«بركان»… فن صناعة الأكشن في فيلم عن الكوارث الطبيعية

غالباً ما تُحقق أفلام الإثارة والكوارث الطبيعية أعلى الإيرادات، فهي تحظى بجماهيرية عريضة وتتمتع بشعبية بالغة، خاصة بين شعوب العالم الثالث، حيث تحوي عادة كل مكونات الطبخة السينمائية الطازجة، لاسيما في السينما الأمريكية، التي يتفنن صُناعها في وضع التوابل الحريفة وينفردون بقدراتهم على استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية والمؤثرات ويتحكمون في كل عناصر الجذب، فضلاً عن اختياراتهم الدقيقة لموضوعات تحتمل التوظيف التكنيكي.
وفي حالة وجود دواعي للتصعيد الدرامي يتم التركيز على عناصر الإثارة والتشويق كجزء من أدوات الصناعة السينمائية ليظل المُتلقي مُستعداً لاستقبال المزيد من المفاجآت الدرامية، وهذه النوعية من الأفلام ذات الطبيعة الخاصة تستهوي قطاعات كبيرة من الجمهور على مستوى العالم، على اختلاف أذواقهم وميولهم، كونها تضع تعادلات نسبية مُرضية من الناحية الموضوعية داخل مضمونها، وتهتم بإطارها الخارجي فتبدو دائماً براقة ومُدهشة وقادرة على الإقناع.
هذه المُعطيات هي التي شيدت عليها السينما الأمريكية قواعدها وصنعت منها هوليوود صروحها، وأنفقت عليها مليارات الدولارات لتغزو بها العالم، فصناعة الأفلام واحدة من أهم الصناعات الثقيلة الداعمة للاقتصاد الأمريكي.
ويعد فيلم «بركان» للمخرج مايك جاكسون والكاتب بيلي راي والأبطال تومي لي جونز وآن هيش ودون شيدل، واحداً من الأفلام التي طرحت مفهوماً خاصاً لتمرد الطبيعة، وكيفية التعامل مع الكوارث التي تهدد الأمن القومي للبلاد، وربما تتسبب في فناء كامل للمناطق التي تحدُث فيها، الفيلم مثل أضخم إنتاج سينمائي في عام 1997 لاحتوائه على ديكورات بالحجم الطبيعي لمنشآت شهيرة في مدينة لوس أنجلس، تم تدميرها تماماً وفقاً لمُقتضيات الأحداث. الفيلم تقوم فكرته على مفاجأة من العيار الثقيل تواجه عمال الحفر أثناء قيامهم بعمل أنفاق في وسط مدينة لوس أنجلس، حيث يتم الحفر في منطقة بركانية، رغم تحذيرات خبيرة البراكين آن هيش، التي تتعاون مع تومي لي جونز ضابط الإطفاء وخبير الحرائق لإنقاذ المدينة وسكانها من الدمار، وفي سبيل ذلك يواجه البطلان العديد من الصعوبات والأزمات.

نجح فيلم «بركان» في تحقيق المُعادلة بين ما يُثير الدهشة والإعجاب من ناحية الإبهار التقني والتفوق التكنولوجي في صناعة الأكشن، بالمواصفات العالمية المُقنعة، وإثارة التعاطف الإنساني لدى الجمهور لدرء الشبهة التجارية عن المُصنف السينمائي الأمريكي المُتهم طوال الوقت بالتركيز على العائد المادي وشباك التذاكر فقط.

وفي الإطار ذاته يتم عرض بعض الصور الإنسانية كمحاولة إنقاذ الضابط لابنته في المشهد الأخير أثناء قيام الابنة نفسها بالبحث عن طفل صغير وسط الأنقاض وبين ألسنة اللهب وأعمدة الدخان، لتُعيده إلى أمه سالماً، وقد أعطت هذه اللمحات بُعداً آخر للفيلم غير الحالة المُباشرة للخراب الناجم عن البركان، فاهتمام المخرج مايك جاكسون بالتفاصيل الصغيرة، جعل عنصر المصداقية حاضراً باستمرار في الأحداث، غير أن التباين في الصورة السينمائية ما بين الأجواء الصريحة للدمار والحرائق والمشاهد الإنسانية، منح المُتلقي فرصة لالتقاط الأنفاس ومكنة من المتابعة دون توتر، وهي الحيلة التي اتبعها المؤلف وكاتب السيناريو بيلي راي في صياغة المشاهد درامياً، ليسهل على المخرج التصرف كي لا يُصبح الفيلم مادة تسجيلية للإثارة فقط، وبالفعل نجح الاثنان في إحداث التأثير المطلوب وإجبار الجمهور على مُعايشة الأحداث والتفاعل معها ومراقبة تفاصيلها على مدى ساعتين، دون الإحساس بالملل أو الضجر.
ورغم الاعتناء الشديد بتصوير آثار البركان الجسيمة على البنية الأساسية للمدينة، وما ترتب على ذلك من نتائج حتمية أدت إلى تحويل مسار الحُمم لتقليل الخسائر وإبعاد الخطر عن المرافق الحيوية، لم يغفل المخرج الجوانب الجمالية في الصورة الدالة على الحالة، حيث ركز في أكثر من مشهد على عمق الصورة ودلالة الإضاءة ومنطقية الديكور، ولا شك في أن بلاغة الصورة كان وراءها جهد واضح لمدير التصوير ثيوفان دي ساندي.
كما أن تجاوب الموسيقى التصويرية للموسيقي الموهوب آلان سيلفستري مع الحدث، كان داعماً بقوة للإحساس بالأجواء الكارثية، وهو عملية تأثيرية في قدر كبير من الأهمية، خاصة مع ارتباطها بحالة درامية استثنائية من هذا النوع، ويُضاف بالقطع إلى مفردات العمل المهمة، العنصر التمثيلي لجميع الأبطال الذين برز من بينهم بالطبع الممثل المُخضرم والنجم الكبير تومي لي جونز، الحاصل على جائزة الأوسكار عن دورة في فيلم «الهارب» كأفضل ممثل مساعد قبل عدة سنوات وهو ما ساهم في تصعيده للقيام ببطولات مُطلقة وأدوار رئيسية بعد ذلك ليُصبح واحداً من نجوم هوليوود الأكثر شهرة وشعبية.
لقد نجح فيلم «بركان» في تحقيق المُعادلة بين ما يُثير الدهشة والإعجاب من ناحية الإبهار التقني والتفوق التكنولوجي في صناعة الأكشن، بالمواصفات العالمية المُقنعة، وإثارة التعاطف الإنساني لدى الجمهور لدرء الشبهة التجارية عن المُصنف السينمائي الأمريكي المُتهم طوال الوقت بالتركيز على العائد المادي وشباك التذاكر فقط.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية