رغم أن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي واحد من مهرجانات الفئة الأولى، وله أهمية كبيرة مُتفق عليها وليست محلاً للخلاف، إلا أن الخلافات دائماً ما تنبع من داخله، إما لأسباب جوهرية تختص بالميزانيات ومصادر التمويل والأفلام المُشاركة والجوائز، وإما لأسباب عارضة تتعلق بالتنظيم وحفلي الافتتاح والختام والضيوف والأزياء، وغيرها من الشكليات الثانوية التي تُمثل في كل دورة أزمة كبرى تأخذ وقتاً طويلاً من النقاشات والحوارات الجانبية والمُعلنة بين الجهاز التنفيذي للمهرجان والنجوم الذين تسوؤهم عادة فكرة الضبط والربط والالتزام، خوفاً من فرض حظر على البهرجة والمُبالغة في المظهر وملابس الإثارة.
في الأعوام الماضية كانت هذه النوعية من المُشكلات تطفو على السطح، مع بداية حفل الافتتاح وانتقاد الصحف لبعض الفنانات اللائي يرتدين ملابس شفافة، للفت النظر والرغبة في سرقة الكاميرا من نجوم ونجمات العالم، المدعوين للمُشاركة في المهرجان بأفلامهم، أو كضيوف شرف، لكن هذه المرة وقبل أن يبدأ بنحو شهرين في توقيته المُعتاد 13 نوفمبر/تشرين الثاني، ويستمر حتى 22 من الشهر نفسه، بدأت إرهاصات الخلاف السنوي المُتكرر عقب تصريح رئيس المهرجان بتوحيد الزى في حفلي الافتتاح والختام، وإلزام المدعوين كافة باتباع النظام الجديد حفاظاً على قيمة المهرجان الإبداعية واحترام رواده وضيوفه.
وقد عمم حسين فهمي مبدأ الدخول بالملابس الرسمية على جميع الضيوف من الرجال والنساء، بحيث تكون البذلة الرسمية هي طابع مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الرابعة والأربعين، مُشدداً على ضرورة اتباع التعليمات كشرط أساسي لحضور الفعاليات في الافتتاح والختام.
ولأن كلام رئيس المهرجان عن توحيد الزي لم يُحدد بالضبط طبيعة ما يُمكن أن ترتديه الفنانات، فقد دعا ذلك إلى سخرية رانيا يوسف وإعلان تحديها باعتزامها تصميم أفخر وأشيك بذلة لحضور الحفلين، مؤكدة أنها ستكون أيضاً حديث الصحافة والإعلام، وستُسجل ماركة البذلة باسمها باعتبارها نموذجاً إبداعياً في عالم الأزياء والموضة.
وبعيداً عن أصداء التنظيم والزي الرسمي، تم الإعلان عن أسماء وجنسيات عدد من الأفلام العالمية المُشاركة في الدورة المقبلة هذا العام، وهي «الكاراس» إسباني إخراج كارلا سايمون إنتاج أسباني إيطالي مشترك، سبق حصوله على جائزة الدُب الذهبي من مهرجان برلين، وتدور أحداثه حول صراع أسرة فقيرة تعيش من زراعة قطعة أرض انتزعت منها بعد وفاة المالك الأصلي وباتت الأسرة تعاني الفقر والاحتياج. وكذلك تم اختيار فيلم «إيامي» للمخرج باز إنسينا ضمن قسم العروض الخاصة، وهو إنتاج مُشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية وباراغواي وألمانيا وهولندا والأرجنتين وفرنسا والمكسيك، وقد حصل الفيلم ضخم الإنتاج، على جائزة النمر الذهبي من مهرجان روتردام وهو ينتمي للسينما السياسية، حيث تدور أحداثه حول شخصية إيامي التي تعرض وطنها للغزو والاستيطان، فتسير بدورها في غابات الوطن المسلوب قبل أن تُغادره للأبد، في ما يُشبه الرؤية الخيالية المُزعجة.
ومن بين الأفلام المهمة المقرر عرضها ضمن القسم الرسمي خارج المسابقة فيلم «توري ولوكيتا» للمخرج جين بيير داردان ولوك داردان وهو إنتاج فرنسي بلجيكي وحاصل على جائزة الدورة 75 لمهرجان كان، وتدور أحداثه حول الهجرة وأسبابها ومتاعبها، «المبدأ « أيضاً أحد الأفلام المرشحة للعرض ضمن القسم الرسمي خارج المسابقة للمخرج إليخاندور لوايزا جريسي، وهو إنتاج بوليفيا وأوروغواي وفرنسا، وهناك أفلام عالمية أخرى مثل «لمحة» إخراج كرستيان مونجيو وإنتاج رومانيا وبلجيكا والسويد وفرنسا، وفيلم «منظور الفراشة» للمخرج ماكسيم ناكونتشيني وهذا الفيلم مقرر عرضه داخل المسابقة الدولية وهو إنتاج مُشترك بين كرواتيا والتشيك والسويد وأوكرانيا.
ومن خلال استعراض العينات المتميزة للأفلام التي تم الاستقرار على عرضها ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي بشكل نهائي في الدورة 44، يُمكن استنتاج بعض الملاحظات اللافتة والخاصة التي يُعد من أهمها الاتجاه إلى الإنتاج العالمي المُشترك بين أكثر من دولة عظمى، وهو مُتغير لم يكن موجوداً قبل ذلك بهذا الوضوح وهذا الحجم الإنتاجي الضخم، ولعل الدافع للشراكة هو الحاجة إلى رأسمال كبير لا يتسنى لدولة بمفردها توفيره، خاصة أن احتمالات الخسارة الاقتصادية واردة في مجال الإنتاج السينمائي، نظراً لأجواء الحرب وكورونا وغيرها من الضغوط الاقتصادية العالمية التي ألقت ظلالها بشكل يصعب إخفاؤه .
الملاحظة الثانية في الأفلام المذكورة، أنها تتضمن أبعاداً إنسانية، فمعظمها يُركز على قضايا المواطنين البسطاء واحتياجاتهم اليومية والصراعات الحياتية التي يعيشون فيها نتيجة للصراعات الدولية الكبرى التي تحدث حولهم، ويدخلون في دوائرها قسراً بحكم وجودهم في أوطان غير مُستقرة.