمام ملموس بالأعداد الهائلة من الجالية في مدن فرنسية أخرى، فغالباً ما يتم التركيز على جزائريي باريس بدون غيرهم. لقد وقعت قطيعة عمرت طويلة، من جهة أبناء المغتربين الذين يجدون أنفسهم في عزلة، لا رابط يعيدهم إلى الجزائر سوى حكايات الآباء القديمة، ومن جهة أخرى تغيب السفارة عن الانتباه إليهم، مع حصر مهامها في شؤون إدارية محضة. هذه القطيعة المزدوجة تعجل بقطيعة الشباب المغترب عن بلده الأصلي، الذي لا يعرفه سوى من زيارات في العطل الصيفية في الطفولة، لكن بعد أن يكرس الشاب مكانة رياضية له، ستندر تنقلاته، وتصير صلته بفرنسا وحدها. إن الضجة التي تثار في الجزائر، في كل مرة يرد فيها الحديث عن استقطاب لاعبين مغتربين، لها مبرراتها، بحكم هذا التباعد بين الطرفين، في حين يظل القائمون على الكرة في البلاد ينتظرون بزوغ نجم لاعب، قصد السعي وراءه من أجل إقناعه باللعب لصالح بلد الأجداد. لكن ماذا فعلوا قبل أن يصل ما وصل إليه من نجومية؟ إنهم في دكة الانتظار وكفى، لا يبحثون عن وسائط تواصل أخرى مع المغتربين، قصد تمتين علاقاتهم بالوطن الأم، لا برامج ثقافية موجهة لهم، ولا سياسة واضحة في احتضانهم، بل إنهم معزولون إلى حالهم، إلى غاية أن يوقعوا في ناد محترف، فيتذكرهم أهلهم في الطرف الآخر من المتوسط. وإن كان خيار اللعب المغترب هو فرنسا، قبل التفكير في الجزائر، فإن هذا الأمر أيضا له سبب ثقافي، حين ينظر ذلك اللاعب الشاب إلى تنشئته، حيث تغيب الجزائر الرسمية عن إتاحة صلات له مع أرض الأجداد. هكذا هي الحلقة المفرغة التي تدور وقائعها كل عام، من تغيب الحضور الثقافي الجزائري في فرنسا، ثم اتهام اللاعب بالتنكر لأصوله في حال اختار اللعب لصالح فرنسا بدل الجزائر.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية