مسرحية «هيدا غابلر»: هنريك إبسن وميلودراما الواقع

تُعتبر شخصية هيدا غابلر من أهم الشخصيات الدرامية، التي أبدعها الكاتب النرويجي هنريك إبسن 1828- 1906. وهي امرأة بين نساء كثيرات، وجدن مكانهن في عالم مسرحي، اهتم صاحبه بالمرأة أيما اهتمام، وأخذ يجسد أعقد مشاعرها ومخاوفها وانكساراتها، ويبرزها ظاهرة جليّة على خشبة المسرح، ويُنطقها بحوارات بسيطة، وكلمات تأتي على لسان ربات بيوت، وسيدات متزوجات يعشن حياة اعتيادية، جعلهن بطلات لمسرحياته الخالدة.
وعلى العكس تماماً من شكسبير، انتقل هنريك إبسن بالدراما، من ساحات وردهات القصور العتيقة الشاهقة، إلى غرف وصالات البيوت العادية، أو منازل الطبقة المتوسطة، ومنظومة الزواج والأسرة، التي اتخذ منها موضوعاً لتأملاته الفنية. كصورة مصغرة للمجتمع، أو وحدة أساسية في تكوينه، يرتبط صلاحها بقوته وتماسكه، كما يؤدي فسادها إلى ضعف المجتمع وانهياره. وكمسرحي عظيم منشغل بالفن، كان هنريك إبسن يبحث عن الدراما، في أركان وجنبات هذه البيوت، التي تبدو هادئة مستقرة، بينما هي هشة متآكلة من الداخل، توشك أن تتهاوى. لم يكن عمل هنريك إبسن المسرحي منحصراً في هذا النوع من الدراما فقط، فلديه مسرحيات أخرى تتناول قضايا إنسانية ومجتمعية، أبطالها من الرجال، وهم أصحاب الأدوار الرئيسية فيها، بالإضافة إلى أنه كان شاعراً، وبدأ مسيرته الفنية بكتابة المسرح الشعري، لكن يظل مسرحه الواقعي هو الأكثر انتشاراً، وبطلاته من النساء هن الأشهر.
ألّف هنريك إبسن مسرحية «هيدا غابلر» سنة 1890، وقد تكون هي المسرحية الوحيدة التي جعل من اسم بطلتها عنواناً لها. فهو كان يميل إلى اختيار عناوين تدل على محتوى مسرحياته رمزاً، كعنوان مسرحية «بيت اللعبة» أو «بيت الدمية» الذي يصور «نورا» وهي من أشهر بطلاته أيضاً، كلعبة في بيت زوجها، أو مجرد دمية لا تملك قراراً. وعنوان مسرحية «عدو المجتمع» الذي يشير إلى صراع الفرد مع الجماعة، وعنوان مسرحية «البطة البرية» الذي يدور في إطار ثيمة الفرد والجماعة أيضاً، عندما يهرب المرء ويفر من المجتمع وعاداته الفاسدة. وعنوان مسرحية «الأشباح» الذي يدل على سطوة الماضي وصعوبة الهروب منه، فالابن يرث أخطاء الأب وأمراضه وآثامه، رغماً عنه كأنها أشباح تطارده، وعنوان مسرحية «أعمدة المجتمع» الذي يشير إلى فساد وكذب أصحاب المناصب والمسؤولين. وإلى ما هنالك من عناوين أخرى، كان إبسن يختارها لمسرحياته على هذا النحو، لكنه آثر أن يكون اسم هيدا غابلر، هو عنوان المسرحية، هكذا بلا أي دلالات مسبقة تحرك خيال المتلقي في اتجاه معين، قبل أن يبدأ في قراءة المسرحية، أو مشاهدتها ممثَلة. وأراد أن يكون للاسم وقعه على المتلقي، وأن يثير فضوله ويتساءل، من تكون هيدا غابلر؟ وما هي حكايتها؟ وعن أي أحداث خاصة بها تدور هذه المسرحية؟ وتظل هذه الأسئلة تصاحب المتلقي طوال رحلة اكتشافه للعمل، أي أن تركيزه يكون منصباً بشكل أساسي على هيدا غابلر، وهو ما قصد إليه إبسن عندما وضع اسمها كعنوان لمسرحيته.

عُرضت مسرحية هيدا غابلر للمرة الأولى سنة 1891 على أحد مسارح ميونيخ في ألمانيا، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عرضها حول العالم، بكثير من اللغات والرؤى الإخراجية المختلفة. كما تمت معالجتها سينمائياً في أكثر من فيلم. وكذلك تم تحويلها إلى باليه وأوبرا، ما يجعل هذه الشخصية حيّة فنياً طوال الوقت، وتكتسب المزيد من الشهرة، ويتجدد تناولها بالنقد والتحليل. وبشكل عام تُعد أعمال إبسن، من أكثر الأعمال التي تثير حواس النقاد، وأفكارهم ورغبتهم في اكتشاف فنيات هذا المسرح، وجمالياته وأسباب قوته وخلوده.
لم يكن إبسن من الكتاب الذين يرتبطون بالمسرح من خلال أوراق، يسطرون عليها النصوص والحوارات وحسب، وإنما كان يعيش في المسرح كمخرج ومدير، لذا نجد في أعماله الروح المسرحية الكاملة، بالإضافة إلى براعته اللامتناهية في سبر أغوار البشر، وعرض دواخلهم أمام الجمهور. وقد شهد هذا الكاتب في حياته جزءاً من مجده الأدبي يتحقق أمام عينيه، ونَعِمَ بالاعتراف النقدي والشهرة العالمية، وكان من ألمع أدباء عصره، قبل أن يخلده التاريخ كأحد أهم كتاب المسرح في العالم. ومن الجدير بالذكر أن هنريك إبسن زار مصر، وكان حاضراً في حفل افتتاح قناة السويس، بناء على دعوة وجهها إليه الخديوي إسماعيل سنة 1869.

جاءت مسرحية «هيدا غابلر» مؤلفة من أربعة فصول وسبع شخصيات، وهي تنتمي إلى دراما المكان الواحد. فمناظرها وأحداثها تقع في المنزل الذي تقطنه هيدا، وفي تلك الغرفة أو الصالة التي تحتوي على بيانو، وأريكة وعدد قليل من المقاعد، ومجموعة من الزُهريّات أو الآنية التي تمتلئ بالزهور.

جاءت مسرحية «هيدا غابلر» مؤلفة من أربعة فصول وسبع شخصيات، وهي تنتمي إلى دراما المكان الواحد. فمناظرها وأحداثها تقع في المنزل الذي تقطنه هيدا، وفي تلك الغرفة أو الصالة التي تحتوي على بيانو، وأريكة وعدد قليل من المقاعد، ومجموعة من الزُهريّات أو الآنية التي تمتلئ بالزهور. تجتمع هيدا مع بقية شخصيات العمل وتحاورهم وتتفاعل معهم، فينكشف شيء جديد من نفسها، وتتضح عقدتها بالتدريج. فالمسرحية تبدأ والعقدة الدرامية قائمة بالفعل، ولا يكون المُنتظر هو تكونها وتشابكها، وإنما ما يُنتظر هو انكشافها.
والعقدة كامنة داخل هيدا وراسخة في أعماقها، وقد أشار إليها إبسن من خلال عنوان المسرحية، عندما جعله «هيدا غابلر» وليس «هيدا تسمان» فالبطلة متزوجة حديثاً من جورج تسمان، ومن الطبيعي أن تحمل لقب عائلة زوجها، لكنها ظلت هيدا غابلر ابنة الجنرال القوي، الذي قام بتربيتها، ونشأت في كنفه وحيدة ربما دون أم، لأنها لا تُذكر في المسرحية. وورثت عنه الكثير من الصفات، ومسدسين ظلت محتفظة بهما، واصطحبتهما معها إلى منزل زوجها، ويمثلان رمزاً كبيراً في المسرحية تعددت تفسيراته. هيدا امرأة في الثلاثين من عمرها تقريباً، عائدة من رحلة إلى إيطاليا، حيث قضت هناك شهر العسل مع زوجها جورج تسمان الباحث الأكاديمي. وعلى الرغم من حداثة زواجهما، تُظهر هيدا سأماً شديداً، وشعوراً بالتعب والإرهاق النفسي، وتبدو كعروس محبطة تماماً في بداية حياتها الزوجية، وربما نادمة على اتخاذ هذه الخطوة، ويسيطر عليها غضب هائل تحاول كتمانه قدر المستطاع، لكنه يظهر في احتقارها للزوج، وسخريتها من كل كلمة ينطقها، وكل فعل يأتيه، ولا مبالاتها بمشاعره ومشاعر عمته جوليانا تسمان، التي توجه إليها إهانة مقصودة، عندما تتعامل مع قبعتها كأنها قبعة الخادمة برتا.
وبعد انصراف العمة التي أتت للزيارة بعد عودة العروسين من شهر العسل، تتوالى الزيارات، من «تيا إلفستيد» زميلة الدراسة القديمة لهيدا، والحبيبة الحالية لآيلرت لوفبورغ، زميل جورج تسمان، الذي تفوق عليه في المجال الأكاديمي وتأليف الكتب والأبحاث، والمحب السابق لهيدا غابلر، أو الذي لا يزال يحبها رغم ما يعيشه من حياة جامحة، يسعى فيها وراء الملذات المُهلكة. ويأتي أيضاً للزيارة القاضي براك، الصديق القديم لعائلة هيدا، الذي يبدي شعوراً غريباً نحو هيدا ورغبة ما في السيطرة عليها بطريقة أو بأخرى.

تنتحر هيدا في نهاية المسرحية، وتقتل نفسها بالرصاص، بعد أن تحرض لوفبورغ على الانتحار أيضاً وتمنحه مسدساً من مسدسي أبيها. ويعتمد إبسن على الانتحار كثيمة كانت سائدة في أدب القرن التاسع عشر، فهيدا شخصية انتحارية، ولديها نزعة تدميرية تجاه الحياة، فنراها ترفض الحب والأمومة، وتمزق الزهور، وتحرق مخطوطة لوفبورغ التي تعتبرها تيا إلفستيد طفلهما المشترك، لأنها ساعدته وعملت معه على إعداد هذا البحث الرائع، وتقول هيدا وهي تحرق المخطوطة: «ها أنا أحرق طفلك يا تيا». ومن الثيمات المهمة في المسرحية أيضاً، والموجودة في بعض من مسرحيات إبسن الأخرى، هي ثيمة السأم وما تخوضه الشخصيات من صراع في مواجهته، ولا يمكن الاستهانة بالسأم وتأثيره لدى هذا الكاتب، فالشخصيات قد تتزوج وتقتل وتنتحر، فقط بسبب السأم. وهيدا غابلر على سبيل المثال، تزوجت من جورج تسمان، ظناً منها أن ذلك سوف يخلصها من الملل، رغم أنها تحب فردانيتها وترفض أداء دورها الطبيعي كأنثى.
ومن أجمل العروض الحديثة إلى حد ما لمسرحية هيدا غابلر، العرض الذي قدمه المخرج البلجيكي إيفو فان هوفي، على خشبة المسرح الوطني في لندن سنة 2017. برؤية حافظت على روح العمل وجوهره، وجعلته يبدو معاصراً، فلا يشعر المتفرج بقدم المسرحية وانتمائها إلى حقبة زمنية بعيدة. كما أظهر المخرج ميلودرامية النص من حيث المبالغة، والانفعالات المشحونة والتغيرات المفاجئة، وواقعية إبسن في معالجته لأشخاص عاديين، يعيشون في بيوتهم بعيدا عن الصراعات الكبرى مع الأقدار ولعنات الآلهة والحروب بين الملوك. وربما أراد المخرج أن يذهب بالميلودراما إلى أصولها اليونانية القديمة، وأن يربطها بالموسيقى، فتضمن عرضه بعض الأغنيات، التي جاءت ملاءمة تماماً للمشاهد المختارة، ومن هذه الأغنيات أغنية Hallelujah لليونارد كوهين، وأغنية Wild Is the Wind التي يغنيها ديفيد بوي بإحساس لا مثيل له.
كان الغناء مسجلاً بلا أداء حي على خشبة المسرح، حيث تنبعث الموسيقى، بينما الشخصية ساكنة لا تتفاعل مع الأغنية أو تتحرك بهدوء. كما جعل المخرج المساحة المحدودة، والمنظر الثابت الذي هو صالة البيت، تختلف بإيحاءاتها من مشهد إلى آخر، عن طريق تحريك البيانو والأريكة، وإسدال الستار على النافذة، وتغيير درجات الإضاءة، والإظلام في الجزء الأخير من العمل، بوضع ألواح خشبية على النافذة، يقوم بتثبيتها جورج تسمان والقاضي براك. والرائع أيضاً أنه رسم أداء جسدياً لهيدا غابلر، نفذته الممثلة روث ويلسون بمهارة، خاصة في مشهد تحطيم الزهور، عندما تمسك بكل باقة من الباقات الموضوعة في الآنية، وتضربها في الأرض ضرباً عنيفاً. ومشهد إحراق المخطوطة، حيث تخرج من أرضية المسرح شعلة من النيران، تضع هيدا فوقها المخطوطة، وما أن تبدأ الأوراق في الاحتراق ويتصاعد الدخان، تنزل هذه الشعلة إلى أسفل، وتغلق أرضية المسرح، وتعود كما كانت. وكذلك مشهد المواجهة مع القاضي براك، عندما يهددها ويخبرها أنه يعلم بحرقها للمخطوطة، وأنها من أعطت لوفبورغ المسدس الذي قتل نفسه به، وأنه أحكم قبضته عليها، وصارت عبدة له، وهو ما ترفضه هيدا وتنتحر بالمسدس الآخر.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية