مقتل المواطن الأمريكي يحرج الحكومة العراقية: هل ينجح السوداني في مسك عصا العلاقات مع واشنطن وطهران من المنتصف؟

مشرق ريسان
حجم الخط
0

وضعت حادثة مقتل المواطن الأمريكي ستيفن ترول، السوداني، في حرج أمام أمريكا من إمكانية توسّع النفوذ الإيراني في البلاد في ظل حكومة ولدت من رحم الإطار الشيعي.

بغداد ـ «القدس العربي»: وضعت حادثة مقتل المواطن الأمريكي ستيفن ترول، الأسبوع الماضي وسط العاصمة الاتحادية بغداد، الحكومة العراقية الجديدة، بزعامة محمد شياع السوداني، في حرج أمام الولايات المتحدة الأمريكية-أبرز الداعمين للعراق- من إمكانية توسّع النفوذ الإيراني في البلاد، في ظل حكومة ولدت من رحم «الإطار التنسيقي» الشيعي.

وعلى إثر الحادث، أمر رئيس الوزراء العراقي بإجراء تحقيق في عملية القتل، ووعد بكشف «التفاصيل والأسباب والوصول إلى الجناة في أقرب وقت ممكن».
وأضاف في مؤتمر صحافي أن «الجريمة الجبانة تثير علامات استفهام بشأن التوقيت، خاصة أن المواطن الأمريكي- يعمل في ملف الإغاثة- موجود في العراق منذ 2021».
ووفقاً للسوداني فإن «من يريد أن يختبر الحكومة في مسألة الأمن، فقد دخل في اختبار فاشل، لأن أمن العراق خط أحمر، والإساءة للبلد والتعدي على المواطنين الأجانب المقيمين أمر لا يمكن التساهل معه».
ويرى المحلل السياسي العراقي، علي البيدر، أن «حادثة الكرادة زادت من مساحة المخاوف المحلية والإقليمية والدولية- وخصوصاً الأمريكية- من توسّع النفوذ الإيراني في البلاد» داعياً في الوقت عينه السوداني إلى «مواجهة الجماعات المسلحة، وأن يكشف حقيقة ما حصل (الحادث) حتى وإن كان الأمر يتطلب فضح جهة سياسية أو جماعة مسلحة أو حتى دولة معيّنة، لإثبات حسن نواياه ويبدد القلق الأمريكي».
وأضاف في حديث لـ«القدس العربي» أن «الدولة العراقية والعملية السياسية قائمة على الرعاية الأمريكية. إذا رفعت واشنطن يدها عن دعم العراق فإن النظام سينهار» حاثّاً السوداني على أهمية «ضمان عدم تكرار مثل هكذا حوادث مستقبلاً».
وأشار إلى أن «أبرز الضغوط التي تواجه السوداني فيما يتعلق بملف العلاقات الدولية، هي الرغبة السياسية المحلّية والإقليمية باحتكار تلك العلاقات في مستوى معيّن يتعلق بالشأن الإيراني» لافتاً إلى أن «إيران ترغب في احتكار العلاقة مع العراق والتحكم بعلاقاته مع الآخرين وفقاً لما تريده هي، وهذه الإرادة تصادر حق العراق كدولة وتجعلها تابعة للجانب الإيراني».
وحسب البيدر فإن هذا التحدي «واضح منذ الأيام الأولى لتواجد السوداني على رأس السلطة» لافتاً في الوقت عينه إلى تحدٍ من نوع آخر أمام الحكومة الجديدة، يتمثّل بـ«ضغط معاكس على السوداني للذهاب نحو الجانب الأمريكي. هذا الأمر سيصادر أيضاً موقف العراق الذي نأمل بأن يكون ثابتاً ووطنياً ويبحث عن مصالح البلاد وليس مصلحة الآخرين كما حصل في المراحل السابقة».
ويرى امكانية تحقيق الحكومة الجديدة توازناً في العلاقات مع واشنطن وطهران، يعتمد «على قدرة السوداني في لعب دور وطني هام» مشيراً إلى أن «إرضاء إيران على حساب الولايات المتحدة الأمريكية سيغضب الأخيرة، والعكس صحيح. على السوداني اللعب على تفضيل المصلحة العراقية على بقية المصالح، وبهذا لن يغضب أي طرف بكونه وقف إلى جانب الأمريكان والإيرانيين وفقاً للمصلحة العراقية، أي بمعنى مسك العصا من المنتصف».
وشدد البيدر أنه «كان على السوداني منذ توليه رئاسة الحكومة إخراج الأجهزة الأمنية الحساسة في الدولة العراقية من عباءة الأحزاب. كان عليه إخراج أعضاء مجلس الأمن الوطني من دائرة المحاصصة، بكون إن هذه المؤسسات تخضع لإدارته كقائد عام للقوات المسلحة».
وحدد «معهد كوينزي» الأمريكي بعض القضايا الأكثر إثارة لاهتمام واشنطن فيما يتعلق بالسياسات المتوقعة من حكومة محمد شياع السوداني، بينها استمرار دور القوة العسكرية الأمريكية في العراق، ورهانها على أن يعمد إلى كبح «الحشد» ومقاومته لضغوط «الإطار التنسيقي» برغم قلقها من أن الإقالات التي قام بها السوداني، طالت رئيس المخابرات الذي وصفه التقرير بأنه «موال للأمريكيين».
وحسب تقرير المعهد الأمريكي، فإن «التساؤل الدائر بين المسؤولين الأمريكيين والنخب العراقية يتعلق بما إذا السوداني سيتمكن من الحفاظ على تماسك حكومته التي تشكلت بعد شهور من التوتر وموجات العنف، ما صار يعني نهاية للجمود السياسي المستمر منذ عام، مع انتخاب عبد اللطيف رشيد لرئاسة الجمهورية، ثم تكليف السوداني».
وقدم التقرير اشادة متعددة بالسوداني، إذ وصفه بـ«حسن النية» ولم يتورط في نشاطات فساد، وميزته الأساسية انه عاش فعليا في العراق خلال عهد صدام حسين، على عكس غالبية اللاعبين السياسيين الذين كانوا في المنافي في إيران أو سوريا أو الأردن أو أوروبا أو غيرها، وعادوا إلى العراق مدعومين من الولايات المتحدة أو إيران»، واصفاً السوداني، بأنه بمثابة «نسمة منعشة من الهواء»
ومع ذلك، لفت إلى وجود «مخاوف في واشنطن وبين بعض النخب السياسية الشيعية والكردية والسنية والعلمانية في العراق من أن السوداني سيكون أضعف من أن يقاوم ميول الإطار التنسيقي المتحالف مع إيران الذي أوصله إلى السلطة».
وأشار التقرير إلى أن «هذا هو الاهتمام الطاغي لدى واشنطن إذ أنها تراهن على ان يسير السوداني على خطى (رئيس الحكومة السابق) مصطفى الكاظمي ويحاول كبح قوات الحشد الشعبي التي قاتلت داعش ثم تم دمجها بشكل رسمي ضمن قوات الأمن العراقية، لكنها تتمتع باستقلالية كبيرة عن الحكومة».
وفي إشارة إلى القوى المنضوية في «الحشد» أوضح التقرير، أن هذه الجيوش المختلطة ليست ظاهرة حصرية بهم في العراق، ومع ذلك فإنهم يشكلون «تحديا ضمنيا لفكرة احتكار الدولة للعنف».
وبالإضافة إلى ذلك، ذكر التقرير ان مما يثير قلق واشنطن هو «قرارات الحكومة الجديدة بإعفاء المسؤولين المعينين من قبل الكاظمي الذي كان يتولى منصب رئيس الوزراء مؤقتا خلال المواجهة الطويلة بين الصدر والإطار التنسيقي».
ونوه إلى أن «العراقيين يشيرون إلى أن عمليات فصل هؤلاء من مناصبهم والتي شملت مدير المخابرات الموالي للولايات المتحدة، كانت ضرورية التزاما بحكم المحكمة العليا الذي يعتبر أن التعيينات كانت مؤقتة، ويجب بالتالي أن تنتهي مع تشكيل حكومة جديدة».
أما «الأولوية الأكثر أهمية» أمام واشنطن فتتعلق «باستمرار المهمة العسكرية الأمريكية لتقديم المشورة والمساعدة والتمكين التي تساعد في احتواء التهديد المتبقي لداعش والقضاء عليه».
ووفقاً للتقرير فإن «هذه الأولوية كانت واضحة خلال المحادثات التي جرت في 3 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي بين السوداني ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، والتي تناولت الالتزام المتبادل باتفاقية الإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق والمصلحة المشتركة في الحفاظ على أمن العراق واستقراره وسيادته».
وذكر أن «اتفاقية العام 2008 تحدد بشكل رسمي العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية الشاملة مع العراق» مضيفا أن قوتها تمكن في انها «تتجنب التفاصيل بعد الفشل في التوصل إلى اتفاقية أكثر وضوحا حول وضع القوات (SOFA) خلال عهد إدارة باراك أوباما».
واستدرك تقرير المعهد الأمريكي بالقول: «الغموض الذي يكتنف اتفاقية الإطار الاستراتيجي، يمنح واشنطن المرونة في أن تقوم بتعديل حجم قواتها العسكرية، واستخدامها كما تراه ملائما لها» وكذلك «يمنح للسياسيين العراقيين فرصة حفظ ماء الوجه، إذ ينتهز بعض النواب العراقيين الفرصة لانتقاد الولايات المتحدة في الخطابات العامة، غير أن العديد منهم يعبرون خلف الأبواب المغلقة، عن رغبتهم في بقاء القوات الأمريكية بدرجات معينة».
واستبعد التقرير، أن «تمارس حكومة السوداني أو حتى الحشد الشعبي الذي يدعمها، ضغوطا كبيرة بهدف تغيير الوضع الراهن» مضيفاً أن «مسؤولا أمنيا عراقيا رئيسيا واحدا على الأقل، ممن يتعاون بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وهو قائد جهاز مكافحة الإرهاب، سيحتفظ بمنصبه».
ومن الناحية الرسمية، فإن كل ما طلبه السوداني من الولايات المتحدة حتى الآن «هو (المزيد من الشفافية) وهو ما بإمكان واشنطن أن توفره».
إلى جانب ذلك، استعرض التقرير عددا من التحديات أمام حكومة السوداني، من بينها طبيعة مبادرات (غصن الزيتون) التي ستقوم بها باتجاه التيار الصدري، لافتاً إلى أن «تجربة العام الماضي، تظهر أن الرغبة محدودة بالإقبال على المشاركة في جولة جديدة من الانتخابات».
وبالإضافة إلى ذلك، فإن «أهداف السوداني مثل تقليص وترشيد القطاع العام، ستواجه معارضة ليس بمقدوره التغلب عليها، من جانب شركاء الائتلاف الذي دعمه والذين يعتمدون على توفر الوظائف الحكومية من أجل تغذية شبكات المحسوبية الخاصة بهم».
وأشار إلى أن «إحدى المبادرات المثيرة للاهتمام من جانب السوداني، والتي قد تبرهن على قابليتها للبقاء واستمراريتها، تتمثل بالانفتاح على الدول العربية المجاورة لتعزيز العلاقات معها» مضيفاً أن «في حال نجحت هذه الجهود، فإنها قد تعدل التصور الشائع حول النفوذ الإيراني المفرط في العراق، وتساهم في تعزيز موقف العراق كلاعب مستقل ضمن محيطه الإقليمي».
وخلص تقرير المعهد الأمريكي، إلى القول إن «العراق حقق تقدما في هذا المجال تحت قيادة الكاظمي، وتبقى رؤية ما إذا كان السوداني سينجح».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية