بين النسور والعبور الى الدور الثاني قصة خصام لم تنته تفاصيلها في البيت العربي الذي أعدته الدوحة لضيوفها.
لقد خاب ظن من “اقتنع” بأن الأرض العربية ستمهد للمصالحة بين المنتخب التونسي وأجواء الدور ثمن النهائي. وأخطأ من اعتقد ان السند الجماهيري الكبير سيكون كفيلا بشحن الهمم لرسم بسمة على شفاه تعاني من مرارة العلقم. لقد حسدوا المنتخب على الحضور المميز لابناء جلدته، المقيمون منهم (وعددهم بالآلاف) أو القادمون من أرض الوطن خصيصا للتشجيع و المؤازرة.
الجماهير كانت والحق يقال فاكهة البطولة، فقد أبهرت العالم بأسلوبها المميز في المساندة لآخر رمق دون عناء أو كلل. الجماهير في نهاية القصة، هي من انتزعت النجومية من المنتخب الوطني، فنالت الاعجاب وشهادات الاعتراف من كل صوب فهل كانت النسور التونسية جديرة بجمهور من ذهب كهذا؟
لعل ذنب هذا الجمهور أنه تسرع أو بالغ في رفع سقف الطموحات عاليا بعد 90 دقيقة مبشّرة بساعات فرح قادمة، وبالتالي لم يخطر على باله أنه بعد 90 دقيقة أخرى سيعيش كابوس إغلاق المجال الجوي القطري أمام النسور ليحول دون تحليقها عاليا! لم يُظلم المنتخب في المباراة التي كانت ستؤهله للقطع مع “عادة” حزم الحقائب مبكرا، فهو لم يتعرض لأخطاء تحكيمية أو لأصابات حرمته من لاعبين أساسيين، كان المطلوب (وما تنتظره الجماهير أيضا) أن يفرض نفسه مراهنا جدّيا على نقاط الفوز الثلاث ليذهب بعيدا، ومن يريد ذلك عليه أن يسجل الأهداف، وهزّ الشباك لا يأتي بأقدام خجولة في الهجوم، أو بوسط ميدان غير قادر على كسب المعركة التي تضمن الانتصار.
ولأن لكل مباراة ظروفها وتفاصيلها، كان منتظرا من جلال القادري أن تكون له رؤية ثاقبة ويهيئ الكتيبة التي تكون الأقدر على أداء المهمة. قد يرى البعض ان اختيار التشكيل، هي “التسلية” المفضلة عند الجمهور والاعلاميين، وكم هو سهل أن “يفصّل“ كل طرف على هواه ما يراه مناسبا من أسماء، لكن حين يكون الحديث عقلانيا ولا يخضع للأهواء، من السهل أن تضع اليد على الجرح خصوصا حين تمر 45 دقيقة أولى، والنسور خارج نطاق التغطية، “التواصل” مفقود بين الخطوط، والأيادي على القلوب، و“الكنغر” عادت اليه الروح بعد الأفضلية في النتيجة!
حين يسمح لك القانون بتغيير خمسة لاعبين، فذلك يعني ان أمام المدرب فرصة للتدارك والإصلاح اذا أحسن اختيار التوقيت والبديل المناسب، ورغم ما أثارته القائمة الدولية من انتقادات بسبب تدخل “الدكتور” في الاختيارات، فان بعض الأسماء الموجودة على بنك الاحتياطيين كانت قادرة على الحد من سيطرة الاستراليين و“دعم” استقرار وسط الميدان مثل محمد علي بن رمضان أو غيلان الشعلالي أو حنبعل المجبري، كما أن الخط الخلفي كان بحاجة لخدمات الظهيرين البارزين، وجدي كشريدة في الجهة اليمنى (تأخر إقحامه والحال انه جدير بالظهور أساسيا) وعلي معلول الظهير الطائر في الجهة اليسرى.
ادارة المباريات فن لا يجيده كل المدربين خصوصا في هكذا مواقف، وكم هو صعب أن ترى منتخبا غير قادر على تقديم مباراتين متتاليتين بالأداء ذاته؟ أليس المنطق أن يكون النسق تصاعديا ويتطور المردود تدريجيا؟
كيف للمنتخب التونسي ان يكون في المباراة الأولى “واقفا” كما ينبغي لشل حركية منافس اعتبر المرشح الثاني للتأهل مع فرنسا، ثم في اللقاء “المؤهل” للعبور يجنح الى طريقة تتيح المجال للأستراليين للسيطرة على مجريات اللعب وتحقيق الفوز الذي أنساهم رباعية الديكة؟
هذه الأسئلة وغيرها لن يتوقف الحديث عنها لان الخسارة كانت صادمة وأعادت الجماهير الى أرض الواقع بعد أن رفعت عاليا سقف طموحاتها كما ذكرنا سابقا، ولمن لم يفقد الأمل ويؤمن بأن للكرة أحكاما لا تخضع للمنطق، نقول ان احتمالات التأهل تجعل تونس بحاجة للفوز على فرنسا شرط تعادل الدنمارك مع أستراليا واذا فازت الدنمارك فيجب أن يكون فوز تونس أكثر بهدف، أما لو فازت استراليا أو لم تفز تونس فالموضوع منته!