يحذر عدد من رجال الفكر وقادة المجتمع اللبناني والعربي من المبالغة في الأمل بان لبنان سيتجاوز مشاكله الاقتصادية والسياسية بعد توقيعه وثيقة ترسيم الحدود البحرية الجنوبية مع الكيان الإسرائيلي وإمكانية بدء استخراجه وتصديره للغاز والنفط في السنوات المقبلة بالتعاون مع الشركات الطاقة العالمية.
ويطرح عدد من هؤلاء النظرية المستندة إلى واقع الأحداث والتطورات في بلدان استخرجت المزيد من الطاقة المخزونة في أراضيها ولكن أوضاع شعبها الاقتصادية لم تتحسن، ويذكرون في هذا المجال دولاً كنيجيريا والعراق وليبيا وغيرها.
أحد الأسباب الرئيسية لعدم تلازم النمو الاقتصادي والسياسي مع اكتشاف مخزون الطاقة أو توسيع مجال استخراجه في تلك البلدان، هو (برأي هؤلاء الخبراء والمفكرين) فساد قادة الأنظمة فيها وتقاسمهم الثروات على حساب شعوبهم.
ففي لبنان بالتحديد، يقولون انه إذا استمرت الطغمة السياسية والاقتصادية التي حكمت البلد في العقود الماضية في الهيمنة على القرارات المصيرية سياسياً واقتصادياً من أجل مصلحتها وليس في سبيل تحسين أوضاع الشعب اللبناني، فإن القليل جداً سيتبدل.
في كتاب صدرَ بالفرنسية مؤخراً للدكتور في الاقتصاد البير داغر، المتخصص في حقله في جامعة باريس العاشرة والأستاذ في الاقتصاد في الجامعة اللبنانية لثلاثة عقود، عنوانه: «شلة مفترسة هدمت لبنان» يوضح ويؤكد داغر أن مثل هذه الشلة النخبوية الفاسدة استخدمت ما كان باستطاعتها استخدامه في العقود الماضية الأخيرة لتحقيق زيادة في ثرواتها على حساب لبنان وشعبه ومنعت تطور هيكلية الدولة اللبنانية الفاعلة والمستدامة والقادرة على الردع وعدم الخضوع لرغبات وشهوات السياسيين الجشعين، وخصوصاً بعد انتهاء فترتي قيادة الرئيسين فؤاد شهاب وشارل حلو، وعلى عتبة انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (لعام 1975 ـ 1990) ومنذ بداية عقد تسعينيات القرن الماضي وحتى الساعة.
وعلى الرغم من ان «الدولة الزبائنية» المستندة إلى هيمنة الزعماء الطائفيين والاقطاعيين على قيادة البلد السياسية والاقتصادية سيطرت منذ فترة طويلة، فإن معظم الإصلاحات التي حاول الرئيس شهاب إدخالها في هيكلية الدولة على شاكلة «مجلس الخدمة المدنية» و«هيئة التفتيش المركزي» و«وزارة التصميم» تم تجميدها وحلت مكانها هيئات ساهمت في الاستيلاء على المال العام وتنفيذ التزامات ضخمة مدعومة وواردة من تمويل إقليمي وعالمي بواسطة متعهدين مرتبطين بالشلة الحاكمة ثم اقتسام المردودات المالية الضخمة معها من دون محاسبة شفافة.
كتبَ تمهيد هذا الكتاب الدكتور جورج قرم، وزير المال اللبناني السابق، الذي اختبر وحقق في كثير من هذه التجاوزات خلال قيامه بمهماته الوزارية ولكنه عجز عن ضبط تلك «الشلة المفترسة» التي دعمها سياسيون لبنانيون وقادة إقليميون ودوليون.
الأمر الأهم (حسب الدكتور داغر) وهو الأمر الذي تجنبته الدولة (خصوصاً في السنوات الثلاثين الماضية) والذي حاول الرئيسان شهاب وحلو تعزيزه كان مبدأ المحاسبة. فعندما كان يحاول أي مسؤول كبير في الدولة (كحاكم المصرف المركزي أو وزير) ممارسة الفساد كانت تقوم المؤسسات الرسمية التي أنشأها شهاب وعزز نفوذها بمحاسبته. وكان القضاء مستقلاً في اتخاذه القرارات إلى درجة كبيرة، على عكس ما هو عليه الآن حيث يخضع لمشيئة السياسيين.
المطلوب حالياً، وفي الفترة التي سيبدأ فيها العمل على استخراج الغاز والنفط، إنشاء هيئة أو «مجلس تخطيط مركزي» لإدارة عمليات الاستثمار الصناعي، بما في ذلك عمليات استخراج واستثمار مردودات الطاقة، يكون مستقلاً عن الأطماع الخاصة للسياسيين الفاسدين ورغباتهم في اقتطاع الحصص والعمولات من تلك المردودات.
