بذلت جهداً كبيراً قبل كتابة هذه السطور، من أجل الوقوف على أن لقبه بالطاء وليس بالظاء، فلما فشلت في ذلك، وجل من لا يسهو، كتبته في ورقة بجواري، فقد كنت قبل اقامتي في الخارج، ملماً بتفاصيل الوسط الصحافي في المحروسة، وأعرف المبشرين باعتلاء القمة من الجيل الجديد، ولم يكن هو من بينهم!
وكان علي أن أستعين بصديق، فقال كلاماً عائماً غانماً، خلاصته أن الفتى كان قد سافر للعمل في الخارج، ثم عاد إلى مصر، بعد وقت قصير، ومن الواضح أنه وجد من يقدمه لأهل الحكم. ليمثل لي حالة جديرة بالدراسة والتأمل، لأن واحداً من التسريبات الخاصة بالجنرال تحدث فيها عن صناعة الأذرع الإعلامية، وكان هذا وقت أن كان يشغل موقع وزير الدفاع، في عهد الرئيس محمد مرسي، دون أن يطرح هذا سؤالاً وما علاقة وزير الدفاع بفكرة صناعة «الذراع الإعلامي»؟ لكن المهم أنه حدد عشر سنوات لصناعته، وبدا لي أن هذا الشاب، هو ذراع، وقد تخرج بعد السنوات العشر، فلم أنتبه لوجوده إلا بعد هذا التمدد في الفراغ اللامتناهي!
الجنرال معه حق
هذا التسريب كشف بجلاء أن الجنرال ليس مقتنعاً بمقدمي البرامج في القنوات المختلفة، حتى وإن كانوا في هذه الفترة يمهدون الأجواء للانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب، ويخوضون حرباً ضروساً ضده. والجنرال الذي يشك في أصابع يده إذا صافحت أحداً، ليس مرتاحاً لهم، ومعه حق في ذلك، فهؤلاء وإن كانت نجوميتهم تحققت بفضل حكم مبارك، وكانوا من المقربين من نجله ومن أجهزته الأمنية، فقد باعوه وانحازوا للثورة، في ما عُرف بظاهرة تحول الإعلاميين، ولم يكن لديهم أي مانع من أن يكونوا أبواقاً للرئيس محمد مرسي، لكن الإخوان لم يجيدوا التعامل معهم، ومن هنا تولدت لديه فكرة صناعة أذرع إعلامية جديدة، لمرحلة جديدة!
وصاحبنا الذي هو بالطاء وليس بالظاء، هو من هذه الأذرع، فلما أتم عشر حجج تخرج، ومن المؤكد أن الأيام المقبلة ستشهد جيلاً جديداً من الخريجين، لإزاحة مخلفات الحروب، وظني أن الوحيد الذي سينجو من عملية الإزاحة هو عمرو أديب، لأن قناة «أم بي سي مصر» ليست قناة مصرية، ما لم تجد في الأمور أموراً في إطار العلاقات المصرية – السعودية!
من خصائص السلطة في مصر، أنها لا تمنح رجالها وظائف، لكن تقتطع لهم «اقطاعيات»، فرئيس قنوات «دي أم سي» هو رئيس مجلس إدارة صحيفة، ورئيس لجنة في غرفة برلمانية، وهكذا، فان «الذراع الجديد»، هو رئيس تحرير مجلة هي «روزا اليوسف»، ومقدم برنامج تلفزيوني، وقرأت أنه مقدم برنامج في إحدى الإذاعات، فضلاً عن أنه رئيس قطاع الأخبار في الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، والمسؤول عن قناة «القاهرة الإخبارية»!
وهو نسق لم نشهده من قبل، وجيل القيادات الصحافية، الذي استمر مع مبارك منذ توليه الحكم إلى شيخوخة حكمه، لم يمنح الاقطاعيات الواسعة، وإن كان منهم من حصل على عضوية مجلس الشورى بالتعيين، فقد كنا نعلم أنها عضوية من أجل حصانة تحميهم من الاستباحة بالبلاغات القضائية، فلم يتولوا مواقع تنفيذية داخل المجلس، ولم يكن لأي منهم دور يذكر، ولم يكونوا حتى يحرصوا على حضور الجلسات، ولم تكن مكافآت العضوية ضخمة كما هي الآن، ولم تكن تمثل لهم أي وجاهة اجتماعية، فقد كانت وجاهتهم في مواقعهم الصحافية، فماذا بعد أن تكون رئيس تحرير «أخبار اليوم»، أو رئيساً لتحرير «الأهرام»، أو كاتباً فيها، وأي جاه صحافي يعادل أن يكون المتطلع رئيساً لتحرير «روزا اليوسف»، هذا الموقع الذي ناضل من أجله عادل حمودة، وإبراهيم عيسى، ووائل الإبراشي، فلما فشلوا ذهبوا يحققون حلمهم في رئاسة التحرير في الصحف الخاصة!
ولم يكن أي من القيادات الصحافية هذه يجمع بين منصبه الصحافي والتقديم التلفزيوني، بل إن الجيل الجديد، بعد أول تغييرات شاملة أطاحت بالحرس القديم، لم يجمع بين هذه المواقع وعضوية البرلمان!
