كنت في الخامسة عشرة من عمري حين بدأت أقرأ عن معركة كتاب «في الشعر الجاهلي» وهو الكتاب الذي صدر عام 1926. قرأت الكتاب وقرأت كتاب مصطفى صادق الرافعي «تحت راية القرآن» وكتاب «الشهاب الراصد» لمحمد لطفي جمعة وغيرهما. أذكر أن كتاب محمد لطفي جمعة أعجبني أكثر من كتاب الرافعي، لأنه حاول تفنيد مذهب ديكارت في الشك أصل منهج طه حسين.
شغلت نفسي أنا الصبي الصغير بكتابة بحث ضاع مني ولم يكن يصلح للنشر طبعا عن المعارك الأدبية، عرفت أنه تم تحويل طه حسين إلى المحكمة وكيف برأته النيابة من تهمة ازدراء الإسلام التي اتهمه بها خصومه، وكان على رأسهم شيخ الأزهر ورجاله ذلك الوقت، الذين ألحوا بالشكوى على البرلمان، فتم تحويل طه حسين للمحكمة.
لن أستمر مع ما جرى في الحياة الثقافية والحزبية وقتها، المهم أن رئيس النيابة محمد نور نفى التهمة الجنائية عن طه حسين، باعتبار أن ما توصل إليه هو نتيجة منهجه في التفكير وليس مقصودا لذاته وتم حفظ القضية. ماذا حدث بعد ذلك؟ قام طه حسين بتغيير عنوان الكتاب إلى «في الأدب الجاهلي» وخفف من الحديث في بعض المواضع التي تتعلق بوجود النبي إبراهيم وإسماعيل. ماذا لو أدين طه حسين هل كان سيضيع الكتاب؟ كان سيزداد رواجا مع الزمن وتتم قراءته في السر والعلن أكثر من أي كتاب. ذلك حدث مع كل رواية أثارت الخصوم في أوروبا في القرن التاسع عشر أو العشرين وتم حظرها بعد أن تحول كتابها إلى المحكمة.
تذكرت عام 1938 حين أصدر إسماعيل أدهم مقاله «لماذا أنا ملحد» وكيف رد عليه عدد كبير من الكتّاب بكتاب «لماذا أنا مؤمن» وانتهى الأمر. لم يتم تحويله للمحكمة. لم تمر أربعة أعوام إلا وإسماعيل أدهم ينتحر غرقا في بحر الإسكندرية التي كان منها. كان يعيش أزمة شك كبيرة هو الأديب المفكر باحث الطبيعة والرياضيات. الآن انتهى العصر الملكي وزمنه منذ 1952. في عام 1956 أصدر الدكتور مصطفى محمود كتابه «الله والإنسان» فاعتبر البعض أن ما فيه كفر. تحول الأمر إلى المحكمة التي أمرت بمصادرة الكتاب. تمت مصادرة الكتاب من قِبل الدولة. كانت هذه نقطة فارقة بين زمنين. من قبل لم تصادر الدولة كتابا، وكان رأي المحكمة أفضل من رأي كتّاب كثيرين. لقد تغير الدكتور مصطفى محمود مع الوقت وصار داعية كبيرا للإيمان، وكتب كتابه «رحلتي من الشك إلى الإيمان» وكتبا كثيرة تحض على الإيمان، وقدم برنامجا تلفزيونيا كان يحظي بمشاهدات كبيرة جدا، قرر فيه أن يثبت أن التقدم العلمي في كل شيء يثبت أن ربنا موجود. المضحك في الأمر أن الذي أصدر قرارا بعودة الكتاب إلى الظهور كان الرئيس أنور السادات، الذي في عهده كبرت جماعة الإخوان المسلمين وخرجت منها الجماعات الجهادية فقتلوه هو.
لقد دخلت مصر في مرحلة جديدة لن أمشي وراءها لكني سأتحدث عن الكتب والكتّاب وحرية التعبير، وكيف اختلفت تماما عما كنا قبل 1952. من حسنات السادات أنه ألغى الرقابة على الكتب عام 1979حتى أن السنوات السابقة منذ 1952 كان فيها المثل الشائع أن مصر تكتب وبيروت تطبع والعراق تقرأ. كان أحد أسباب هذا المثل هو أن كثيرا من الكتّاب يفضلون الطبع في بيروت بعيدا عن الرقابة، وطبعا لم تكن تدخل كتبهم مصر لأن الرقابة استمرت على الكتب والصحف والمجلات المقبلة من خارج مصر حتى الآن. رغم هذه الحسنة إلا أن معارك السادات العبثية مع المثقفين غير الراضين عن سياسته الاقتصادية، وسياسته في التطبيع مع إسرائيل بعد زيارته للقدس، ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد، هذه المعارك العبثية انتقلت بدورها للجماعات الإسلامية والجماعات الجهادية، وأخذ الأمر صورة أخرى.
لقد دخلت مصر في مرحلة جديدة لن أمشي وراءها لكني سأتحدث عن الكتب والكتّاب وحرية التعبير، وكيف اختلفت تماما عما كنا قبل 1952. من حسنات السادات أنه ألغى الرقابة على الكتب عام 1979حتى أن السنوات السابقة منذ 1952 كان فيها المثل الشائع أن مصر تكتب وبيروت تطبع والعراق تقرأ.
ليس نقدا ولا انتقادا ينتهي حتى إلى المحكمة ومصادرة الكتاب، لكن اختصار الطريق بالاغتيالات للمفكرين بعد فتاوى شيوخ الجماعات أو رجال من الأزهر. كان اغتيال السادات هو أول مظهر لتلك الفتاوى، التي كانت من مشايخ الجماعات الجهادية، ولدخول البلاد في معارك مع إرهابهم تأخر تكفير الكتّاب في عهد مبارك حتى ظهر جليا عام 1992 حيث تم تكفير فرج فودة واغتياله. كان أول المحرضين عليه الشيخ محمد الغزالي الذي انهزم أمامه في مناظرة في معرض الكتاب، وأدلى بحديث تلفزيوني يقول فيه إن من يدعو إلى العلمانية مرتد يجب إقامة حد الردة عليه، وفرج فودة يكتب في هذا الاتجاه ويدعو إلى المفاهيم العلمانية.
وبعده جاءت فتوى رسمية لـ»جبهة علماء الأزهر» برئاسة عبد الغفار عزيز، ونائبه محمود مزروعة، تكفر فرج فودة تكفيراً صريحاً بدعوى أنه مرتد، وتستوجب قتله. بعدها تسابق المشايخ من فوق منابر المساجد على تكفير فرج فودة. الحكاية طويلة حتى تم قتله في العام نفسه. لم يكن هذا هو الاغتيال الوحيد. لن أتوقف عند كل ما جرى، لكن سأعطي مثلا آخر على تكفير المثقفين هو ما جرى مع المفكر نصر حامد أبو زيد، بدعوى قضائية كان وراءها كتابات كاتبين إسلاميين هما عبد الصبور شاهين ومحمد عمارة، حتى تم التفريق في المحكمة بينه وبين زوجته، لكن أنقذه الله بالخروج من مصر. بعده محاولة اغتيال نجيب محفوظ عام 1995 بسبب روايته «أولاد حارتنا» بفتوى من الشيخ عمر عبد الرحمن. بالمناسبة كان ممن أفتوا بردة فرج فودة أيضا. لم يحدث قتل بعد ذلك لكن لم تنته المعارك التي يطول الحديث فيها حول الرواية والشعر، مثل المعركة حول رواية « الصقّار» لسمير غريب علي، ورواية «وليمة لأعشاب البحر» لحيد حيدر والثلاث روايات «أحلام محرمة « لمحمود حامد، و»أبناء الخطأ الرومانسي» لياسر شعبان، و»قبل وبعد» لتوفيق عبد الرحمن، وكلها نشرت في سلاسل أدبية مصرية. وأيضا فيلم «المهاجر» ليوسف شاهين رفعوا قضية لإيقاف عرضه. وأثارت قصيدة لحلمي سالم بعنوان «شرفة ليلى مراد» نشرها عام 2007 ضجة كبيرة. وقد اعتبرها التيار الإسلامي مسيئة للذات الإلهية.
قبل ذلك كله كانت هناك قضية حُكم فيها على الناشر مدبولي بثماني سنين حبس هو وعلاء حامد مؤلف رواية «مسافة في عقل رجل» وطابعها فتحي فضل. كان مدبولي مجرد موزع للرواية، وصدر الحكم في ديسمبر/كانون الأول عام 1991. لكن حسني مبارك أوقف الحكم. مما ورد في تقرير الأزهر عن الرواية وقتها للمحكمة «إن الكتاب ينكر الأديان بصفة عامة، ثم ينكر العقائد الدينية، وينكر الإله ويكذِّب بالرسل ويزدريهم، وينكر الكتب السماوية ويكذب بالإيمان بالقدر وبالبعث والحساب وبالجنة والنار.. وبالجملة فهو ينكر العقائد الدينية ويزدري رموزها وشخصياتها ويسخر منها، ويدعو إلى قيام الهيئة الاجتماعية على نظام مادي بحت لا مكانة فيه للروحانيات؛ أي أنه يدعو إلى هدم الأساس الاجتماعي لهذا الوطن وإلى تغييره».
آخر ما عهدناه كان رواية «استخدام الحياة» للكاتب أحمد ناجي، الذي قضى حوالي سنتين في الحبس، حتى حكمت محكمة النقض ببراءته فخرج وغادر البلاد. كانت الأسباب هنا جنسية، ورغم ذلك فمن حسن الحظ أن النيابة هنا لم تلجأ إلى الأزهر.
عدنا من جديد مع الشاعرة أمينة عبد الله وديوانها «بنات الألم» الذي فيه قصيدة رأى البعض أنها تجسيد لا يليق بالله، وأخذوا الشعر الذي صور محبة الله وعطاءه بالمرأة باعتباره حقيقة وليس مجازا. هاجموها وألفوا عنها قصائد قدح وهددوها. وصل الأمر إلى النيابة فأرسلت تأخذ رأي مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، وطبعا جاء الرأي كما حدث دائما ضد القصيدة والكاتبة. أتمنى أن يتم حفظ القضية، أو لو وصل الأمر للمحكمة أن يتم أخذ رأي نقاد الأدب الكبار. الأدب والفن ليسا مقدسا. هو سلعة إن لم تعجبك لا تعود إلى صاحبها.
روائي مصري