وهذا الأمر هو عكس ما تسعى إليه الطغمة أو «الشلة المفترسة» التي اعتادت على مثل هذه الممارسات على حساب الشعب اللبناني بحجة دفاعها عن مصالحه الضيقة الطائفية أو المناطقية أو العشائرية.
يستند الكاتب في بعض تحليلاته ومقترحاته على آراء وردت في كتب صدرت عن مفكرين عالميين كتبوا عن الزبائنية والمحاصصة في لبنان واستندوا إلى نظريات عالم الاجتماع البارز في القرن الماضي ماكس فيبر، وبينهم مفكرون معاصرون في الغرب كالإنكليزي مايكل جونسون والفرنسي جي.اف.ميدارد بالإضافة إلى باحثين اقتصاديين وسياسيين وصحافيين لبنانيين كمحمد وهبة ونقولا ناصيف وغيرهما ومسؤولين سابقين في وزارات لبنانية وإدارات أشرفت على قطاعي المال والاقتصاد واطّلعت بشكل مباشر على الحسابات والتقارير الملتوية والمفبركة في تلك الوزارات في السنوات الماضية.
في السنوات الثلاثين الماضية، يقول داغر، «اعتقد بعض كبار الزعماء الطائفيين والمناطقيين في لبنان بان أموال الدولة هي أموالهم الخاصة خصوصاً في مقاطعات المجتمع التابعة لهم». (ص 18).
وبرأي الكاتب فإن مثل هذا التوجه يحول دون أي نمو اقتصادي للبلد وإلى فوضى سياسية. وبالتالي، إذا استمروا في مواقعهم وفي مناصبهم وازداد تمسكهم بحصصهم التي ستأتي من استخراج وتصدير الطاقة النفطية والغازية اللبنانية، فإن وضع لبنان في المستقبل لن يكون شديد الاختلاف عن انهياره الحالي أو عن وضع البلدان التي استخرجت النفط والغاز ولكن شعوبها استمرت في حالتي الفقر والعوز.
فالمطلوب، برأي الكاتب، بذل المجهود لمنع هذه «الطغمة المفترسة» والمؤسسات المرتبطة بها من الاستمرار في مناصبها أو في تعزيز تلك المناصب من خلال الهيمنة على السياسة والقضاء في البلد ورشوة الإعلام لدعمها.
استمرار الفوضى الاقتصادية، حسب داغر، هو في مصلحة هذه الطغمة التي تشتري دعم وتأييد المحسوبين عليها عن طريق تأمين الوظائف والحاجات الأساسية لهم ولعائلاتهم. وعبر اقناع أزلامها انها تفعل كل ما تفعله في سبيل حماية مصالحهم كمجموعات طائفية أو مناطقية عشائرية أو أثنية. (ص 21). وهذه الطغم قد تستفيد في بعض الأحيان من استمرار أو تأجيج النزاعات والمواجهات الطائفية للتأكد من استمرار التزام المحسوبين عليها لمشيئتها ولتجاوزاتها.
هذه «المحاصصة» بين القادة الطائفيين والفئويين في لبنان ليست طائفية بالمعنى المطلق، بل هي (حسب المؤلف) وسيلة اقتصادية ومالية ملتوية لاستغلال الطائفية. وبالتالي، تتأسس ما يشبه «الشركات الطائفية» المتعاونة مع بعضها الآخر في تقاسم الثروات طالما كل زعيم لا يعتدي على «حقوق» الزعيم الآخر. (ص23). وبالتالي، لا يعود بالنسبة إلى هؤلاء الزعماء أي شيء اسمه ثروة الدولة اللبنانية، بل هناك فقط تضخم ثرواتهم عبر حصصهم من موارد الدولة. وهنا تكمن خطورة بقاء هؤلاء الذين يعرفهم الشعب اللبناني بالأسماء في مناصبهم السياسية الكبرى لدى ابتداء الاستثمار والتصدير للطاقة اللبنانية في السنوات والعهود المقبلة.
وإذا جرت تطورات لمنع هذه «الشلة المفترسة» من الاستمرار في نهبها للثروة اللبنانية فإنها لن تتورع عن استخدام العنف للدفاع عن مصالحها (إذا استطاعت فعل ذلك) حسب داغر.
ويذكر الكاتب في ص (33) كيف نجح أحد الوزراء (وزير الاتصالات السابق) في نهب مئة مليون دولار في صفقة واحدة نظمها في أول بروز له على الساحة الوزارية اللبنانية. وكان الوزير يحتل ذلك المنصب الوزاري في الحكومة ما قبل الأخيرة للرئيس سعد الحريري في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019 ووردت ممارساته الملتوية في شكاوى قُدمت في مؤتمر (سيدر) لدعم لبنان في باريس في الثامن والعشرين من ذلك الشهر والعام.
ومن الأمور الخطيرة التي يلفت الكاتب النظر إليها، والتي قد تحدث في المستقبل، هي دعوة بعض كبار قادة هذه «الطغمة المفترسة» إلى خصخصة المؤسسات العامة الكبرى عبر استخدام أموال المودعين في المصارف واعطائهم أسهماً مالية كبدلٍ عنها قد تفقد قيمتها أو تخسرها في المستقبل بشكل كبير، كما حدث في «تعويضات» قُدمت لأصحاب الأملاك العقارية بأسهم مالية خسرت الكثير من قيمتها في مشروع (سوليدير) في وسط المدينة، خلال فترة ترؤس الرئيس رفيق الحريري للوزارات اللبنانية المتعاقبة من 1992 إلى 2005 (ص36).
ويشير الكاتب إلى وجود اخطبوط مالي مكون من 12 شركة تملك 55 في المئة من محطات التزويد بالوقود و68 في المئة من الشاحنات الضخمة التي تنقلها. ويتساءل قائلاً: «بما ان الدولة اللبنانية لا تستورد مباشرة الوقود (الفيول) لشركة كهرباء لبنان، فهناك شركة واحدة خاصة تقوم بهذه العملية وتربح سنوياً خمسمئة مليون دولار، وتتقاسم أرباحها مع «الطغمة المفترسة» من السياسيين، فلماذا تتواجد مثل هذه الممارسات التي تم الاعتراض عليها في مؤتمر «سيدر» في باريس في 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2019»؟ (ص37).
ويتابع داغر هذا الموضوع قائلاً: «هناك مشروع لخصخصة شركة كهرباء لبنان يُطرح حاليا من دون المعالجة الفاعلة لوسائل تزويد الشركة بالفيول والأخطاء المرتكبة في العملية. وهذا الأمر ساهم وسيساهم في استمرار ركون الشعب اللبناني إلى المولدات الخاصة لتزويده بالكهرباء، ما يعني المزيد من المعاناة». (ص37).
ويؤكد ان المؤسسات الثلاث التي مارست أكبر كمية من الفساد في ظل قيادة «الطغمة المفترسة» مالياً التي تسعى للبقاء في مناصبها في لبنان في المستقبل هي: وزارة المال ومجلس الإنماء والإعمار ووزارة الاتصالات. (ص41).
وكان «مجلس الإنماء والإعمار» قد حل في مكان وزارة التصميم التي أنشأها وعزز دورها الرئيسان شهاب وحلو حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضي. ومُنح المجلس بموجب قانون رقم 246 صَدَر في عام 1993 القدرة على إطلاق مشاريع ضخمة من دون العودة إلى ميزانية الدولة لمعرفة إذا كانت المبالغ المتوافرة لهذه المشاريع متواجدة في الميزانية، وبالتالي، أصبحت المبالغ الواردة عبر رئيس الحكومة آنذاك في تصرف المجلس من دون التنسيق مع الموازنة الحكومية. وبنتيجة ذلك أنفق «مجلس الإنماء والإعمار» مئات الملايين من الدولارات عبر هذه الآلية من دون مراقبة ومحاسبة». (ص44).
وهكذا، أصبحت مجالس الوزراء في تلك الحقبة بإمكانها إنفاق الأموال الواردة إلى وزرائها المحسوبين على الطغمة الحاكمة من دون رقيب، وجرى تلزيم عشرين إلى ثلاثين مشروع بلغ مجموع تمويلهم مئات ملايين الدولارات بهذه الطريقة في تلك الحقبة، واستفاد منها وزراء «الطغمة المفترسة» وحوالي دزينة من الشركات التابعة لهم. (ص44).
ويستنتج الكاتب ان ما جرى في تلك الحقبة وما قد يستمر يشكل عملاً جرمياً تجب المحاسبة القانونية عليه بحيث تحولت الدولة إلى مؤسسة للأعمال المخالفة للقوانين. (ص50). ويعتبر بان مشاريع سياسييّ «الطغمة المفترسة» تعاونت مع بعض رجال الأعمال والمصارف المرتبطة بأعمالها وتجاوزت القوانين والشرائع وأنها فرضت نفسها على القضاء والقرارات المصيرية للبلد. فصارت المصارف ورجال الأعمال المرتبطين بالطغمة يفرضان أسماء الوزراء بدلاً من خضوعهما لمراقبة الدولة. (خصوصاً الوزراء والمسؤولين الكبار في الشؤون المالية).
Albert Dagher: «Comment une élite prédatrice a détruit Le Liban?»
Editions Le Bord de l’eau, Lormont 2022
150 Pages.