«صاحب الحكايات» تنويع سينمائي جديد على فيلم حكايات الغريب

كمال القاضي
حجم الخط
0

أن يتم التأثر بفيلم مهم مثل فيلم «حكايات الغريب» للمخرجة إنعام محمد علي فهذا أمر طبيعي ومقبول، خاصة إذا كان التأثر إيجابياً وفي الحدود المسموح بها على مستوى الفكرة العامة فقط بدون النقل أو الاستنساخ. «صاحب الحكايات» فيلم روائي قصير للمخرجة الشابة مارينا إبراهيم تدور أحداثه حول مفهوم الوحدة الوطنية الذي تترجمه السياقات الإنسانية من غير الحاجة إلى شعارات وهتافات تؤكد ما هو مؤكد بذاته ومُعلن عنه في شتى الصور الاجتماعية والأحداث الفارقة في عمر الوطن الأم الحاوي لكل الأديان والطوائف والفئات في تناغم وانسجام مُتحققان بالضرورة.
في فيلم «حكايات الغريب» للمُخرجة إنعام محمد علي تركزت الفكرة الرئيسية التي كتبها الكاتب الراحل جمال الغيطاني في مفهوم الوطنية كعلامة دالة ومُتشابهة لدى كل أبناء مدينة السويس، بحيث تصعب التفرقة بين شخص وآخر في أيام الحرب والسلم، فالجميع متواجدون في كل الميادين، على جبهة القتال وفي الشوارع وعلى شط القنال وفي الأسواق والطرقات، جميعهم متمثلون في شخص واحد هو الإنسان الوطني الرمز الواضح للمقاومة والشجاعة والبسالة والفداء.
هكذا كانت الصورة الدرامية في فيلم «حكايات الغريب» غنية بذاتها وتفاصيلها ومعناها، وربما يستدعي التشابه أو توارد الخواطر والأفكار، المقارنة بين فيلم مضى على إنتاجه أكثر من ثلاثين عاماً وفيلم آخر حديث الإنتاج تنطوي أبعاده على هدف نبيل وتسجيل بالصوت والصورة لأهم نقاط القوة في فترات المواجهة واشتعال الحماس لإنقاذ البلاد من فتنة كانت تستهدف استقرار الوطن الآمن ووحدته الوطنية، وهو إسقاط عفوي من كاتبة السيناريو والمخرجة مارينا إبراهيم على حالات الفوران التي ظهرت آثارها في ثورة 25 يناير ودفعت الكتلة الشعبية بكافة فئاتها الاجتماعية وتياراتها السياسية إلى المُضي قُدماً نحو المجهول ليتبين بعدها الخيط الأبيض من الخيط الأسود في فجر الوطن الذي عاش أياماً صعبة عانى خلالها من ظُلمة حالكة وبوصلة غائبة.
لقد اعتمدت مارينا في فكرتها الجوهرية على بساطة الأسلوب واستخدام الثيمة المُتعارف عليها في التدليل على رسوخ الوحدة الوطنية كبنية أساسية، بالإشارة غير المباشرة، حيث التركيز على شخصية البطل كريم الذي اختفى فجأة في ظروف غامضة تاركاً الحيرة في عيون وعقول أصدقائه الذين يجهلون مكانه ومصيره، لكنه يعود على غير موعد مُسبق كأنه مُستدعى لمهمة بعينها لإثبات حضوره بين ملايين الشباب في ميدان المعركة المصيرية التي تُحدد هويته وكينونته وارتباطه بالوطن الذي ولد ويعيش فيه وينتمي إليه.
وكما ارتسمت علامات الدهشة والألم على وجوه أصحابه لحظة اختفائه، عادت علامات أخرى ترتسم على وجوههم لحظة عودته بشكل باعث على الفرح والتفاؤل والرغبة في العطاء وبذل كل ما هو غالي ونفيس ليبقى الوطن قوياً ومُلتحماً ومحتوياً كل أبنائه بلا تفرقه تُفسد الفرحة وتُعكر الصفو. وللضرورة الدرامية والوثائقية تستعين المخرجة ببعض المشاهد الأرشيفية من مظاهرات الثمانية عشر يوماً الفاصلة في عام 2011 بين كفاح الشعب المصري وحصوله على ما كان يصبو إليه من التغيير والتعديل وتحويل المسار، وهي المُكتسبات التي طال أمد الحصول عليها لما بعد أيام المواجهة الأولى، إذ اندلعت أحداث أخرى في 30 حزيران/يونيو، وهي من مُميزات التداخل في الفيلم الروائي القصير «صاحب الحكايات» كونه جمع بين خصائص العمل التسجيلي والعمل الروائي في قالب واحد من دون إشعار المُتلقي بالاختلاف النوعي بين الجنسين السينمائيين والمُحافظة على وحدة الإيقاع والهارموني.
لكن اللافت أن الجزء التسجيلي في الفيلم جاء في الختام كأنه الفصل الأخير في الحكاية التي يرويها صاحبها أو أصحابها، فالبطل كريم الذي أدى دوره المُمثل الشاب كيرلس فتحي ليس وحده صاحب الحكاية أو راويها، وإنما حسب الرؤية السينمائية لكاتبة السيناريو والمخرجة تظل الحكاية منسوبة لكل أبطالها ورواتها وإن اختلفت طُرق الحكي وكيفية السرد وتباينت مواهب المُمثلين الصاعدين، إبراهيم يوسف في دور كمال وأوليفيا عاطف في دور مريم وجرجس سامح في دور رامز ونورا نبيل في دور هبة وصولاً إلى بقية الأسماء، إبراهيم سمير وجورجينو عادل وماريا سامي.
وكذلك مدير التصوير مينا اسحق الذي جسد بالكاميرا كل الأدوار مُجتمعة وأعطى للصورة السينمائية عمقاً ومذاقاً وميزها باختلاف الكادرات ودلالاتها ومعانيها المُتصلة بالإطار والموضوع، فلا شك في أن لغة الصورة كانت عنصراً فارقاً في تأكيد الحالة المُتفق عليها فنياً وإبداعياً وواقعياً وهي وحدة الصف ولُحمة الوطن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية