«الخميس الشاحب» رواية الجزائري جلال حيدر: سرديات المقاومة والتواطؤ في التاريخ الاستعماري

سارة سليم
حجم الخط
1

يرى الروائي والناقد الفرنسي أناتول فرانس أن: «المعرفة لا شيء، أما التخيل فهو كل شيء». وهو محق تماماً فمهما بلغ الإنسان من المعرفة فلا يمكنه أن يفعل بها شيئا ما لم يمتلك خيالا خالصا يتيح له تصريفها بالشكل الصحيح، فالخيال بالنسبة للإنسان الذي يمتلك المعرفة قوة. ولعل الخيال في الأدب هو تلك الموهبة التي تطوع المعرفة لصالح الأدب، خاصة فيما يتعلق بمساءلة التاريخ، أي حين تعيد الرواية سرد التاريخ ليس كما عرف بل كما اتفق على أنه الحقيقة دون الأخذ بعين الاعتبار لما يتم تجاهله دائما عن قصد وعن غير قصد. فالأدب بالأخير «مكمل للتاريخ وليس نقيضه « على رأي جون بوين.
وإذا ما تحدثنا عن الرواية التي تستند للتاريخ الجزائري وخاصة في ما يتعلق بفترة الاستعمار نلحظ من كل ما كتب أنه هناك ما لم يُتطرَّق إليه أدبيا ويستحق فعلاً التدوين، فـ 130 سنة من الاستعمار الفرنسي والسبع سنوات والنصف من ثورة التحرير لا يمكن اختصارها في عدد معين من الروايات أو تقزيمها في منطقة دون غيرها. آمنت دائماً بحقيقة أن هناك من صنعوا التاريخ لكن التاريخ مر بجانبهم من دون أن يلقي لهم بالا، وهؤلاء يستحقون أن يكتب عنهم، ليس كأسماء ولكن كأفراد وقبائل لم تحارب الاستعمار فقط بل حاربت الظروف القاسية إلى جانب قسوة المستعمر الذي وقف إلى جنبه حتى من باع الوطن لكي يشتري قيمة منتهية الصلاحية.
ومن يكتب عن هؤلاء يحتاج إلى جرأة وموهبة سرد التاريخ ضمن عمل أدبي بدون أن ينحاز للتقرير أو إلى الحكاية التي تبتعد عن جوهر الفن الروائي، كما يلزمه الكثير من جنون المبدع الذي لا يملكه كل من اتجه للكتابة معتقدا أنها هواية من لا هواية له! وأنه يمكن امتهانها كأي شيء نتفوق فيه بالممارسة، فمهما اجتهدت وقرأت لا يمكنك أن تطول الكتابة ما لم تكن موهوبا وكاتبا بالفطرة، والأكيد أن الموهبة تحتاج إلى صقل بالقراءة الدائمة والجهد الذي يبذله الكاتب من أجل تطوير أدواته والتفوق على نفسه في كل نص جديد. والذي قرأ رواية «المذياع العاق» أول أعمال الكاتب الجزائري جلال حيدر ويقرأ روايته «الخميس الشاحب» الصادرة حديثا عن دار ومضة الجزائرية، يتأكد أنه تفوق على نفسه في هذا النص الذي يتميز بسرده المنفلت عن حزمة السرد المعتاد، ففي كتابة جلال لغة عربية مثقلة بتاريخ الشاوية، لغة تكاد تفوح منها رائحة الموت، لغة لا تقرأها بل تسمع من خلالها صراخ الأطفال، لغة لا تُقرأ بل تُشاهد. تقول الرواية: «خسرنا الكثيرين هنا في الأوراس، كأن هذه الأرض لعنة على كل من تطأها أقدامه.»
رواية «الخميس الشاحب» ليست عن الاستعمار الفرنسي الذي نعرف عنه ما نعرف من جرائم تجاه الجزائريين، ولكنها أيضا عن «القياد»، هؤلاء الذين وقفوا مع الاستعمار ضد شعبهم وبلدهم معتقدين أن الاستعمار سيأخذهم بالأحضان. تقول الرواية: «سمعت أحدهم يتحدث إلى زميله بالشاوية، ثم ردد كلاهما: «تخلى ثغزوث» (دمرت الولجة). كانا شاحبين يحدقان بحزن، ربما يفكران في مصير عائلات يعرفونها، مساكين، يعملون مع فرنسا لكنها تتخلى عنهم ببساطة، من أجل أبنائه». ثم يضيف: «الفرنسيون يحتاجون أبناء هذه المناطق لمعرفة المسالك. لجلب المعلومات، لمعرفة كل شيء مهما كانت درجة تفاهته. ثم يقتلونهم».
«الخميس الشاحب» رواية يسرد تفاصيلها طفل صغير اسمه المكي، ولد لأم فرنسية وأب من «القياد»، طفل يحاول اكتشاف من هو: «أنا لديّ ثلاثة أسماء، المكي، بوقبّال، بول، عندما أوفق في الجمع بينهم، سأعرف من أنا». لديه أخ وحيد اسمه موريس. ومن خلال الأخوين موريس والمكي نكتشف الفروقات المتباينة بينهما، إذ يأخذ موريس كل شيء باعتبار أنه فرنسي الاسم، في حين لا ينال المكي شيئا من كل هذا. يبدأ المكي ببراءة الطفل في اكتشاف ما كان يجهله، بداية من زميلته بالمدرسة حبثة التي سميت باسم الملكة الأمازيغية حبثة لتأخذ عنها كل صفات العنفوان والكرامة والسعي لأجل الحرية. يقول: «كانت غامضة وهادئة ومربكة، لكنها تريد أن تعرف كل شيء، تحفظ بسرعة، وتفهم بسرعة، ولم تكن تنظر إلي كالأطفال الآخرين، بدأت أنسج معهم بعض الصداقات، وأعرف عنهم القليل، غير أن ملامحهم قاسية، حتى وهم يصادقونك، تبقى كما هي لم أفهم ذلك العبوس أبدا، وذلك الحزن الذي يسكنهم».
تشاء الأقدار أن يموت موريس، وموته فتح عيون المكي على الكثير من الأمور التي كان يجهلها، تقول الرواية: «الفقد يعلم الذكاء، والحزن يعلم استماع النصائح، والأشرار يعلموننا التضحية، وكل هذه الأشياء اجتمعت علي في ليلة واحدة، ونفذت ذلك بإخلاص.»
يكتشف المكي الذي كان يعتقد أن الجزائر فرنسية قصة قبيلة بني ملول وكل ما قاسته بسبب الاستعمار وأبناء البلد الذين تواطأوا معه وقساوة الظروف تلك الفترة، إذ نكتشف من خلالها تاريخا ليس مسكوتا عنه بل هو تاريخ لم يتم التطرق إليه قبلا، ونعرف من خلالها عادات وتقاليد الشاوية (سكان الشرق الجزائري)، إذ استحضر الكاتب الحكايات الأمازيغية والأساطير وكل ما يميز منطقة الأوراس بدءا بأسطورة الملكة الأمازيغية حبثة إلى أسطورة الأسدين أحرحار، أمارمار، وحكاية الجازية والذياب.
الرواية عن أفراد قبيلة بني ملول الذين وقفوا في وجه الاستعمار بصدور عارية، هؤلاء الذين قال عنهم الكاتب روائيا: «شهامة بني ملول، عندما يشعر أحدهم بالندم حيال فعله يغادر للأبد. الندم هو الخسارة في نظرهم.»
كما تحتفي الرواية أيضا بالمرأة الأوراسية التي قاومت الاستعمار متحدية كل الظروف. تقول الرواية: «كانت تبدو وسط الحجرة مثل قرط ذهبي ضخم، غير أنهم لا يرون شيئا، مغرمون بأزيائهم العصرية. ولا يهتمون بشيء سوى الحديث عن أنفسهم. لا أعرف ما الذي شدني إليها. جمالها العنيف. تمسكها بلباس أهلها وقبيلتها. تعنتها وعدم إظهار الخوف وإصرارها على التعلم. لو كانت ساندرا في مكانها الآن لانكسرت.»
تعيد «الخميس الشاحب» إحياء تاريخ مهمل بالكاد نعرف عنه شيئا، وفي الوقت ذاته تقول إن الاستعمار يحمل الكثير من الوجوه، فالتواطؤ والسكوت هو أيضا أحد أشكاله أو ما رسخ لوجوده بالجزائر. تقول الرواية: «الذنب الوحيد الذي اقترفه أهل هذه الواحة هو السكوت». وفي عبارة أخرى: «هذه البيوت تربي السكوت، وأنا أتعلم منذ فترة كيف أنطق».
وكل هذا جاء في رواية رصدت تاريخ منطقة الشاوية عن طريق الطفل المكي فوحدهم الأطفال ينقلون الحقيقة صادقة من دون تحريف، لا تقرأ ما تقوله قبيلته بني ملول وكل ما حدث بتلك الفترة بل تقرأه هو أيضا، أي من خلال تفاعله مع كل الأشياء التي اكتشفها، وهنا تبرز براعة الكاتب، إذ عرف كيف يصنع الشخصية الروائية من الداخل والخارج.
تقول الرواية: «عندما تأتي الطيور من أعشاشها البعيدة لتلتقط الخبز من الشرفات قولي لها بصوتك الهادر كشلال بأنني خلقت عندما تهب الريح وتحرك خصلاتك الذهبية عندما ترفع الموسيقى تنانير الراقصات عندما يأتي الصباح وتدفع المدينة الذابلة بأغطيتها الثقيلة جانبا وعرق الكادحين الذي تبخر ذات يوم في سكك الحديد والمزارع ومناجم إفريقيا يسيل على واجهات المحلات الزجاجية في باريس وسعاة البريد يتوزعون في الأزقة باصقين على العناوين الخاطئة عندما يهرول الناس إلى الشقاء أخبريهم كلهم، كلهم دون استثناء، بأنني رحلت. عندما يرن الهاتف، لا تستغرقي في التفاصيل، على عجل زفي لهم الخبر.أما جرس الباب فلن يدق. لقد أخفيت عنواني منذ زمن بعيد اشربي قهوتك على مهل. ولا جرم أن تذهبي إلى الحمام أو تجلسي أمام المدفأة قلبك فقط، قلبك يا كاترين إذا دق أخبريه أنني مت».
جلال حيدر من الأصوات الشبابية التي ستكتب نصوصا فارقة، ذلك أن الكاتب الجيد يظهر من أول نص له ولا حاجة لتكون في جعبته سيرة روايات.
وفي رواية «الخميس الشاحب» أثبت أنه صاحب مشروع.
لكن تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الهفوات والأخطاء الإملائية في الرواية يمكن تداركها في الطبعات والنصوص القادمة.
وفي الأخير «الخميس الشاحب»: «إلى أولئك الأطفال الذين يقرعون الحجارة في يوم بارد، أطفال الحرب الذين كبروا بقلوب ترتجف كلما اهتزت النوافذ»، كما ورد في الإهداء.
جلال حيدر: «الخميس الشاحب»
دار ومضة، الجزائر 2021
192 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية