الناصرة- “القدس العربي”: الحاجة غزالة طلال عواودة، أم شريف، من بلدة كفر كنا داخل أراضي 48، في الثالثة والتسعين من عمرها، ولها أكثر من 100 ابن وحفيد يعيشون في ديارهم، فوق ترابهم، وكثيرون منهم أقرن الكيف بالكم، فبعضهم أطباء وطبيبات ومحاسبون وتجار ومعلمون ومعلمات، ولولا تصميمها على البقاء في وطنها لكان كل هؤلاء في مكان آخر.
في حالات نادرة حصل أن عاد فلسطينيون لديارهم في مرحلة متأخرة جداً بعد نكبة 1948 بفضل التقاء تصميم هؤلاء على العودة مع الحظ أحياناً، ومن هذه الحالات الحاجة أم شريف، التي ما زالت تذكر بتفصيل فوتوغرافي رحلة اللجوء إلى سوريا ولبنان، والعودة بعد عام للوطن، بعد اجتياز مصائد الموت الإسرائيلية وحدود المستحيل.
توضح أم شريف لـ “القدس العربي” أنها خرجت وزوجها الراحل محمد حسن عواودة (أبو شريف)، وردينة طفلة رضيعة عمرها سنة، مع العشرات من عائلتها الموسعة نحو الشمال، خلال رمضان في الثاني عشر من آب 1948، وهم صائمون، بعدما كان رجل عربي (تبيّن لاحقا أنه يهودي) دعاهم، وكل أهالي كفر كنا، للرحيل للشمال، بعد سقوط الناصرة، تلبية لأوامر جيش الإنقاذ.
تتابع أم شريف، في شهادتها، أن والديها وشقيقتها أمينة الطفلة بقوا في كفر كنا، فيما وصلت مع العشرات للبطوف، عبر سهل بلدة رمانة المجاورة، وكان نساء بلدة عرابة البطوف “يحثّوننا للرجوع وعدم الرحيل. وصلنا للرامة في الجليل الأعلى واسترحنا داخل كرم زيتون. انتقلنا لبلدة البقيعة المجاورة، ومكثنا فيها ثلاثة أيام، وقام الشباب المرافقون ببيع بنادقهم بأسعار رخيصة لأهالي البقيعة، عشر ليرات بدلاً من تسعين أو مائة ليرة، بعدما قيل لهم إن الدولة اللبنانية ستصادرها”.
من البقيعة انتقلت مع العشرات من أقاربها لجنوب لبنان، بالاستعانة بالحمير، فوصلوا بلدة رميش اللبنانية بعد مبيت ليلة في حرفيش الفلسطينية المقابلة من الجهة الجنوبية للحدود. وعن ذاك اليوم تقول: “في حرفيش لحق بنا بعض أقاربنا، أمثال حسن علي مصطفى ومصطفى علي، ودعونا للرجوع لأن البلدة احتلت والأمن مستتب، لكن معظم الرجال معنا رفضوا العودة وبعضهم خشي من الانتقام بسبب العمل في مصنع الريفاينري لتكرير النفط في حيفا، الذي شهد مذبحة قتل فيها عشرات من اليهود قبل النكبة، أو المشاركة في معارك سابقة ضد الاستعمار والصهيونية. وتضيف، مستعينة بذاكرة وقادة وذهن صاف: “عاد بعضنا وبعضنا بقي في بلدة بنت جبيل نفترش التراب داخل كرم تين 23 يوماً، وكنت أحّث زوجي إلى العودة بسبب تدهور صحة طفلتنا. لحق بنا فوج جديد من أقاربنا قادمين من كفر كنا، وما لبثنا أن انتقلنا إلى قرية تسيل السورية، بجوار جبل الشيخ، حيث لنا أقارب هناك من عائلة “اللطايفة” من عهد الدولة العثمانية. لكن شقيقي فياض طلال، وأبناء المختار محمد عبد عواودة أبو مبارك، انتقلوا إلى بلدة درعا بسبب سوء الظروف المعيشية في تسيل، حيث أنجبت بعض نسائنا فيها. موضحة أن بعثة سورية نقلت مجموعة اللاجئين من بلدة تسيل لمخيم اليرموك في دمشق، ووقتها كان يدعى مخيم الضيافة، وبقوا هناك مدة يومين.
وتتابع: “هناك أكرمونا جدا قبل أن يدعوننا لتدبّر أمرنا. بعضنا، أمثال الحاج توفيق عواودة، ذهب إلى مخيم النيرب في حلب، وبعد عامين مرض ابنه، فانتقل للأردن فيما بقي شقيقه فندي ومعه راجح وعرابي عواودة في درعا مدة إضافية، بينما بقي عمي راجح لوحده في تسيل حتى مات فانتقل أبناؤه بعد عشرين سنة إلى دمشق”.
وتوضح أم شريف، وقد عكست لهجة صوتها انفعالات عاطفية داخلية حركتها الذكريات، أنها ركبت مع بعض أقاربها، وعادت من سوريا للبنان، وهناك التقوا بعض أقاربهم الذين جاؤوا من كفر كنا للقاء أقاربهم، وعاد معهم زوجها أبو شريف للبلدة، وبقي فيها ثمانية أيام، وعاد محملاً بالكثير من المؤن حمّله إياها والدها طلال، وأبلغنا أن البلدة خالية من اليهود، والحياة فيها اعتيادية، فتشجعت أكثر لحثّ زوجها وشقيقه وحماتها للعودة. وفعلاً عادت مع بعض أقاربها على ظهر شاحنة ساقها ابن بلدتها الراحل أحمد حج طه، ووصلوا عند المساء بلدة عرابة البطوف برفقة تاجر قماش، وفي الصباح أكلموا نحو كفر كنا. وعمّا حصل لاحقاً تقول بلهجة تقطر أسى: “في الطريق اصطدمنا بجنود جيش الإنقاذ، فحاول بعضهم منعنا من العودة، فصارت حماتي تتوّسل لهم وتقول إنّا نريد قطف الزيتون من كرمنا نعود بعدها للبنان، وهي تشير إلى أن طفلتي مريضة، وستموت بسبب التعب والحمى، فانقسم جنود جيش الإنقاذ في رأيهم، وفي نهاية المطاف أتاحوا لنا المسير، وما لبث أن أطلق جنود الاحتلال النار صوبنا، لكننا سرنا بسرعة حتى بلغنا بلدتنا”.
وصل العائدون بلدتهم منهكين. كفر كنا في موسم الزيتون. نادى المختار أبو مبارك زوجها أبو شريف لمرافقة موظفين من الحكومة الإسرائيلية التي تشكلت للتو. كانوا قد وصلوا لزيارة البيوت ومساعدتهم على تسجيل الأنفس. وتضيف: “بعد أسبوعين ذهبنا لدير الكاثوليك، والتقطوا لنا صوراً، وبعدها بأيام أعطونا بطاقات هوية. في مطلع 1948، عاد عدد من أقاربنا؛ محمد حسين أبو مجاهد، عرفات وعارف عكاوي وعرسان غصيب”.
وتشير أم شريف لدور سيدة من أقاربها كانت “تملك قلب أسد بين أضلاعها”، تدعى راضية عواودة، وقد عملت على الذهاب والإياب إلى لبنان واستحضار لاجئين في الليالي دون خوف، وعن ذلك تقول: “لقد ذهبت عمتي راضية عكاوي تسللاً للبنان وأعادت الكثيرين من أهالي بلدتنا ممن منحوا هنا بطاقات هوية حمراء مؤقتة (عسكرية)، علماً أنها كانت مختصة بجلب اللاجئين تهريباً”. وتستذكر أن والدتها الراحلة فاطمة واكد ذهبت في منتصف 1948 إلى لبنان من أجل استرجاع ابنها فياض، الذي كان قد هجّر إلى هناك قبل عام، ومكثت هناك عشرين يوماً، لكنه، هو وأبناء المختار أبو مبارك محمد العبد عواودة (مبارك وعبد العزيز وعبد الكريم وبركات)، رفضوا العودة، قالوا إنهم سيعودون فقط بعدما يرفرف علم فلسطين مجدداً، وبعدما يعوّضوهم على تهجيرهم.
وتتابع: “عادت أمي ومعها فقط شقيقي خليل ابن العاشرة والطفل أحمد مبارك عواودة. في مثل هذا الشهر (أكتوبر) عام 1949 ذهب زوجي أبو شريف مع الفتى راجح مبارك عواودة (15 سنة)، برفقة الدليل أبو عمر هياجنة، إلى درعا مشياً عن طريق هضبة سيرين بين طبرية وبيسان عن طريق الشريعة نحو الأردن. وفعلاً عادوا ومعهم عمي راجح ومعهم عرابي وفياض شقيقي وبركات العبد، وكافتهم عازبون، ومعهم أشخاص من عائلة عباس، وبقي من كانوا متزوجين في درعا. بعضهم حاز على بطاقات هوية عسكرية، ومنهم جدك فندي عواودة، شفقة على زوجته عائشة التي كانت مع أطفالها كالعصافير، أما البقية فقط طردوهم إلى جنين: أخي فياض وعمي عرابي وراجح وعمي صالح الكامل، ومن هناك عادوا لدرعا لعائلاتهم، وبعد ثلاث سنوات انتقلوا لدمشق، لكنهم عادوا عدة مرات تسللاً، وكانت الشرطة الإسرائيلية تلقي القبض عليهم وتطردهم لجنين”.
وكان فياض قد مكث هنا ست سنوات حتى 1955، يعتقل ثم يطردونه، ثم يعود سيراً على الأقدام، فيعتقل. وفي إحدى المرات اعتقل ستة شهور، وفي مرة أخرى اعتقل 18 شهراً، وحاول ذووه تثبيت بقائه فباعوا البقرات بقيمة 80 ليرة واستأجروا خدمات محام يهودي من حيفا، ولكن دون جدوى. وعن ذلك تستذكر أم شريف: “شاركت في واحدة من محاكماته في الناصرة، واسترحم والدي القاضي اليهودي، وهو يقول له : “انظر فأنا مسن، و”نظري على قدي “وفياض أعزب وهو أملنا بالاعتماد عليه كونه شاباً، لكن القاضي رفض”.
في 1968 عاد شقيقها فياض، بعدما مرض بالقلب فبعث رسالة لأخيه خليل عن تدهور حالته الصحية بشكل خطير طالبا تصريح زيارة، عن طريق شخص من سيلة الحارثية في الضفة الغربية. وتقول إنه في 1968 وصل فياض في زيارة لأحد أقارب أمها في جنين فاستضافه أخوالها في حي جبل الدولة في الناصرة، وفي اليوم التالي اصطحبناه للدكتور طيب الذكر الراحل أنيس كردوش في الناصرة، الذي أبلغنا أن أخي فياض مريض بالقلب، ولا يوجد علاج له سوى في مستشفى هداسا في القدس. وتضيف: “فعلاً كانت هذه أول عملية جراحية لتبديل صمامات القلب في هداسا، وعندما زرناه بقي فاقدا للوعي بعد العملية طيلة يوم وأكثر. ذهبنا من كفر كنا إلى القدس في سيارة واحدة، وذهبنا لبيت لحم للمبيت عند شقيقة زوجي حكمية عواودة. طيلة الأيام الثمانية في المستشفى كان التلفزيون الإسرائيلي يصّور به ويصورنا، ولم يأخذ المستشفى أجرة العملية الجراحية، ولاحقاً تبيّن أنهم استغلوا القصة للدعاية ولمناكفة سوريا، بالقول إنها عاجزة عن معالجة إنسان مريض”.
بقي شقيقها فياض هنا ستة شهور بدون بطاقة هوية، وكانت العائلة تخشى أن يطردوه، فصار زوجها أبو شريف وشقيقها أبو الوجيه يجمعون تواقيع استرحام للحكومة الإسرائيلية من أجل منح أخيها فياض بطاقة هوية لتأمين بقائه، علما أنه في سوريا أيضاً كان بلا بطاقة هوية مما حرمه حتى من مساعدات الإغاثة. وتلخص أم شريف قصة شقيقها فياض بالقول: “جمع زوجي وشقيقي تواقيع من أهالي البلدات المجاورة وزكّوه بأنه شخص مستقيم، ولاحقاً وصل شقيقي خليل، الذي عمل مدير مدرسة مع سبعة من أهالي بلدنا لرئيس الدولة مع العرائض، فوافقوا في نهاية المطاف على منح أخي فياض بطاقة الهوية. عندما جاء أبناء أخي فياض ليلتحقوا به قادمين من سوريا عبر الضفة الغربية، كان طلال ابن أخي رضيعاً، ولد للتو في سوريا فاحتجوا على أنه غير وارد بسجل أسرته المسموح بعودتهم، فأوضح لهم أن ابنه ولد بعد وصول التصريح بعودة أفراد أسرته الذين يعدّون اليون هم وأبناؤهم العشرات”.