وجاهة كرسي رئيس التحرير
لم يكن الجيل الجديد (المختار) على كفاءة الجيل القديم نفسها، لكن تاريخ الكرسي يكفي، فأي شرف يمكن أن يبلغه صاحب مقال «طشة الملوخية»، أهم من أنه يجلس على كرسي إبراهيم سعدة، والبعض كان يذهب بتاريخية الكرسي إلى أعماق التاريخ الصحافي، وعندما عرض صلاح دياب، صاحب «المصري اليوم» على الراحل ياسر رزق رئاسة التحرير براتب خيالي، وعرضت عليه رئاسة تحرير جريدة «الأخبار» في الوقت نفسه، قال لن أفرط في كرسي مصطفى أمين وأفضل عليه كرسي جلس عليه مجدي الجلاد!
بطبيعة الحال، فعندما يعجز الصحافي عن تحقيق إنجازات بقلمه أو بثقله، فان «العوض» يكون في «سلة المواقع» التي تمنحها له السلطة على قاعدة الاقطاعيات الممنوحة في زمن السيسي، وما يصحبها من مبالغ ضخمة تأتيه كل شهر من هنا وهناك، فيقر بجميل مولانا ولي النعم عليه، ومن الناس من يحب أن يمنح ويرى أثر نعمته على وجه الممنوح!
وفي زمن ولى، وعندما علم رئيس مؤسسة صحافية كبرى أن أحد مرؤوسيه يحدث بعض المسؤولين الكبار ليذكروه عند مبارك ليعينه رئيساً للمؤسسة، رقاه لمنصب مدير التحرير، وفي اليوم التالي كان موظف عظيم في الإدارة المالية يستأذنه في دخول من يحمل نصيبه من الأرباح السنوية، وبعدم اكتراث يليق بشاغل موقع كبير، إذن له بالدخول، فاذا بحامل جوال يفتعل تعثراً وهو يضعه على المكتب، فتبعثرت أوراق البنكنوت، فلما رأى نفسه وقد وقع في مغارة «علي بابا» لم يتحمل قلبه الرقيق ذلك وأغمى عليه، لتنقله الإسعاف للمستشفى، وكان يمكن أن توضع الأرباح في حسابه في البنك، لكن المخطط كان يقوم على «الصدمة والرعب»، والذي نجح، فلم يعد يحلم مرة ثانية بالمنصب الكبير، فلن يبدد ما في يده من أجل ما في جيبه، وعصفور في اليد ولا عشرة فوق الشجرة!
برنامج أم فصل دراسي؟
عندما رأيت الذراع الإعلامي على شاشة «اكسترا نيوز»، رأيت من اللازم أن أتابعه لأرى أثر صناعة ذراع اعلامي، بعد عشر سنوات من التصنيع والفك والتركيب، وكان لافتاً أن يستضيف ستة أشخاص دفعة واحدة، ثلاثة عن يمينه ومثلهم على اليسار، بينما هو في وضع جلوس شديد التميز، فأمامه مكتب، بينما هم أمامه في الفراغ، تلاميذ في «صالون العقاد» وكأنهم مجموعة من المرؤوسين له في مكتبه، فلماذا لا يجلسون جميعهم على مائدة واحدة، بل لماذا كل هذا العدد والفصل الدراسي غير المبرر!
لم يكن يوجه الأسئلة ويدير الحوار، بل كان يوجههم، ويضع الإجابات على لسان من يتحدث معهم، وهم في انصياع له، مع أن من بينهم فريدة الشوباشي «الليمونة في بلد قرفانة»، على أساس أنه يحمل «المنافستو»، الذي رسمه أهل الحكم للحلقة، واحد فقط من بين الجالسين كان مختلفاً ربما لأن الموضوع يقع في دائرة تخصصه، ولامتلاكه لمعلومات فلم يمارس الفهلوة إلا قليلا، لم يكن معارضاً، فقط حرص على أن يبدو موضوعياً، دون الخروج على النص، فلم يسلم من المقاطعة، في حلقة «التوجيه المعنوي»، اسمه «البحيري»، وهو باحث في مركز «الأهرام»، وكانت المرة الأولى التي أتعرف عليه فيها!
الحلقة دارت حول العمل على عدم عودة الإخوان، فتساءلت: ألا يمل القوم؟! فبعد عشر سنوات من السجون والاعتقالات، والحشد الإعلامي ضد الإخوان، وبعد مسلسل «الاختيار3»، الذي لم تعلن تكلفة انتاجه حتى الآن، يظل الإخوان يمثلون هاجساً لهم، ويجتمعون في سقيفة «اكسترا نيوز» من أجل بحث الحيلولة دون عودتهم، فهل هذا اعتراف بفشل مسلسل «الاختيار»؟!
لم تعد المليشيات الإلكترونية تجد نجاحاً للجنرال تسوقه، لذا فإنها مع الاعتراف بفشله، فالشعار: يكفي أنه خلصنا من الإخوان. فاذا بعفريت الإخوان يركبهم، وإذا بحلقة في برنامج يحتشد لها ستة أنفار ويديرهم ذراع إعلامي حديث التخرج بحثاً عن طرق تحول دون عودة الإخوان!
عشر سنوات في صناعة أذرع إعلامية.. وعشر سنوات من المواجهة، ثم تكون الحصيلة هكذا؟! يا له من جهد ضائع!
ليس في مقدور العسكريين صناعة إعلامي ناجح ولو اجتمعوا له.. ضعف الطالب والمطلوب!
صحافي من مصر