يتم الاستعداد للانتخابات في ظل خلاف حاد بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة، فهل وصل الاتحاد إلى نقطة اللاعودة في علاقته برئيس الجمهورية واتجه فعلا نحو التصعيد؟
تونس ـ «القدس العربي»: تستعد تونس لانتخاباتها التشريعية المقررة يوم 17 كانون الأول/ديسمبر في أجواء مشحونة بالمشاكل في مختلف المجالات وفي ظل مقاطعة من أغلب الطيف السياسي لهذه الانتخابات التي أطلق عليها البعض تسمية «انتخابات الأمر الواقع». فرغم الهنات العديدة التي تشوبها والتي تجعلها لا تحترم المعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة بالشكل الكافي بسبب ضيق الوقت وأشياء أخرى، إلا أنها ستُجرى في موعدها بغاية خروج سريع من الوضع الاستثنائي الذي لا يمكن البقاء فيه طويلا بدون برلمان.
فصندوق النقد الدولي ربط ضمنيا صرفه للقسط الأول من القرض الذي وعد به خبراؤه تونس، بإجراء هذه الانتخابات ووجود برلمان منتخب يشرع القوانين ويفتك هذا الاختصاص من رئيس الجمهورية الذي يتولاه استثنائيا من خلال المراسيم. وبالتالي فإن إجراء هذه الانتخابات في موعدها، وعدم تأخيرها، ضرورة لا محيد عنها بالنسبة للفريق الحاكم حتى وإن كان ذلك في وقت قياسي وعلى حساب احترام المعايير الدولية وبكثير من النقائص والتجاوزات.
وتبدو الحملة الانتخابية التي انطلقت منذ أيام باهتة، حيث اقتصر فيها الأمر على بعض اللقاءات محدودة العدد وعلى توزيع المترشحين لبياناتهم الانتخابية، مع حضور ضعيف لوسائل الإعلام المحلية وذلك خلافا لما جرت عليه العادة في الانتخابات السابقة. فرغم أن الأمر كان مسرحية انتخابية يتم فيها التزوير من خلال المال الفاسد سواء الداخلي أو الخارجي والذي أكد وجوده تقرير لمحكمة المحاسبات، إلا أن التنافس كان يشتد بين الأحزاب من خلال الشعارات المرفوعة وغيرها. ويبدو أن من أسباب هذه الحملات الباهتة أن المترشحين في هذه الانتخابات، التي تم فيها إقرار نظام الاقتراع على الأفراد في دوائر صغيرة عوض نظام الاقتراع على القوائم المغلقة الذي كان سائدا في السابق، تنقصهم الإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية لإدارة حملاتهم باعتبار أن نسبة هامة منهم ترشحوا بشكل فردي ولم تدعمهم أحزاب سياسية. وبالإضافة إلى ذلك أثرت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية على الحملة لانهماك المواطنين في قضاء شؤونهم المعيشية في ظل الارتفاع الحاد وغير المسبوق للأسعار.
كما أن نسبة هامة من التونسيين لم تعد تستهويهم الانتخابات والحياة السياسية ولا يرون انها قادرة على تغيير معيشتهم نحو الأفضل بعد خيبة أمل العشرية الماضية التي كان عنوانها الرئيسي الفشل الذريع في إدارة شؤون الدولة وغياب الإنجاز الميداني. وبالتالي من المتوقع أن تشهد هذه الانتخابات عزوفا على صناديق الاقتراع يفوق حتى ما تم تسجيله في انتخابات سنة 2019 التي فاز فيها الحزب الأول بقرابة الخمسمئة ألف صوت لا غير وهو ما يبرز حجم الهوة بين الطبقة السياسية والشارع التونسي.
وفي هذا الإطار يرى الكاتب والمحلل السياسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن الانتخابات التشريعية التونسية التي ستجرى يوم 17 كانون الأول/ديسمبر يُتوقع أن تشهد نسبة عزوف صادمة وذلك بالنظر لعديد الأسباب. فهناك نسبة هامة من التونسيين، حسب محدثنا، ملت وعود السياسيين التي لا تجد طريقها إلى التطبيق وباتت تحملهم المسؤولية عن الأوضاع المتردية التي وصلت إليها البلاد والتي حولوها إلى مخابر لتجاربهم. فبعد سيطرة نظام هجين أربك الحياة السياسية خلال العشرية السابقة، أقره دستور سنة 2014 تم حسب الحاجي، إقرار نظام رئاسوي جاء به دستور سنة 2022 والذي على أساسه ستُجرى الانتخابات المقبلة.
ويضيف الكاتب السياسي التونسي قائلا: «في خضم كل ذلك ضاعت تونس وطال الدمار اقتصادها وأصبحت بلدا بلا معايير وبلا هوية سياسية تتقاذفه صراعات فوضى أرادوها خلاقة تبني ديمقراطية، فتحولت إلى خراب بسبب أخطاء حذرت من الوقوع فيها أطراف كثيرة لكن التحذيرات لم تجد آذانا صاغية سواء ممن حكموا خلال العشرية الماضية أو ممن يحكمون اليوم. جميعهم يشتركون في الاستفراد بالرأي وعدم الإصغاء إلى النصح وإلى الأصوات المعارضة وهو ما أدى إلى الإضرار بالدولة التونسية وبمكتسباتها التي عرفت بها على الدوام.
لذلك لا يعتقد رجل الشارع العادي الذي رأى ما يجعل الولدان شيبا من المجالس النيابية السابقة، أن النواب الذين سيتم اختيارهم من خلال صناديق الاقتراع في انتخابات 17 كانون الأول/ديسمبر سيكونون أفضل من نواب المجالس السابقين. كما أن البرلمان، ووفق دستور سنة 2022 سيكون محدود الصلاحيات وهو ما جعل البعض يتحدث عن إمكانية هيمنة السلطة التنفيذية عليه وهو ما ستثبت الممارسة صحته من عدمها.
ويتجسد الإحباط التونسي واليأس من الطبقة السياسية موالاة ومعارضة في الرغبة الكبيرة في الهجرة سواء الشرعية أو غير الشرعية، فأعداد طالبي الهجرة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية والخليج يفوق الوصف وكذا أعداد المغادرين في قوارب الموت باتجاه إيطاليا. فقد أضاعت تونس بوصلتها وتاهت وأصبحت تتقاذفها الأمواج من كل حدب وصوب وفقد أبناؤها الأمل وهناك من ما زال يتحدث عن انتخابات أو عن تخليصهم من قيس سعيد».
خلافات حادة
ويتم الاستعداد لهذه الانتخابات في ظل خلاف حاد بين الاتحاد العام التونسي للشغل والحكومة، حيث اعتبر أمين عام اتحاد الشغل نور الدين الطبوبي خلال إحياء الذكرى 70 لاستشهاد الزعيم الوطني والنقابي التونسي فرحات حشاد، أن الخضراء تَعيش وضعا خانقا وتدهورا على جميع الأصعدة. كما اعتبر الطبوبي في كلمته المكتوبة خلافا للعادة والمنتقاة عباراتها بدقة أن الانتخابات ستكون بلا لون وبلا طعم، وأنها وليدة دستور لم يكن تشاركيا ولا محل اجماع أو موافقة من قبل الأغلبية، كما أن هذه الانتخابات صِيغَت برأي الطبوبي على قانون مُسقَط أثبت الأيام ما تضمنه من ثغرات.
وينزعج الاتحاد على ما يبدو من تهميشه وإقصائه من المشاركة في رسم مستقبل البلد، وأيضا من مآل الأوضاع في تونس ومن المسار الذي اعتمده الرئيس قيس سعيد بصورة منفردة متجاوزا المنظمة الشغيلة التي اقترحت عليه في وقت سابق رعاية حوار وطني لكنه لم يستجب. لذلك بدت لهجة الاتحاد على لسان أمينه العام حادة هذه المرة ذكرت التونسيين بالأمين العام الأسبق للاتحاد الراحل الحبيب عاشور الذي تصادم مع نظام الرئيس بورقيبة في أحداث دموية في شهر كانون الثاني/يناير من سنة 1978 سميت أحداث الخميس الأسود.
فهل وصل الاتحاد إلى نقطة اللاعودة في علاقته برئيس الجمهورية ولم يعد هناك أي رغبة في التقارب معه واتجه فعلا نحو التصعيد مع اقتراب شهر كانون الثاني/يناير الذي يعرف في تونس بأنه شهر الاضطرابات والأحداث العنيفة والدموية؟ أم أن منظمة حشاد، كما يسميها بعض التونسيين نسبة إلى المؤسس فرحات حشاد، بصدد الضغط لإثناء ساكن قرطاج عن الاستفراد بالرأي وعن تهميش القوى الفاعلة في البلاد، وعلى رأسها المركزية النقابية؟
يبدو أن الرأي الثاني هو الأرجح حسب البعض وحجتهم في ذلك أن الطبوبي في الخطاب ذاته قد ثمن موقف رئيس الجمهورية بخصوص مسألة التفويت في المؤسسات العمومية والدعم باعتبار أن ساكن قرطاج نفى سابقا مسألة رغبة الحكومة في التفويت في المؤسسات العمومية ورفع الدعم استجابة لإملاءات صندوق النقد الدولي. لكن البعض يؤكد أن الحكومة قد لا تفوت بالكامل في المؤسسات العمومية ولكن بصورة جزئية وذلك بالشراكة مع القطاع الخاص وقد يرفع الدعم مع التعويض للمتضررين وهو القصد مما عبر عنه الرئيس بطريقته، لأنه لا يعقل أن يقبل صندوق النقد الدولي أن يمنح قروضه لمن لا يلتزم بإملاءاته.