«على رصيف العمر» رواية الفلسطيني حسن سامي يوسف: استعادات آسرة للطفولة ملتبسةٌ حول الفقر والحرب

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

لا يسع القارئ حقاً سوى الوقوف مع الكتّاب الذين وقفوا مع قضايا الإنسان، وأدانوا الأنظمة التي تنتهك حقوقه الإنسانية، وتعرّضوا للتهجير أو الاعتقال أو الموت، من قبل هذه الأنظمة؛ وليس بوسعه حقاً سوى الشكّ والاحتقار والإدانة لمواقف الكتّاب الذين وقفوا مع أنظمة الاستبداد ضد الإنسان، أو الذين زيّفوا الحقائق بتصريحاتهم وكتاباتهم الملتبَسة حول ما يحدث أمام أعينهم بحقّه دون لَبْسٍ سوى ما خلقوا بأنفسهم عامدين من لَبس. غير أن من الغبن حقاً إدانة الكتّاب الصّامتين أو الذين يكتبون عن الإنسان خارج ما يحدث من مآسٍ أمامهم، من دون أن يرتكبوا جرائم التزييف، خوفاً على أنفسهم وعائلاتهم، لكونهم يقيمون في المناطق التي تُسيطر فيها أنظمة الاستبداد وتَرتكب الجرائم والمجازر بحق المعارضين؛ ومن الغبن مطالبتَهم أن يتخذوا موقفاً خارج طاقاتهم. ويبقى الأمرُ المربك هو التعامل مع أعمالٍ أدبية تتحدث عن مرحلة الثورة أو الانتفاضة السورية وتثير الريبة برماديتها رغم نجاحات صنعها النسبية، وبالأخص حين تتحدث عن موضوع الرمادية نفسها، كما تفعل رواية «على رصيف العمر» للروائي والسيناريست الفلسطيني حسن سامي يوسف، المقيم في دمشق المسيطَر عليها من النظام وتنتشر فيها معتقلاتُه وسجونُه ومجازره، بحق المعارضين والمدنيين غير الآمنين من لصوصية وانتهاكات رجاله، بجمل محورية من مثل: «هل نستحق بؤسنا»، و«كيف تصالحت مع العار»، وضعها يوسف في تصدير روايته على الغلاف الأخير كجمل مقتطفة منها وتوجز طبيعتها وأهدافها وغاياتها: «هل نستحق بؤسنا؟/ الفقر ليس عيباً. كلام سمعناه آلاف المرات بوصفه حكمة غير قابلةٍ للطعن، أو حتى غير قابلةٍ للنقاش. لكنْ هل حقاً أن هذا الكلام صحيح؟ وإذا كان الفقر ليس عيباً كما ندعي فلماذا كان عليٌّ، كرّم الله وجهه، يريد أن يقتله لو كان رجلاً؟ وأنا أُصدّق عليّاً الحكيم، ولأنني أُصدّقه فإنني أؤمن بأن الفقر أكبر العيوب على الأرض. يكفي أنه يجعلنا نشعر بالمهانة صباح مساء. ورغم أن هذا الشعور الذي يتملّكنا مقيت جداً فإننا نعيش معه في رباط سرّي من الوئام، وفي التالي فإننا نستحق بؤسنا وقد تصالحنا مع العار. وإن كانت لا تعجبكم صيغة الجمع التي أكتب بها، فإنني لا أمانع أبداً الكتابة بصيغة المفرد المتكلّم وأقول: أنا تصالحت مع العار، وسوف أروي لكم بعد قليل كيف حدث ذلك».
وخارج التساؤل عن الفقر إن لم يكن رجلاً فعلاً، على لسان الراوي بصيغة المفرد المتكلم أمجد، وتطويرها بالدمج مع صيغته كراوٍ عليم، للتناغم مع صنع وكشف الثنائيات التي تحكمه؛ يروي يوسف عبر 31 فصلاً موضوعةً بأرقامٍ، تجربة بطله المحوري وشلّة الطفولة والمراهقة والشباب التي ترافقه في حيّهم العشوائي، مع ما يتداخل من جيران ونساء بحياة هذه الشلّة، والمصائر التي يؤول إليها الجميع وتتكثّف بين تاريخين وضعهما يوسف عناوين لفصليه الأول والأخير هما مدة تاريخ كتابة الرواية كما يبدو بين 7 يناير 2018، و27 أبريل 2019. واختار حلّ وضع أمجد في حالة الضياع بين اليأس والأمل تحت ظلال مكان هو مدينة دمشق في زمن سبع سنوات يشملها يوسف رمادياً بتسمية «سنوات الحرب»، منذ بدء الثورة السورية واقعاً خارج الرواية في آذار (مارس) 2011، بالمظاهرات السلميّة التي لا علاقة لها إلا بجَزْر النظام لها بكل أنواع الأسلحة، وحتى قراره الرحيل إلى إسبانيا بعد تحوّل هذه المدينة إلى جثة، بفعل شياطين غير محدّدين. و ذلك رغم طبيعة التوثيق الذي يلجأ إليه خلال سرد حياة أبطاله قبل هذا التاريخ منذ طفولتهم في الحي العشوائي ومصائرهم خلال السنوات السبع، حيث يقول أمجد: «الحرب انتهت/ نعم انتهت. ولكن كيف انتهت؟/ وكيف يمكن لمدينة كبيرة أن تكون بلا وقود ولا كهرباء؟/ أي سيناريو شيطاني هذا الذي حاكوه لدمشق؟/ ومن الذي حاكه؟/ من الذي كتبه؟/ من الذي صاغ فيه مشاهد البؤس هذه وتلك؟/ أي شيطان يقدر على كتابة هذا السيناريو المرعب؟».
وحيث يجد يوسف لهذه الشياطين موقعها في عرض رأي بطله أمجد المبلور بانتقام الغرب من الوليد بن عبد الملك، باني الجامع الأموي، الآمر بحملة فتح الأندلس حتى الوصول إلى فرنسا، الأمر الذي يوجه تفكير القارئ، كاستنتاجٍ، إلى تصدير أنظمة الاستبداد في تغطية مجازرها مقولة مؤامرة الغرب في صناعة ثورات الربيع العربي لتدمير أنظمة الممانعة.
ويختار يوسف حلّ توجيه خطاب بطله أمجد في منظومة سرده المركبة ثنائياً عن هذه التجربة برسائل يكتبها إلى صديقة روح اسمها سيدرا، تعيش في مصر، من دون أن ينقل، كمثالٍ، روايته إلى الواقعية السحرية في استخدام رمز «سدرة المنتهى» أو «شجرة الحياة» الأبدية، ورمزياتها لدى كتّاب الخيال العلمي. وهذا رغم تطرّقه داخل الرواية إلى رغبة بطله الأولى في أن يكون عالم فيزياء، ومعالجة الزمن علميّاً، وفتح عوالم الأحياء على عوالم الأموات وعوالم الكهول إلى عوالم الأطفال في فصول محاولة استعادة أمجد للطفل «ليفاز» الذي يسكن داخله ولا يفارقه على امتداد الرواية، ويظهر له في نهايتها واقعاً أقرب إلى ما يراه المنفصم إلى ذاتين.
في معالجة الفقر والتصالح مع العار، بولوج عوالم متشابكة يتوّجها عالم الحب الذي يشمل الرواية بمعالجة التباساته وأقنعته، يتوغّل يوسف بخبرته الروائية وإغراءات خبرته المتضادة مع هذا في كتابة سيناريو المسلسلات التلفزيونية، في الطريق الذي ينفتح صراطاً محفوفاً بمخاطر الوقوع في أحد جانبين لا يعلم القارئ أشرّهما من أخْيرهما. ليس على صعيد تسمية بدايات الثورة بالحرب، وإخفاء أسماء أطراف الحرب، ومستخدمي الطائرات والصواريخ، فيما عدا ذكر رجل البادية اللاجئ إلى أمان دمشق، القلق على مصير أسرته، مع طفله الذي يقضم سندويشة الفلافل مع الدموع، والقادم: «من مناطق داعش والأمريكان»، وذكر الصيدلي العجوز الذي ساعده في منطقة القصّاع المحاذية لمناطق المعارضة في الغوطة، والذي يموت بقذيفة هاون توحي بأنها قادمة منها فحسب. وليس على قَصْر ذكر عمليات «التعفيش» الشهيرة الخاصة بجيش النظام وميليشياته، على مجموعة لصوص يتمّ التلميح الخجول بتبعيتهم له فحسب. وليس على صعيد تركيب موت أحد أهم شخصيات الرواية التي تمنحها قوة الحبكة والتشويق، سامر، صديق أمجد الأول، وحامل أوهامه عن حب زوجته وداد له، بالموت شنقاً في المعتقل، إثر اعترافه بقتل معتقل آخر، يتضح أنه خلّصه من آلامه، في ظل تكشّف واقع مصير عشرات آلاف المعتقلين بالموت تجويعاً وتعذيباً وإنهاء للحياة بجميع أصناف القتل (خارج الرواية) فحسب. وإنما أيضاً على صعيد بلورة الشخصيات، مثل شخصية وداد التي ينصف يوسف بعرض حقّها في المساواة بطلبها ملاحقة مستقبلها مثلها مثل زوجها الرجل، غير أن عرضها كشخصية متعددة الأبعاد بما فيها أبعاد الحرية والرغبات، مقابل شخصية زوجة أمجد الثانية سلمى ذات البعد الواحد الخيّر، والمصير المختلف الذي تنتهيان إليه، مع تصوير أمجد لنفسه كضحية حبّ لوداد، رغم إيراد معالجات الندم، يخفي عن القارئ أبعاد الذكورية التي تعالَج فيها الشخصيات. ويُبقي على طيف الثواب والعقاب الذين يتعلّق بهما مشاهدو مسلسلات الدراما السورية النظامية التي تتابع على الصعيد الاجتماعي تزييف وجه دمشق وحاراتها الشعبية والمدن السورية على حساب تمجيد الريف في مجزرة ترييف المدن، وسحق الريف والمدن لمجرّد الخروج في مظاهرات احتجاج على الفقر ودوس الكرامة. وعلى الصعيد السياسي خداع مسرحيات دريد لحام والمسلسلات التي تمتصّ وعي المشاهد وتُوجِّهه إلى لوم المخابرات تحت الضوء بتعتيم من هو صانع وآمر المخابرات. كما يُبقي على تسرنم هذه الجماهير حتى الإفاقة بدقّ حوافر البرابرة أبوابَ مدنها.
وعلى رصيف العمر، خارج الجدل حول الرمادية والريبة التي طرح الروائي معالجتها بمعالجة رؤيته للفقر والعار مراهناً على كشف داخله، ولا يعرف القارئ مدى نجاحه في ذلك؛ يُنتج يوسف رواية ضخمةً واسعة الطيف يعالج فيها قصة حبّ متعددة الممرات؛ وقصة استعادةٍ آسرةٍ للطفولة بين ممرات الأحياء العشوائية التي تنمو فطراً ساماً على جوانب المدن الظالمة؛ وقصة ممارسة الكتابة ازدواجيتها بين الرواية التي تستطيع ممارسة الحرية، والمسلسلات التلفزيونية المحكومة بسياسات الأنظمة وتجارة شركات الإنتاج؛ وقصة الإدخالات الثقافية العالمية الجميلة مثل محاكاة رسم المخرج العظيم فيلليني لروماه، والإدخالات التراثية الغنية مثل أغنية فيروز التي تتخلل الرواية: «يَمّا الحلو ناسي الهوى يَمّا/ وليل الحلو طير وعبر يَمّا» كذلك إدخالات قصائد الجد العظيم المتنبي وآراء جوهر طموحه الذي كاد يقتله شاعراً لو تحقق بالولاية؛ وقصة كتابة الرواية داخل الرواية، وبعض إخفاقاتها بدخول السيناريو التجاري مقنَّعاً إلى خلاياها، بدلاً من أكسجين الحرية، حاملاً ألوان ذهب إغوائه، وفاتحاً أبواب الإخفاءات وإطالة الحوارات وتبريدها باللغة الفصحى. ثم النوسان بين كلاسيكية اللغة في بدايات الرواية، وانطلاقها الحديث عند دخولها بمعالجة الزمن وانفتاح الأكوان داخل بوتقات العلم؛ وقصة انكشاف تمظهرات وجوه الرواية ووضوح ملامحها أكثر في مستقبل أيّامها، حيث أعلن يوسف البدء بتحويل روايته إلى سيناريو مسلسل تلفزيوني يحدّد إحياءه للحرية أو قتلها رجلُ الرقابة داخل رأسه، وشركاتُ الإنتاج، ومسدساتُ أنظمة الاستبداد.

حسن سامي يوسف:
«على رصيف العمر»
ورد للنشر والتوزيع: دمشق 2020
408 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية