السعودية عندما تصبح عضوا في مجموعة بريكس المشاكسة

ابراهيم نوار
حجم الخط
4

بمجرد ان المحت السعودية إلى رغبتها في الانضمام إلى مجموعة الدول الصاعدة بريكس، انطلقت ردود فعل مرحبة في عواصم الدول الأعضاء وثارت أسئلة تكسوها الدهشة في عواصم دول غربية ما زالت تتساءل عن مصير العلاقات المتوترة بين الرياض وواشنطن. رغبة السعودية في الانضمام إلى بريكس أبلغها ولي العهد رئيس لوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى رئيس جمهورية جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، الذي كان في ضيافة السعودية على رأس وفد ضخم من المسؤولين ورجال الأعمال الجنوب أفريقيين منتصف الشهر الحالي. الإشارة بلغت بكين بسرعة فنشرت صحيفة «غلوبال تايمز» في 19 من الشهر الحالي تقريرا جاء فيه ان اهتمام الرياض بالانضمام إلى بريكس يؤكد الاستقلال المتزايد لدبلوماسيتها تجاه واشنطن. وقال أحد الخبراء للصحيفة ان هذه الرغبة ليست مستغربة في ظروف التوتر الحالية مع الولايات المتحدة ذلك ان انضمامها إلى تلك المجموعة من شأنه ان يحمي مصالح السعودية النفطية ولا يجعلها مجرد ورقة يلعب بها آخرون. كما قال خبراء وأكاديميون استطلعت الصحيفة وجهات نظرهم ان انضمام السعودية إلى مجموعة بريكس سيكون أيضا بمثابة تعزيز لمكانة الشرق الأوسط وتقوية علاقات دول المنطقة مع المجموعة، كما ان من شأنه ان يضعف نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتدخلها في شؤون دول المنطقة.
ونقلت «غلوبال تايمز» عن لي شاو جيان مدير معهد الصين للدراسات العربية ان السعودية لها مصلحة أكيدة في تعديل الصيغة التي أطلق عليها مصطلح «النفط مقابل الأمن» الذي يمثل الأساس الذي يقوم عليه إطار العلاقات الثنائية بين البلدين وذلك نظرا للتغيرات الراهنة في الوضع الدولي وان من مصلحتها ألا تضع البيض كله في سلة واحدة. وقال شاو جيان إن أوروبا في حاجة للطاقة من السعودية وان روسيا تتعامل معها باهتمام وجدية كما ان الصين تحتفظ معها بعلاقات جيدة. وعلى العكس من ذلك حسب تقديره فإن السعوديين لا يشعرون بان سياسة الولايات المتحدة معهم تقوم على أسس التكافؤ والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. ومع زيادة التوتر في الأيام الأخيرة فإن أصواتا تتعالى داخل الكونغرس غاضبة على السعودية تطالب بوقف مبيعات السلاح إليها فورا، حيث قدم السيناتور كريس ميرفي عضو لجنة الشؤون الخارجية طلبا لتجميد بيع بطاريات صواريخ باتريوت التي من المفترض تسليمها للسعودية وتحويلها بدلا من ذلك إلى أوكرانيا.
انضمام السعودية إلى بريكس يعني أيضا الكثير بالنسبة للمجموعة التي تسعى لزيادة وزنها في الاقتصاد العالمي. ومن أهم المسائل التي يتم تطويرها حاليا فكرة زيادة الاعتماد على العملات المحلية في تسوية مدفوعات التجارة المشتركة وغيرها من المبادلات في المجالات الاقتصادية مثل السياحة والاستثمار والتمويل وهذا ردا على قيام الولايات المتحدة باستخدام الدولار كسلاح سياسي ضد الدول التي تختلف معها. وخلال المنتدى الاقتصادي لدول المجموعة الذي انعقد في حزيران/يونيو الماضي قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان بلاده تبحث خلق عملة احتياطية دولية جديدة بديلا عن الدولار الأمريكي تستند على سلة عملات دول بريكس بأوزان مختلفة بحيث يعادل وزن كل عملة حجم وقوة الاقتصاد الذي تعبر عنه.

إقامة منطقة نقدية جديدة

في هذه الحالة فإن انضمام السعودية إلى المجموعة من شأنه ان يعزز دور الريال السعودي كعملة احتياطي دولية في حال تبلور ونجاح اقتراح الرئيس الروسي. ومن المعروف ان السعودية تدرس بالفعل فكرة تسوية مبيعات النفط إلى الصين باليوان، كما ان الصين انشأت بورصة لعقود النفط في شنغهاي تلعب دورا متزايدا في تسوية صفقات باليوان الصيني وليس بالدولار. ومن المؤكد ان دولا أخرى من مستوردي النفط السعودي مثل الهند سترحب بهذا الاقتراح. هذا من شأنه أن يضعف الطلب على الدولار الذي يمثل عملة تسوية مدفوعات النفط ويوجه ضربة قاسية له إذا نجحت بريكس في إقامة منطقة نقدية جديدة مستقلة عن الدولار مثلما فعلت دول منطقة اليورو.
وعلى الرغم من ان معظم التفسيرات لرغبة السعودية الانضمام إلى بريكس تتركز حول خلافها مع الولايات المتحدة فإن هناك عوامل أخرى ذات طابع اقتصادي تمنح السعودية مزايا كثيرة من هذه الخطوة وتلبي احتياجات مهمة لها. العامل الأساسي والأهم هو رغبة السعودية في الانتقال من عصر التنمية التي يقودها النفط إلى عصر التنمية التي تقودها الصناعة والتكنولوجيا. هذا يتطلب تنويع العلاقات الاقتصادية للسعودية حول العالم وعدم اقتصار ترتيبات التعاون الاقتصادي المتعدد الأطراف على وجودها في منظمة الدول المصدرة للبترول ومجلس التعاون الخليجي وغيرها من الترتيبات التي تشارك فيها حاليا مثل مجموعة العشرين.
ولا تستطيع السعودية مثلا الانضمام إلى مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى لان هذه المجموعة هي عبارة عن ناد مغلق للدول السبع فقط غير مسموح بدخوله لغيرها خصوصا بعد فشل تجربة ضم روسيا للمجموعة. ونظرا لان الاقتصاد السعودي قد دخل فعلا إلى مرحلة نمو سريع وسيحقق هذا العام أعلى معدلات النمو في العالم (7.6 في المئة) فإن المحافظة على قوة الدفع الاقتصادي تتطلب الدخول بقوة في منظومات سلاسل الإمدادات العالمية، الصناعية واللوجيستية، لتحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للصناعة السعودية التي صدرت أخيرا.
ويمثل تطوير الصناعة حاليا نقطة الاختراق الرئيسية التي إذا استطاعت السعودية ان تنجح في اقتحامها، فإنها تكون قد فتحت لنفسها بابا واسعا للتحول من مجرد قوة نفطية ومالية إلى قوة صناعية وتكنولوجية ولوجيستية عالمية من الدرجة الأولى. وبقراءة الإحصاءات الرسمية السعودية يتضح ان الصناعات التحويلية بعد ثلاث سنوات من النمو السريع بين عامي 2008 و2011 تعرضت لحالة من الركود في السنوات الخمس التالية، حتى انحدر معدل النمو إلى 0.1 في المئة في عام 2016 كما تدهورت قيمة الصادرات الصناعية. في الوقت الحاضر تساهم الصناعات التحويلية غير النفطية بنسبة عشرة في المئة تقريبا من الناتج المحلي الاجمالي، وتسعى السعودية إلى مضاعفة هذه النسبة بنهاية استراتيجية التنمية 2030.
ولا شك أن تصريح وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان الذي قال فيه: «أضعنا 40 سنة كان باستطاعتنا أن نكون خلالها مثل الهند والصين في مجال الصناعة. ولكننا قررنا ألا نضيع وقتا آخر بهذه الاستراتيجية الوطنية للصناعة». ولا تخطئ العين هنا ملاحظة ان الأمير عبد العزيز ضرب مثلا بكل من الهند والصين وهما من الدول الخمس المؤسسة لمجموعة بريكس، التي قامت عام 2009 باتفاق بين الصين والهند وروسيا والبرازيل، ثم انضمت إليها جنوب أفريقيا في العام التالي. دول بريكس كانت قبل 20 عاما تسهم بنسبة 8 في المئة فقط في الاقتصاد العالمي، أما الآن فإن نصيبها ارتفع إلى 25 في المئة، أي أن نصيبها تضاعف إلى ثلاثة أمثال ما كان عليه. كما تحتضن هذه الدول 42 في المئة من سكان العالم وتسهم وحدها بما يعادل نصف معدل النمو الاقتصادي العالمي. وإذا جمعنا دول بريكس مع غيرها من الدول النامية فإنها جميعا ستكون مسؤولة عن نسبة 80 في المئة من النمو العالمي كل عام.

بناء سلاسل امدادات جديدة

بتحليل إحصائيات البنك الدولي نجد ان قيمة الناتج المحلي الاجمالي للعالم في العام الماضي بلغت 96.1 تريليون دولار منها 24.6 تريليون دولار لدول مجموعة بريكس، وهو ما يفوق قيمة الناتج المحلي الاجمالي للولايات المتحدة الأمريكية (23 تريليون دولار) وأكبر من الاتحاد الأوروبي (17.1 تريليون دولار) وإذا أضفنا قيمة الناتج المحلي الإجمالي للسعودية (833.5 مليار دولار) فإن نصيب المجموعة من الناتج العالمي يرتفع إلى 25.5 تريليون دولار بنسبة 26.5 في المئة. ومن ثم فإن انضمام السعودية إلى مجموعة بريكس يجعلها عضوا في أكبر مجموعة اقتصادية في العالم، تضم دولا نامية صاعدة بدون أي مشاركة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
هذا من حيث الحجم أما من حيث النوعية، فإن انضمام السعودية إليها مع وجود روسيا كذلك من شأنه أن يجعلها أكبر مصدر للنفط في العالم بلا منافس. ومن ثم يصبح من المستحيل خلال السنوات العشرين المقبلة على الأقل تحقيق أمن الطاقة في العالم بدونها، ولا يمكن للولايات المتحدة أو غيرها التلاعب بورقة النفط السعودي لمصلحتها الخاصة. وما يعزز قوة مجموعة بريكس كذلك أنها تضم في عضويتها الصين، وهي أكبر قوة تجارية في العالم حاليا، كما أنها مرشحة لأن تحتل المركز الأول من حيث القيمة الأسمية للناتج المحلي الإجمالي، وتترك للولايات المتحدة المركز الثاني قبل منتصف القرن الحالي.
وترتبط السعودية مع الصين بعلاقات خاصة، من حيث ان الصين هي أكبر مستورد للنفط السعودي، كما انها أيضا شريكها التجاري الأول. وتكشف بيانات الأمم المتحدة عن التجارة الخارجية السعودية أن صادراتها عام 2020 بلغت 167 مليار دولار وكانت الهند والصين على رأس أسواق التصدير بنسبة 20 و 10 في المئة على التوالي. ولا يختلف الأمر كثيرا من حيث الواردات التي بلغت في العام نفسه 143 مليار دولار كان نصيب دول بريكس منها 29 في المئة. ومن ثم فإن السعودية إذا انضمت إلى بريكس فإن ذلك لا يجب النظر اليه على انه فعل عدائي موجه ضد الولايات المتحدة، وانما لان ذلك يعكس حال العلاقات الاقتصادية الحالية، وهو الطريق الصحيح إلى تطوير تقسيم العمل الدولي بين السعودية ومجموعة بريكس، لينتقل من مرحلة التجارة إلى مرحلة الاشتراك معا في تكوين حلقات سلاسل الإمدادات الإنتاجية واللوجستية.
وفي سياق تطوير نظام التقسيم الدولي للعمل بين الطرفين فإن السعودية ستكون قادرة بدون قيود أو شروط على توطين صناعات قائدة مثل صناعة السيارات في إطار تكامل سلاسل الإنتاج بينها وبين الدول الخمس التي تتمتع جميعها بطاقات كبيرة في هذه الصناعة وغيرها من الصناعات، وخصوصا في مجال تطوير صناعة السيارات الكهربائية ومكوناتها. كما تستطيع السعودية ان تدخل بسهولة من خلال مشروعات التعاون المتبادل إلى عصر الثورة الصناعية الرابعة. وفوق كل ذلك فإنها تستطيع ان تمضي قدما في تطوير صناعة عسكرية وطنية بعيدا عن القيود والشروط التي تفرضها عليها الولايات المتحدة، ذات المصلحة في أن تبقى السعودية أكبر سوق في العالم لصادراتها العسكرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية