فيلم «المرأة والساطور»: جريمة سينمائية لم تسقط بالتقادم!

الإقبال الجماهيري الذي حققه فيلم «المرأة والساطور» للمخرج الراحل سعيد مرزوق إبان عرضة الأول في عام 1997 لم يكن دليلاً على النجاح الفني أو حُجة تُثبت قيمته الإبداعية، لكن ثمة عوامل كثيرة أدت في حينها إلى تهافت الجمهور على المُشاهدة، ربما كان من أبرزها انتشار ظاهرة قتل الأزواج لأسباب لم يتم الإعلان عنها لسريتها أو غموضها، الأمر الذي لفت نظر السينما المصرية، فعمدت إلى إعمال أدواتها الخاصة للكشف عن تفاصيل الجريمة المُتكررة في تجارب مرت مرور الكرام، ولم تترك الأثر النفسي الذي أحدثه فيلم «المرأة والساطور» لكاتبه ومخرجه سعيد مرزوق صاحب الأفلام المهمة، «أريد حلاً» و«زوجتي والكلب» و«المذنبون» و«هدى ومعالي الوزير» و«الدكتورة منال ترقص» و«المغتصبون» وغيرها.
لقد استند سعيد مرزوق في فيلمه «المرأة والساطور» بطولة نبيلة عبيد وأبو بكر عزت إلى حادثة شهيرة وقعت في مدينة السويس، حيث قامت زوجة بقتل زوجها وتقطيع جثته ووضعها في أكياس بلاستيكية والتخلص منها بإلقائها في عدد من صناديق القمامة، وقد اعترفت الزوجة آن ذاك بجريمتها الكاملة أمام محكمة الجنايات وتم إعدامها.
لم يفوت المخرج الفرصة فأعاد صياغة الجريمة وفق السيناريو الأصلي لها، دون أن يبذل أدنى محاولة للتصرف السينمائي ومراعاة شروط التصوير الإبداعي للعمل الفني، مُعتبراً التفاصيل البشعة نوعا من الإثارة والثراء الموضوعي والسرد الواقعي للحادثة على خلفية ما روته القاتلة في اعترافاتها في أوراق التحقيق الرسمية، إذ لم يترك سعيد مرزوق هامشاً يوضح الفرق بين الجريمة والإبداع، حيث تعامل بشكل تسجيلي مع الأحداث المؤلمة، والوقائع القاسية فجاء فيلمه صدمه مروعة للفرد والمجتمع على حد سواء، ولم يغفر له اتجاهه الواقعي ساديته السينمائية، ولم يعفه من ذنب إعادة تصوير الجريمة على الملأ.
ومما يؤكد صدمة الفيلم النفسية والاجتماعية، قيام باحثة في مركز البحوث الاجتماعية والجنائية، بعد عرض الفيلم بعدة أعوام بتضمينه كجزء من رسالة ماجستير عن العنف ضد المرأة في فترة التسعينيات، حيث اعتبرت الباحثة، أن الفيلم وثيقة مصورة تُثبت صحة ما أوردته من معلومات في هذا الخصوص، لاسيما أن آلة الدعاية للفيلم آنذاك كرست هذا الاعتقاد لدى الجماهير، فصار يُشار للجريمة الأصلية بالصورة السينمائية وهو الأخطر في مسألة النقل الحرفي عن الواقع، من غير مراعاة لكون العمل السينمائي هو محض استثناء للقاعدة الاجتماعية العامة، وليس دليلاً على عكسها.
ولأن فيلم سعيد مرزوق ونبيلة عبيد وأبو بكر عزت وعبد المنعم مدبولي، أدمج بين مشاهده وتفاصيله حالة الشذوذ في العلاقة الحميمة بين الزوجين، واستخدمها ضمن عناصر تشويه الزوج وقبحه الإنساني في نظر زوجته، واعتبار سلوكه الشاذ تجاهها مُبرراً لقتله، فقد أدى ذلك كله إلى خلق جو من النفور والتقزز، ما باعد بين الفن كلغة حساسة وراقية، والذوق الجماهيري النازع في مُجملة إلى القيمة في حد ذاتها، وهو معكوس الحالة الإبداعية المُبينة في الفيلم والآتية بفعل الإسراف في تكثيف مشاهد الاعتداء والاغتصاب والشذوذ، لتصوير العلاقة القهرية بين الطرفين، الزوج المريض والزوجة القاتلة، فضلاً عن تعميق خصال النذالة والانتهازية وفنون الاحتيال والنصب، كمكونات رئيسية في شخصية البطل أو الزوج المجنى عليه.
وحسب المُعطيات والحيثيات التي صدّرها المخرج لتكون مُبرراً للجريمة الشنعاء، يُمكن استنباط البعد الآخر في الحدوتة المأساوية المُميتة، والمبني عليها محاولات الإشفاق على الزوجة، رغم إجرامها، ويتمثل البعد الآخر في التماس العذر للمرأة القاتلة، بوصفها ضحية رجل سادي وعدواني وشاذ، وهو حُكم إن صح فإنه يُمثل خروجاً على نسق العدالة التي تُحرم وتُجرم القتل في أنواعه ودوافعه كافة، إلا في حالات نادرة للغاية نص عليها القانون ووضع لها شروطاً ومقاييس واعتبارات تراعيها المحكمة ويأخذ بها القاضي، وهي الجزء الغائب من ذهن المُشرع السينمائي الذي طرح مشكلة وافترض عكسها لا لشيء غير كسب ود المرأة في شباك التذاكر، وإبعاد نفسه عن شبهة العنصرية والانحياز للرجل، وهذه تقديرات ساذجة لا يُعتد بها في قانون الأحوال الشخصية، ولا قانون الجنايات ولا قانون الدراما، ولا حتى قانون الجمهور الذي يحكم اختياراته وذوقه ورغباته ويحدد درجة تفاعله مع المُصنف الفني بفكرته ولغته وطبيعة تناوله للأحداث.
وبناءً عليه لم يفلح الفيلم إلا في إظهار الإمكانيات والقُدرات التمثيلية للبطلين الرئيسيين نبيلة عبيد وأبو بكر عزت وبراعة التصوير لمدير التصوير محسن نصر، أما دون ذلك فكان قُبحاً يجافيه الجمال مع سبق الإصرار والترصد والفضيحة!

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية