هذا كتاب مذهل صادر عن دار روافد للكاتب والصحافي أنور الهواري، الذي هو من نوادر المفكرين الذين أخلصوا للصحافة والكتابة والوطن. تجربته في الصحافة محل إطراء وحب من كل من عاصروه من الأجيال المختلفة، سواء في جريدة «الأهرام الاقتصادي» أو جريدة «الوفد» أو جريدة «المصري اليوم» التي كان أول رئيس تحرير لها، وكانت طفرة رائعة في الصحافة المصرية والعربية أو غيرها.
أنور الهواري البعيد الآن عن أيّ عمل رسمي، صارت السوشيال ميديا نافذته يطل علينا منها بآراء شجاعة في كل شيء، ومقالات ينشرها في موقع «مصر 360» وأخيرا أطلّ علينا بهذا الكتاب الاستثنائي في الشجاعة والتحليل والمعلومات والرؤى، فهو لا يكتب من فراغ.
تبدأ المقالات لنرى كيف ظنت بعض الشعوب العربية قبل عشر سنوات أنها على موعد مع الديمقراطية، لكن بعضها انتقل من الديكتاتورية إلى الفوضى، أو الحرب الأهلية، أو ديكتاتوريات هشة، وبعضها إلى طبعة جديدة من الديكتاتورية المستقرة بدعوى الحفاظ على الدولة كأن ذلك يعني وأد الثورات. الحلم الديمقراطي كان أكبر من الواقع، فقد تبين أن البنية التحتية للديكتاتورية كانت أكثر قوة مما كنا نظن. يرى أن مشكلة مصر سياسية بالدرجة الأولى. مشكلة من يحكم وكيف يصل إلى الحكم، وكم يبقى فيه وكيف يمارسه، فبلادنا رغم التفاوت بين الملكية والجمهورية لا تزال تسمح للحاكم بقدر من السلطات يمكّنه من الخلود في السلطة حتى بعد أن يشيخ ويهرم، في النهاية الديمقراطية لم تحكم في بلد عربي فهي غير مسؤولة عن الوضع المأساوي لهذا العالم. الحرية المدنية هي أن يكون الحاكم ومؤسسات الحكم كافة تحت تصرف الشعب، فالشعب ليس حشودا من الرعايا، بل هو مالك الوطن، ويجب أن تشمل الحرية المدنية والاجتماعية، حرية التفكير والتعبير والإرادة والقرار والفعل المسؤول، دون وصاية من الخارج، أو من التقاليد، أو المال، أو الهيمنة الثقافية، أو محاولة صب جميع الأفراد في قالب واحد. تاريخ الإنسان هو تاريخ السعي الدؤوب لفهم السلطة وترويضها وترشيدها لتكون عامة حتى لو كانت وراثية، وتكون ممنوحة من الشعب لمن يمارسها، وليست إرثا ولا هدية من السماء. نعود إلى منطقتنا سياسيا فنعرف أن القرن العشرين لها كان للتحرر من الأوروبيين، والقرن الحالي بدأ بمحاولة التحرر من الديكتاتوريات الوطنية. أمثلة من التاريخ مثل الثورة العرابية التي كانت نصف مدنية، وثورة 1919 التي كانت مدنية، وبعدها مشينا في طريق الليبرالية رغم العثرات، حتى يصل إلى ثورة يوليو/تموز 1952 وبعدها، فحين وصل العسكريون إلى الحكم اعتبروا أنفسهم أصحاب رسالة أخلاقية لإنقاذ الوطن، يريدهم الشعب ويفوضهم حتى الحقبة العسكرية الراهنة التي قصقصت أجنحة الكلام ريشة ريشة، وحرفا حرفا حتى سكت الجميع، كبارا وصغارا ونُخبا وعواما، ومساحة مصر كلها من الأرض فلا تسمع إلا همسا لا يكاد يبين. نحن الآن في مثلث أضلاعه فرد عاجز، ومجتمع خاضع، وحُكم غصوب. صوت الحاكم هو المسموع لا صوت الشعب وليس للشعب غير السمع والطاعة.
كانت ثورة يناير/كانون الثاني طريقا جديدا، لكن جاءت 30 يونيو/حزيران فاعتمدت الاختيار الثاني، الحفاظ على الدولة القديمة وتثبيتها. كانت ثورة يناير حرية مباغتة سقطت فيها ديكتاتورية الحاكم الفرد، وكانت الحرية سائبة من كل الأنهار لكن تم تبديدها مرتين. الأولى خلال الفترة الانتقالية من يناير2011 حتى يونيو 2012 مع حكم الهواة الذين جاءوا من الميدان مباشرة دون احتراف، ومنهم الإخوان المسلمون الذين وصلوا إلى الحكم مع أن فكرهم نقيض لفكرة الدولة المصرية، ففكرة المصرية والجماعة لا تلتقيان. الثانية هو تسرع الإخوان في الكشف عن كل أوراقهم ومطامحهم، ومن هنا جاء الاضطهاد الفعال بانتخابات غير حقيقية عام 2014 ومثلها عام 2018، ثم تعديل الدستور 2019 ثم السياسة الاقتصادية القائمة على الليبرالية المتوحشة، وأخيرا العقد الاجتماعي القائم على الإملاء من طرف الحاكم والإذعان من الشعب.
نقلة رائعة مع الخديوي إسماعيل أو زيارة له بلغته كديكتاتور طموح رهنته الديون، ورهنت البلاد. كانت مشاريعه تتم في أقصر وقت، وهذا يعني قروضا أجنبية ضخمة وضرائب مرعبة وإتاوات، حتى وصلت لطريق مسدود، وتم خلعه من الحكم وحدث الاحتلال البريطاني.
لقد اعتبرت دولة يونيو الديمقراطية عدوا استراتيجيا ونسجت مفهوم الخطر على الدولة، تبريرا لأفعالها. ثورة 25 يناير مهما طال الوقت ستظل أكبر حدث مصري في القرن الواحد والعشرين، ويمكن استشراف أن القرن الواحد والعشرين هو قرن 25 يناير 2011 فهي نقطة انطلاق، كما كانت ثورة 1919 نقطة انطلاق القرن العشرين، وتنبع فكرتهما الأساسية من الإجابة على سؤاليّ ملكية مصر لمن؟ وحكم مصر لمن؟ كانت الثورة صاعقة على ملكية الحكم للبلاد. نجحت ثورة 1952 في نقل الحكم من سلالة محمد على وكبار الملاك، إلى صيغة جديدة صار فيها رؤساء الجمهورية من صفوف الجيش يحكمون حكما فرديا، لكن جاءت ثورة يناير على ذلك. نجحت الثورة في إسقاط منظومة الحكم العسكري، لكنها فشلت في أن يكون لها تنظيم محدود يقودها، وكان نجاحها في إسقاط النظام القديم أكبر من قدرتها على الاستيعاب. مع انتشار الجيش يوم 28 يناير 2011 بعد هروب البوليس صارت له نصف الثورة، ومع بيان التنحي لمبارك صارت له الثورة كاملة، فانتقلت السلطة كلها إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهكذا فُتِح الباب لحكم جديد ينتمي لثورة 23 يوليو. إجابة عن السؤال الخاطئ هل الشعب جاهز للديمقراطية، وكيف هو سؤال خادع مثل من ضاعت نقوده في شبرا، ثم راح يبحث عنها في باب اللوق. تماما مثل حديث الاحتلال أن المصريين غير جاهزين للاستقلال، يتحدث عن ثورة خافية في الحقيقة على كثير من الباحثين وهي 8 أكتوبر/تشرين الأول 1951 حين أعلنت حكومة الوفد بقيادة النحاس باشا إلغاء الاتفاقيات التي كانت تضفي الشرعية على الاحتلال، ولم تفكر في عزل الملك أو إعلان الجمهورية، إذ كان الوفد رغم إخلاصه سجين منهجه السياسي، وهو كفاح الاستبداد الملكي والفساد من الداخل، ومكافحة الاحتلال بالتفاوض، رغم أن الكفاح المسلح يفعله في منطقة القناة. ثورة 23 يوليو كانت محظوظة عن ثورتي عرابي و1919، لأنها جاءت والسلطة العثمانية في رحاب التاريخ والامتيازات الأوروبية قد ألغيت، وبريطانيا في أفول بعد الحرب العالمية الثانية. بعد التحول من الملكية إلى الجمهورية لم يختلف الأمر في تقزيم الشعوب وتعظيم الحكام، فالسلطة كاملة في يد الرئيس وما عدا ذلك وهم.
نقلة رائعة مع الخديوي إسماعيل أو زيارة له بلغته كديكتاتور طموح رهنته الديون، ورهنت البلاد. كانت مشاريعه تتم في أقصر وقت، وهذا يعني قروضا أجنبية ضخمة وضرائب مرعبة وإتاوات، حتى وصلت لطريق مسدود، وتم خلعه من الحكم وحدث الاحتلال البريطاني.
تلاشت ثورة يناير وأصبح المستقبل لمن يفكر كيف يحكم بعد أن عادت ثورة يوليو في طبعتها الجديدة بعد 30 يونيو، لكن ثورة يناير نقطة في تاريخ لن ينتهي. الإسلاميون تكشفت عقليتهم السياسية عن أنهم لا يقارنون ويفهمون تجاربهم وسقوطهم السريع بعد كل تحالف مع السلطة العسكرية منذ ،1952 فضلا عن رؤيتهم أنهم المحقون في كل أفكارهم عن دولة الخلافة، دون النظر إلى تغير الزمن. جماهيرية الإخوان قائمة على نبذ الآخر وهذا كعب أخيل في جماعتهم والتمكين شعارهم سراب، فإذا رضيت الدولة عنهم استوعبتهم، وإذا غضبت كسرت ضلوعهم ولا يتعظون. لقد رأت ثورة يناير في الدولة حائط الصد أمام الإخوان، لكن خاصمتها الدولة الجديدة وقررت تشويهها. مشكلة دولة 30 يونيو مع نفسها وليست مع ثورة يناير، وعليها أن تعلن عن مسار لتصويب مسارها، وأن تدرك أن نضال المصريين لن يتوقف حتى لو تعطل بفعل الكرباج. لقد أحسنت دولة يونيو عندما حددت غايتها بالحفاظ على الدولة المصرية وتثبيتها، لكنها اخطأت في اعتبار يناير خصما، وعزفت عن الديمقراطية، وقناعتها أن الحرية والدولة لا يلتقيان. كثير يمكن قوله عن هذا الكتاب الرائع ووراء كل مقولة هنا بحث علمي رائع لأنور الهواري، بل مذهل، خلفه معرفة عظيمة ومراجع عالمية وعربية وقراءة موضوعية للأحداث لا يكفيها المقال.
روائي مصري