باليه كازابلانكا: رقصات الفيلم الرومانسي

لم يكن فيلم «كازابلانكا» فيلماً غنائياً إلا أن أغانيه لا تُنسى، وتحديداً أغنية «على مر الزمن» التي ترتبط درامياً بعقدة الفيلم، ومن خلالها تنكشف خيوط قصة الحب بين ريك وإلزا. يُعرف فيلم «كازابلانكا» بكونه من أجمل القطع الكلاسيكية الرومانسية التي عُرضت على شاشة السينما، ولا يزال حتى اليوم يتمتع بجاذبية مدهشة تشد المتفرج بقوة، لمتابعة حكاية غرامية جرت أحداثها على أرض مدينة الدار البيضاء في المملكة المغربية، التي كانت ملاذاً للفارين من جحيم الحرب العالمية الثانية والزحف النازي، ومكاناً للإقامة والعمل بالنسبة إلى البعض، مثل ريك الذي يمتلك «كافيه ريك» أو اللجوء المؤقت إلى حين الحصول على الأوراق اللازمة للسفر إلى أمريكا بالنسبة إلى البعض الآخر، مثل إلزا وزوجها لاسلو.
يُظهر الفيلم مدى كوزموبوليتانية مدينة الدار البيضاء، والكم الهائل من الجنسيات والأعراق المتنوعة التي كانت تضمها في تلك الحقبة، وتفاعل هذه الجنسيات مع بعضها بعضاً، ومع المغاربة أيضاً من خلال شخصية التاجر المغربي على سبيل المثال.
لهذا الفيلم أسراره التي سيظل محتفظاً بها كما يبدو، فمن الصعب تحديد سبب النجاح الدائم والجاذبية المتجددة، هل هو الأداء التمثيلي والحضور السينمائي اللامع لبطلي الفيلم، إنغريد برغمان وهمفري بوغارت؟ أم تلك الحوارات الرائعة والجمل الخالدة التي تظل عالقة في ذهن المشاهد، ومنها على سبيل المثال: «لم أعد أقاتل من أجل أي شيء سوى نفسي» «وسط كل هذا الانهيار اخترنا هذا التوقيت لنقع في الحب» «إنه عالم مجنون، أي شيء يمكن أن يحدث» وعندما تقول إلزا لريك: «قبلني كما لو كانت المرة الأخيرة». وعندما يقول ريك للويس في نهاية الفيلم: «أظنها بداية لصداقة جميلة»؟ أم تلك الأجواء المثيرة المشتعلة، على الرغم من أن معظم مشاهد الفيلم تم تصويرها في أماكن مغلقة، وفي حانة ريك على وجه الخصوص التي تُعد مركز الأحداث؟ أم قصة الحب والصراع العاطفي الدائر بين ثلاثة أطراف (إلزا وريك ولاسلو). فإلزا تقع في غرام ريك عندما كانت تظن أن زوجها لاسلو قد مات، وبعد أن تكتشف أنه لا يزال على قيد الحياة، تترك ريك وتتخلى عنه من أجل حبها لزوجها، وشعورها بالواجب نحوه وضرورة مساندته في قضيته الوطنية ومقاومته للنازية. لكن ريك لا يغفر لإلزا ذلك التخلي والابتعاد عنه، ويُظهر غضبه في البداية، ويرفض الاعتراف بأنه لا يزال يحبها عندما يلتقي بها مرة أخرى في الدار البيضاء، ثم يستسلم أمام ذلك الحب، إلى درجة أنه يساعدها هي وزوجها على مغادرة الدار البيضاء والتوجه نحو لشبونة ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويقوم بتأمينهما وحمايتهما حتى تُقلع الطائرة التي تقلهما. ومن أجمل مشاهد الفيلم، مشهد توديع ريك لإلزا أمام الطائرة، وهو يقبلها ويحثها على اللحاق بزوجها.

تحول فيلم «كازابلانكا» إلى باليه على يد المصمم الأمريكي جون كليفورد، حيث انتقلت مشاهد الفيلم الرومانسي إلى خشبة المسرح ليتم التعبير عنها بالرقص والأداء الجسدي، والإيماءات والإشارات، والحركات التي تجمع بين خطوات الباليه الأساسية والأوضاع الكلاسيكية المعروفة، وبعض فنون الاستعراض والرقصات التقليدية، أو الرقصات التي تحاول الاقتراب من الطابع المغربي والعربي بشكل عام. هذه الدراما العاطفية كانت مناسبة للباليه بطبيعة الحال، وكذلك موسيقى الفيلم وأغنياته التي اعتمد عليها جون كليفورد، فتُسمع في الباليه أغنية «على مر الزمن» حيث يغني من يلعب دور «سام» المقطع الأول منها، وبعد ذلك يُسمع لحنها أكثر من مرة بتنويعات مختلفة. كما تم توظيف موسيقى مقدمة الفيلم في الرقصة المغربية، ويُغنى النشيد الوطني الفرنسي La Marseillaise في الباليه كما في الفيلم، دون أن تصاحبه أي رقصات بطبيعة الحال، وإنما يقف الجميع أثناء الغناء. كما تؤدى رقصة الكانكان الفرنسية بشكلها التقليدي، وتؤدى أيضاً رقصة إسبانية على وقع أغنية The Roses Tango. التزم الباليه بقصة الفيلم والتسلسل الزمني للأحداث، ونقل أجواء الفيلم كافة إلى خشبة المسرح بالإمكانيات المتاحة، من خلال ديكورات ومجسمات تصور شوارع مدينة الدار البيضاء، وأسواقها المزدحمة التي يختلط فيها المغاربة مع كثير من الجنسيات الأخرى. وتمت الاستعانة ببعض المجموعات البشرية غير الراقصة، حيث تقف هذه المجموعات على المسرح أو تروح وتجيء وهي ترتدي ملابس مختلفة، توحي بتنوع الهويات والمهن أيضاً، كملابس رجال الشرطة على سبيل المثال. وكذلك تمتلئ المشاهد الخاصة بحانة ريك بهذه المجموعات البشرية، التي تمثل زبائن المكان من الساهرين فيه ليلاً. وتم التعبير عن مشاهد باريس من خلال وضع مجسم لبرح إيفل على المسرح، مع الاعتماد أيضاً على مجموعات بشرية راقصة وغير راقصة، تعكس حركة الحياة في باريس. وفي نهاية الباليه يظهر على المسرح مجسم الطائرة التي ستقل إلزا وزوجها لاسلو، وتطير بهما إلى لشبونة كمحطة أولى في طريقهما نحو أمريكا.

تتميز رقصة باريس بالحيوية والألوان الزاهية، وملابس الأربعينيات الرجالية والنسائية بأشكالها الأنيقة المختلفة، والثيمة الموسيقية اللطيفة التي تتكرر بنعومة. وتضم هذه الرقصة أو اللوحة الراقصة عدة رقصات قصيرة، كالرقصة الثلاثية التي تؤديها امرأة ورجلان، والرقصة الثنائية Pas de deux بين ريك وإلزا على لحن أغنية «على مر الزمن» حيث يخلو المسرح تماماً إلا منهما، ولا يوقفهما عن الرقص سوى صفارات الإنذار وصوت هتلر وتهديدات النازي.

أما شخصيات الفيلم فلم تتحول كلها إلى شخصيات راقصة في هذا الباليه، فشخصية «سام» على سبيل المثال تظهر في الباليه لكن دون رقص، وسام هو عازف البيانو في حانة ريك، وهو من يعزف لحن أغنية «على مر الزمن» ويغني كلماتها عندما تطلب منه إلزا أن يفعل ذلك، ويلبي طلبها على الرغم من تنبيهات ريك بعدم أداء هذه الأغنية مرة أخرى، لأنها تذكره بقصة حبه مع إلزا وما كان بينهما من غرام. أما الشخصيات الراقصة في الباليه فهي إلزا وريك كشخصيتين رئيسيتين في معظم الرقصات. ولبعض الرقصات أبطالها الذين يظهرون لمرة واحدة فقط، كفتيات الرقصة المغربية أو العربية، والفتى المغربي عازف الرق الذي يختتم هذه الرقصة، والراقصين الأربعة في رقصة الجنود الثملين، والراقصة المنفردة التي تؤدي الرقصة الإسبانية وحدها على خشبة المسرح، وفتيات الكانكان برشاقتهن ومهاراتهن في أداء الحركات الصعبة، وثنائي الرقصة التي تؤدى في حانة ريك وتمزج بين الباليه وطابع الاستعراض في حقبة الأربعينيات، والراقص المنفرد الذي يؤدي رقصة قصيرة في الحانة أيضاً، وتعتمد على الدوران السريع على ساق واحدة، والقفز في الهواء في دوران واسع يجوب به المسرح، وإلى جانب الخطوات الراقصة كانت بعض المشاهد تتطلب الأداء التمثيلي الصامت، وتحديداً عندما يستمع ريك إلى سام وهو يغني «على مر الزمن» وهو جالس يعزف لحنها على البيانو، فيعبر ريك عن غضبه ببعض إشارات اليدين وملامح الوجه، ثم ينهزم أمام الأنغام المنبعثة التي توقظ الحب في داخله، ويقف قليلاً وهو ممسك بزجاجة في يده، ثم يتركها ويسير بخطوات مترنحة، ويمد يده كما لو كان يراقص امرأة غير موجودة، وبعد الدوران غير المتزن والثبات المفاجئ، تمتد اليدين بإحساس مغاير نحو الأمام كأنه أحس بالفراغ فجأة. يذهب بعد ذلك ليسند ذراعيه على البيانو في مواجهة سام، ويقوم بقفزات في الهواء ليجلس على الأرض في النهاية تعبيراً عن انهزامه أمام الحب.

تتميز رقصة باريس بالحيوية والألوان الزاهية، وملابس الأربعينيات الرجالية والنسائية بأشكالها الأنيقة المختلفة، والثيمة الموسيقية اللطيفة التي تتكرر بنعومة. وتضم هذه الرقصة أو اللوحة الراقصة عدة رقصات قصيرة، كالرقصة الثلاثية التي تؤديها امرأة ورجلان، والرقصة الثنائية Pas de deux بين ريك وإلزا على لحن أغنية «على مر الزمن» حيث يخلو المسرح تماماً إلا منهما، ولا يوقفهما عن الرقص سوى صفارات الإنذار وصوت هتلر وتهديدات النازي. هذه اللوحة بأكملها لا تدور إلا في ذهن ريك، عندما يتذكر الأيام التي قضاها مع إلزا في باريس قبل أن تتخلى عنه، وكذلك هو الحال في الفيلم، فمشاهد باريس هي لقطات تصور ما يتذكره ريك ويستعيده داخل ذهنه. بعد هذه اللوحة الراقصة يأتي مشهد محطة القطار عندما يتسلم ريك خطاباً من إلزا تخبره من خلاله بعدم مجيئها. بعد هذا تؤدى الرقصة المغربية أو العربية على إيقاع موسيقى الفيلم، وأول ما يلاحظه المتفرج في هذه الرقصة، هو عدم الدقة في تصميم الملابس التي يجب أن توحي بأنها مغربية، وهذا الأمر يتكرر حدوثه في بعض عروض الباليه على ما يبدو، ففي باليه «ابنة فرعون» مثلاً كان المصريون في مشهد أهرام الجيزة يرتدون ما يشبه السلهام المغربي. وفي باليه كازابلانكا، وفي هذه الرقصة تحديداً كانت الملابس توحي بأنها ربما عربية بشكل عام وليست مغربية على وجه الخصوص. فالأثواب كانت سوداء طويلة واسعة تغطي كامل الجسد، مع بعض الزينة والحلي التي تغطي مساحات من شعر النساء، أما الحركات نفسها فقد اعتمدت على التمايل يميناً ويساراً، وتمويجات الذراعين مع رفعهما إلى أعلى معظم الوقت، ومن أجمل أجزاء هذه الرقصة، تلك اللحظات التي يدخل فيها الفتى المغربي ممسكاً برق يعزف عليه، بينما يسمع صوت دقاته وصاجاته أو حلقاته المعدنية المهتزة، وتسارع الرقص مع تسارع إيقاع الموسيقى، وضربه بالرق على ركبته أثناء القفز في الهواء.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية