تحاول الدولة الفرنسية حالياً في مرحلة رئاسة ايمانويل ماكرون استعادة الدور الرئيسي الذي لعبه سابقاً قادة كبار كالجنرال شارل ديغول وفرنسوا ميتيران وجاك شيراك وفاليري جيسكار ديستان، خصوصاً في منطقة المشرق العربي. علماً بأن أولئك القادة أثّروا تأثيراً واضحاً على مصير الحرب والسلام في الشرق الأوسط، منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى نهاية القرن العشرين.
الكاتب والباحث الفرنسي المتخصص في تاريخ المشرق العربي جان فرنسوا فيجياك حقق مؤخراً كتاباً بعنوان: «فرنسا والمشرق، من حِكْمِ لويس الخامس عشر إلى قيادة ايمانويل ماكرون» تطرق فيه إلى علاقة فرنسا الرسمية مع أنظمة البلدان المشرقية والعربية وشعوبها منذ القرن الثامن عشر مروراً بحملة الامبراطور نابليون في مصر ومرحلة الحربين العالميتين الأولى والثانية وفترة الانتدابين الفرنسي والبريطاني في بلدان المنطقة، وحتى الساعة. المقاربة الأساسية لهذا الكتاب هي انه من المفروض على مخططي السياسة الخارجية الفرنسية حالياً تخطيط سياسة جديدة في المشرق العربي تدفع القيادات والشعوب هناك إلى أن تستمع إليها وتتفاعل مع طروحاتها ما يسهل مهمة باريس في لعب دور فاعل في المفاوضات والمواقف المتخذة في هذه المرحلة لتحديد مستقبل المنطقة، بدلاً من القيام فقط بدور تابع لقيادة (حلف الناتو) ولواضعي السياسات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل متسرع ومنحاز وغير مستند إلى الوقائع في منطقة المشرق العربي والشرق الأوسط عموماً.
حسب الفصلين الخامس والسادس في الكتاب، فإن الجنرال شارل ديغول، خلال رئاسته، كان الأقوى والأكثر دراية في التعامل مع الدول العربية بسبب خبرته المباشرة ودوره في الجيش والسلطة السياسية الفرنسية وزياراته ومهماته في المنطقة منذ عشرينيات القرن الماضي وقيادته جيش فرنسا الحر في الحرب العالمية الثانية.
فعندما أسس ديغول الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1959 ولدى رئاسته حتى عام 1969 انتهج سياسات متعارضة مع مواقف قادة الجمهورية الفرنسية الرابعة التي حكمت قبله والتي كانوا منحازين لإسرائيل بحيث نظموا وقادوا الغزو العسكري الفرنسي ـ البريطاني ـ الإسرائيلي ضد مصر جمال عبد الناصر وفشلوا عام 1956. كما قاموا بتسليح الجيش الإسرائيلي قبل وبعد ذلك بأسلحة متطورة وحديثة ودربوا العناصر العسكرية الإسرائيلية في ثكناتهم الفرنسية.
وقد ساهم فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 في صعود ديغول إلى الموقع الرئاسي وأدى إلى انتخابه رئيساً عام 1959 بالإضافة إلى سجله السابق.
وحرص ديغول في منصبه القيادي الأول في فرنسا على فتح قنوات إيجابية مع الدول العربية خصوصاً بعد نجاح سياساته في الجزائر ولبنان وفلسطين وقيامه بمبادرات ناجحة باتجاه جامعة الدول العربية. وكان ديغول يعتبر بان لفرنسا الدور التاريخي الرئيسي في الشرق الأوسط والمشرق العربي (ص 153 و154) وان من الضروري استعادته بعدما فرّطت به قيادات الجمهورية الفرنسية الرابعة في الجزائر وفلسطين وفي حرب السويس في مصر.
حسب المؤلف، فقد تطورت علاقة فرنسا بلبنان وبلغت قمتها في مطلع الستينيات بعد انتخاب الجنرال فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية. وكان ديغول وشهاب قد تفاعلا سابقاً، منذ أربعينيات القرن الماضي، لدى زيارة ديغول للمنطقة في تلك الفترة لتثبيت دور جمهورية فرنسا الحرة الموالية للحلفاء في مكان القيادة الفرنسية قيادة أتباع الجنرال بيتان في لبنان وسوريا، التي تحالفت مع المانيا النازية.
توالت مبادرات ديغول الإيجابية نحو الدول العربية، قبل وخلال وبعد «حرب الأيام الستة» التي احتلت خلالها إسرائيل الأراضي العربية في فلسطين وسوريا والأردن، وبلغت قمتها عندما هدد الرئيس الفرنسي بإيقاف صفقة طائرات الميراج المتطورة التي كانت الحكومة الفرنسية وقعتها مع القيادة الإسرائيلية، إذا قررت إسرائيل الهجوم وعدم الانسحاب من الأراضي المحتلة. ونُفذ ذلك الإنذار، علماً بأن ديغول كان قد نبه وزير الخارجية الإسرائيلي إيبا ايبان في أيار/مايو 1967 بان فرنسا ستعاقب إسرائيل إذا شنت هجوماً مماثلاً واحتلت أراض عربية، ولكن إسرائيل تذرعت بان ما احتلته من الأراضي شكل ضماناً لأمنها. كما أبلغ ديغول (حسب الكاتب) الملك السعودي آنذاك فيصل بن عبد العزيز في 2 حزيران/يونيو 1967 خشيته من خطورة الوضع وإمكان قيام إسرائيل بهذه الخطوة (ص 163). وبالتالي، قرر الرئيس ديغول حظر بيع الأسلحة إلى دول الشرق الأوسط.
ومارسَ وزير خارجية فرنسا في عهد ديغول موريس كوف دي مورفيل ضغوطاً كبيرة في مجلس الأمن ونجح في اقناع ممثلي الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس بإصدار القرار الدولي 242 الذي يفرض على إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 67 ولكن المندوب البريطاني شوّش ذلك القرار وساهم في مغمغته وجعله «الانسحاب من (اراضٍ) بدلاً من (الأراضي) التي احتلتها إسرائيل آنذاك». (ص 164).
ولكن، ولسوء حظ فرنسا والعالم، تحركت الأوساط الصهيونية السياسية والفكرية والفنية والطلابية ضد ديغول في فرنسا بسبب سياساته المتوازنة والعادلة في فلسطين. ونشأت مجموعات دعمها الحزب الاشتراكي الفرنسي والأوساط الفكرية المنحازة كجان بول سارتر وسيمون دو بوفوار والجهات الإعلامية والفنية المضللة كايف مونتان وسيمون سينوريية وشخصيات سياسية واجتماعية أخرى ودَعت إلى مواجهة ديغول الذي حاول ضبط إسرائيل، وبعضهم اتهمه بالعداء للسامية (ص166 ـ 170).
هذه الدعوات، تضاف إليها معارضات نشأت داخل الحزب الحاكم، دفعت ديغول إلى التنحي عن القيادة لمصلحة حليفه جورج بومبيدو، الذي أكمل الكثير من سياساته ولكنه خفف من المواجهة مع إسرائيل وحلفائها في فرنسا.
غير ان فرنسا تحت قيادة معارضي ديغول البارزين فاليري جيسكار ديستان ومن بعده فرنسوا ميتيران اتخذت مواقف عادلة وصلبة بدورها في تأييد الحقوق الفلسطينية والعربية عندما تسلمت السلطة ولكنها لم تكن في قوة مواقف ديغول.
فقد أيد جيسكار ديستان حل الدولتين للقضية الفلسطينية، كما سمح بفتح مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس ونبه الرئيس المصري أنور السادات إزاء خطر الانبطاح أمام مواقف إسرائيل المتصلبة في اتفاقات كامب ديفيد الأولى في أواخر السبعينيات. كما أشار ديستان إلى ضرورة التحفظ على الدخول العسكري «السوري ـ الأسدي» إلى لبنان في عام 1976 من دون التعهد السوري بالخروج من البلد في مرحلة لاحقة. ولكن، منذ ذلك الحين (حسب المؤلف) بدأ الدور الفرنسي في قضايا المشرق العربي ينحسر ويضعف أمام المبادرات الأمريكية في المنطقة (ص 184).
وقد حاول الرئيس فرنسوا ميتيران ووزير خارجيته كلود شيسون المؤيد بقوة للمواقف اللبنانية والعربية والفلسطينية استعادة قوة المبادرة الفرنسية في المشرق العربي على الرغم من ان ميتيران وصل إلى الرئاسة بدعم من مؤيدي اليسار الفرنسي ومنظمات الصداقة الصهيونية ـ الفرنسية في عام 1981 (ص 187 و188) نجحا إلى حد ما في ذلك. وبالتالي، وقفَ ميتيران وقفة صلبة ضد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي نفذه وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون، وضد المجازر التي ارتكبت هناك، وبينها مجزرة صبرا وشاتيلا، علماً ان كلود شيسون أنقذ الرئيس عرفات من محاولتين لاغتياله في عامي 1982 و1983 (حسب المؤلف) ولُقب بأكثر وزير خارجية تعاطفاً مع العرب في تاريخ فرنسا الحديث، ولكنه خسر منصبه لرولان دوما في عام 1983 الذي كان بدوره متعاطفاً مع المواقف العربية ومع حل الدولتين في فلسطين. وقد استقبل الرئيس ميتيران الرئيس ياسر عرفات في باريس في عام 1989 وكأنه رئيس دولة، فيما تعهد عرفات بمواجهة ومعارضة منطق الإرهاب الأمر الذي مُهد (حسب الكاتب) لاتفاقيات أوسلو في عام 1993 (ص 190).
ويقول الكاتب ان مواقف ميتيران العربية حولت نظره إلى حدٍ ما عن لبنان، فوقعت التفجيرات لمواقع المارينز الأمريكيين والجنود الفرنسيين في 23 تشرين الأول/أكتوبر عام 1983 خلال فترة رئاسة أمين الجميّل للبنان، الذي كانت علاقته جيدة بفرنسا. كما زار ميتيران سوريا في عام 1983.
ولكن فرنسا (حسب المؤلف) لم تلعب الدور الرئيسي في عملية التوصل إلى اتفاق الطائف الذي أصبح جزءاً من دستور لبنان والذي وُقّع في السعودية في 28 تشرين الأول/أكتوبر عام 1989 والذي عارضته وتعارضه بعض الجهات المتحفظة في القيادات المسيحية اللبنانية لكونه بنظرهم قلص دور ونفوذ رئيس الجمهورية اللبنانية، الذي من المفترض أن ينتمي حسب الميثاق الوطني اللبناني، إلى الطائفة المسيحية المارونية وان يكون فاعلاً في اتخاذ القرارات.
وقد خشي بعض مسيحيي لبنان (حسب المؤلف) من ذوبان البلد العربي الوحيد الذي يقوده رئيس مسيحي في عالم عربي يشدد على الانتماء للإسلام لدى قيادات بلدانه. وهذا موضوع استخدمته قوى معارضة لرؤساء جمهورية فرنسا الذين تقاربوا كثيراً مع العالم العربي، في بعض مواقفهم (191 ـ 192).
أما بالنسبة إلى مواقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي قاد فرنسا بين عامي 1995 و2007 بالنسبة إلى العالم العربي، فكانت قريبة جداً من مواقف معلمه شارل ديغول (حسب الكاتب). وقد حاول شيراك استعادة دور فرنسا الرئيسي في المشرق العربي، واتخذ موقفاً صلباً معارضاً للغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق في عام 2003 وأيد حقوق الشعب الفلسطيني كما فعل ديغول في حرب الأيام الستة واستمر شيراك على موقفه هذا في ولايتيه الرئاسيتين كما كان مقرباً جداً من رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري الذي اغتيل عام 2005 وأدى اغتياله إلى دعم أكبر للبنان من جانب شيراك وتحفظ شديد ضد النظام السوري «الأسدي» الذي وجهت إليه التهمة باغتيال الحريري بالتعاون مع حزب الله اللبناني بسبب تناغم الحريري مع قرار الأمم المتحدة (رقم 1559) الذي يطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان. وقد زار شيراك فلسطين في عام 1996 وتحدى المواقف الإسرائيلية بالنسبة إلى ضرورة عدم المسّ بالمواقع الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس، كما تحدى السياسات الأمريكية عموماً هناك، وايد انشاء الدولة الفلسطينية (ص 202).
المشكلة في سياسات شيراك عموماً (حسب المؤلف) كانت دعمه أنظمة ديكتاتورية عربية في المنطقة، كأنظمة بن علي في تونس ومبارك في مصر وصدام حسين في العراق، والاعتقاد بان قيادات الدول العربية متقاربة في مواقفها بينما هي بالفعل يسودها الانقسام والتباعد في كثير من المواقف.
ويشبّه المؤلف بعض الرؤساء الفرنسيين الذين تسلموا الرئاسة بعد القادة الفرنسيين الكبار، على شاكلة نيكولا ساركوزي وفرنسوا اولاند، بـ«المحافظين الجدد» في أمريكا، وهم يدورون (برأيه) في الفلك الأمريكي ـ الإسرائيلي ويتجنبون القضايا العربية المحقة، بينما يحاول الرئيس ايمانويل ماكرون (حسب قول الكاتب في مقدمة الكتاب وخلاصته) تجاوز تلك المواقف.
Jean Francios Figeac : «La France el L’Orient»
Editions Passes Composes, Paris 2022
284 Pages.