انطلاقا من تنوع تجربته… كيف نقرأ فقد عبدالعزيز المقالح؟

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء ـ « القدس العربي»: تتعدد وجوه الفقد الذي خلّفه رحيل الشاعر والناقد اليمني عبدالعزيز المقالح (28 نوفمبر/تشرين الثاني (1937 ـ 2022) انطلاقاً من تنوع تجربته وخصوصية تأثيرها وأثرها، وبالتالي تعدد قراءة ما يمكن أن يمثله هذا الفقد.
كيف نقرأ ونفهم طبيعة الخسارة التي خلفها رحيل عبدالعزيز المقالح؟ سؤال وجهته «القدس العربي» لعدد من الأدباء والنقاد اليمنيين… فكانت هذه الشهادات اليمنية (من أجيال مختلفة) التي بقدر ما تنعيه للعرب، تُعيد قراءته لأبناء وطنه الذين غادرهم في مرحلة حرجة من تاريخ بلادهم.

استمرارية منجزه

يقول صديقه المقرب الشاعر والمترجم محمد عبدالسلام منصور: «الفقد هو التعبير الأدق عن الخسارة التي تُلحقها بنا وفاة عزيز، أو عظيم، كما أن حضوره في ما خلّفه، عبر حياته، هو أدق تعبير عن الفائدة أو الفوائد التي سيظل ينتفع بها الناس جيلا بعد جيل؛ سيكون السؤال حينئذ ما الذي فقدناه، بعد وفاة هذا العزيز، أو العظيم، وما الذي أبقاه لنا، وللأجيال من بعدنا؟ والحقيقة، الجارحة لنا نحن اليمنيين، أننا افتقدنا، بوفاة العزيز، العظيم عبد العزير المقالح استمرارية إبداعه الشعري، وتجدد فكره التنويري، ودعواته الثورية، إلى تجاوز تخلفنا المادي والفكري، وتمزقنا العربي، وامتلاك وسائل العصر، للتحرر من احتلال الصهيونية، لفلسطين العربية، ومن هيمنة المستعمرين، على مقدرات الشعوب، وتحكمهم، في مصائرها، التي تدعونا إلى التخلص من الاستبداد السياسي، في الداخل العربي، كما افتقدنا حضور شخصه المادي، بما يمثل سلوكه اليومي، من قيم إنسانية رفيعة، وما كان يحققه من رعاية دائمة للمبدعين في مجالات الأدب والفن، والبحث، الأكاديمي، ودعواته المتواصلة للسلطة السياسية، والمجتمع اليمني إلى الاستمرار في نشر التعليم، بعد أن أسس بعمله الدؤوب في نشر التعليم الجامعي أثناء رئاسته لجامعة صنعاء.
غير أني أعلم من خلال صداقتنا، لأكثر من خمسة وستين عاما، أنه كان يدرك ما سوف تسببه، لنا هذه الحقيقة المرة، من ألم وحزن، وللداعين والعاملين مثله، من الأخوة والعرب، ومن المجتمع الإنساني بعامة؛ لذلك كان حريصا، في حياته، على أن تستبطن هذه الحقيقة المرة حقيقة ثانية ناقضة للأولى، فعمل على أن تتضمن إنجازاته العملية وإنتاجاته الإبداعية والفكرية، آليات استمرارها بعد وفاته، ومن السهل علينا إدراك أن هذه الأليات كانت، في مجال إنجازاته العملية متمثلة، في أولئك الشباب الذين رعاهم فصاروا الآن من كبار المبدعين، في جميع نواحي الأدب ومجالات الفن، وهم أولئك الدارسون، في مختلف المجالات التعليمية، الذين صاروا الآن أساتذة أكاديميين، ومدرسين في مجالات التربية والتعليم الأساسي والثانوي، أما آليات استمرار إنجازاته الإبداعية والفكرية، فتظهر لنا جلية، في جدة أشكالها وحداثة مواضيعها، ومستقبلية دعوتها. فرحم الله الفقيد الباقية معنا روحه مثالا للعمل الوطني الصادق وللسلوك الإنساني الرفيع، وما أبقاه لنا وللأجيال من إبداع وفكر وقيم أخلاقية قل مثيلها».

إشهار القيامة

فيما ربط الشاعر والناقد عبد الودود سيف، بين وفاة المقالح والحرب في بلده، قائلا: «نحن في حرب ووطننا أيضا في حرب، والبلاد في أوضاع ما بعد التقسيم. ولا نكاد نستوعب حتى الآن أكوام تقسيماتها الإسمية والفعلية. والمجاعات تخترق المتاريس، وتبدو ملونة بألوان علمنا الوطني، لا نكاد نحصيها أين وما هي. والأمراض تستعصي على الحصر. وما تم إنجازه بعسر؛ طيلة احتمائنا بعلمنا الوطني الجمهوري من مدارس وتعليم ومناهج ومعاهد وجامعات وطرق ومستشفيات؛ كله جرى تبديده. كل ما فينا خراب وكلنا حرب… فماذا نحصي وماذا نقدم وماذا نؤجل. من هذه الزاوية بكل درجاتها الصغيرة والكبيرة والسالبة والموجبة، تبدو غيوم الرؤية. هل نسأل بعد عن خسارتنا التي خلفها رحيل عبدالعزيز المقالح؟ الخسارة واقعة ومؤكدة في كل أحوالنا.. ورحيل المقالح إيذان لنا – فقط – بإشهار القيامة… وإن كنا سنبعث من هذا الركام مجددا فليكن ذلك طبيعيا من بوابة الثقافة التي ناضل المقالح تحت رايتها. الراية لم تنكس للأبد، وكلما انتكست في جيل تأبطها غيره ورفعها جيل. ويصنع رموزه وأحلامه بقدر ما استوعبه من خلق الثقافة في ذاكرته. رحم الله كل رموزنا الوطنية وإرثنا الوطني… وفي مقدمتهم الجليل عبد العزيز المقالح».

رمز للمقاومة السلمية

الكاتب والناقد عبدالباري طاهر يؤكد أن المقالح «هو أب روحي لتيار شباب الحداثة الشعرية والأدبية والثقافية، فجيل التسعينيات كان عبد العزيز المقالح بوابتهم إلى الإبداع والتجديد والحداثة، فإضافة إلى تأثير إبداعه الشعري وتجربته الحداثية، كان يأخذ بأيدي هؤلاء المبدعين الشباب… ويقوم بتقديم هذه الدواوين أو القصص أو الروايات، أو البحث النقدي، أو النص الأدبي بصورة عامة. كان هؤلاء المبدعون يجدونه الملاذ والملجأ لقراءة إبداعهم ورؤية أنفسهم في أبوته الروحية، فرحيله خسارة لهؤلاء المبدعين، وكان الضباط الأحرار الصغار يرون فيه أمل التغيير الثوري الذي شهدته اليمن يوم 26 سبتمبر/أيلول 1962، فهو من قلائل السياسيين والمثقفين اليمنيين الذين كانت لهم صلات عميقة بتنظيم الضباط الأحرار، فهو أهم دعاة الثورة والجمهورية، وفقدانه خسارة كبيرة في أشد اللحظات احتياجا لهذه المعاني الوطنية العظيمة. وخلال ثلثي القرن كان (الأستاذ) مزارا وقبلة لطلاب العلم والعرفان والتثقيف. رأس الجامعة (جامعة صنعاء) لنحو عقدين وفتح الأبواب أمام الأساتذة العرب المعانين في أوطانهم. كما فتح الأبواب أيضا أمام أبناء شعبه للتعلم والتعليم.. وكان يتفهم قضايا مجتمعه وشعبه في ظل وجوده في جامعة صنعاء ومركز الدراسات والبحوث اليمني.. كان نافذة أو بوابة كبرى لعشرات الزائرين من الأدباء والشعراء والمفكرين العرب والأجانب، وكان واجهة وقبلة لتلاقي وتلاحم الإبداع اليمني بالعربي وبمستوى معين العالم، وفقدانه خسارة لليمن وشقيقاتها العربيات وللمبدعين والثقافة والمثقفين. شكل المقالح في حياته أنموذجاً للبساطة والتواضع والنزاهة وعدم الانصياع للطغاة؛ فمثل رمزا مهما للمقاومة السلمية والاحتفاظ بقيمته وكبريائه، دون طأطأة الرأس أو الرضوخ. وتلكم قيمة إنسانية عظيمة فقدانها خسارة كبرى. موت الإنسان أي إنسان خسارة حقيقة، فما بالنا بموت شاعر عظيم وباحث وناقد وأستاذ أكاديمي، ومناضل قومي دافع عن قضايا شعبة وأمته. فسر بعض المفسرين قوله تعالى «أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها» (الآية 41 سورة الرعد) بأن نقص الأرض موت العلماء».

خسارة فادحة

الشاعرة هدى أبلان الأمينة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، اعتبرت رحيل المقالح خسارة فادحة، وقالت: «لا شك أن رحيل القامة الوطنية والإبداعية عبدالعزيز المقالح رحمه الله هو خسارة فادحة عل المستويات اليمنية والعربية والإنسانية كافة، فهو علم كبير وشاهد تاريخي على منعطفات وطنية وفكرية كان فيها الراحل شوكة ميزان ومنارة استضاءت بنورها الأجيال المختلفة، وتلمست على يديه طريقها نحو الإبداع والتألق فإنسانياً فقدنا الدفء الروحي الذي كان يبثه في كل الاتجاهات، ومع كل الناس حتى الذين يختلفون معه، فقدنا الباب الذي كان مشرعاً أمام المتعبين والمقهورين والباحثين عن ضوء يديه، وإبداعياً كان ذلك الشاعر المتمرد المؤمن بالجديد والأجد مَن خط دواوين التحولات، وكان شاهداً على عصر إبداعي متدفق بالكلمات التي بثت الحياة في وجدان الأمة اليمنية والعربية. وفقدنا الثائر الجمهوري السبتمبري الرائد الذي احتفى بالنور يعم الوطن والأمة العربية، فكان صوتاً هادراً للتحرر والنضال ضد التخلف والجهل والاستعمار، على حد سواء.. ولم يكتف بالانتصارات السياسية وإنما اتجه إلى الإنسان يعمل على بنائه وتنميته بالثقافة والإبداع والفكر، بدأب نادر وجهد خالد عزز من مكانة اليمن الطبيعي في الوجدان العربي والإنساني، واستعاد ألقه التاريخي في الذاكرة الجمعية كتأصيل إبداعي للبلد/ المهد الذي تغنى به الشعراء والقاصون والروائيون والتشكيليون والفنانون من جديد بفضل تقديم المقالح النوعي لهذا البلد العظيم. يكفي أنه الأستاذ الجامعي الذي انكب على كل التفاصيل، ومرّر قلمه يقدم مختلف الإبداعات بروح الأب وأستاذية الناقد المتحرر من عقدة التجييل ومهابة الجديد، وهو الحاضر اليومي بين أوساط الشعب يقرأونه، ويكتب في مختلف القضايا بقلم مرهف يتحسس آلامهم وأوجاعهم ويهذّب من صورة المواقع الإدارية التي تقلدها، فكان الزاهد، الذي يعطي دون أن يأخذ، ويبذل حبره ووقته لخدمة اليمن الذي لا يتكلم عنه إلا أنه بلد واحد أقوى من كل دعوات التشرذم والانحطاط.. ما هي الخسارة إن لم تكن اليوم تتجلى في قمة أوجاعها برحيل أب الأجيال اليمنية الشاعر الصوفي الذي امتلأ حضوراً بعد أن غاب، ووّدع مدينته الأثيرة صنعاء، تلك التي التصق بجدرانها حدّ التماهي وهو يبحث عن «ثغرة للنور» حتى سقط على وجه الجدار، ولم يدرْ أنه بقعة الضوء المتبقية الخالدة سيحتفظ بها اليمنيون في أحداقهم حتى الأزل».

خسارة لمشروع التحديث

أما الشاعر والكاتب محمد عبد الوهاب الشيباني، فيرى أن عبدالعزيز المقالح، «بقي طيلة نصف قرن بوابة تعريف واسعة بالأدب والثقافة اليمنية، وتحديداً منذ استقراره في القاهرة في الثلث الأخير من ستينيات القرن الماضي، والتجأ إليها بعد أن عصف الانقسام بالصف الجمهوري، الذي كان أحد المبشرين به، في القاهرة نسج علاقات متعددة ومهمة مع الطبقة الثقافية المصرية والمثقفين العرب، فكان أشبه بجسر تواصل بين مثقفي الداخل والمراكز الثقافية النشيطة في القاهرة وبيروت ودمشق.. وكان مسكنه في العاصمة المصرية محطة مهمة لكثير من المثقفين اليمنيين، الذين يوجدون فيها. حينما بدأت مجلات مثل «الحكمة» و»اليمن الجديد» و»الكلمة» بالصدور في عدن وصنعاء والحديدة في مطلع السبعينيات، كان يظهر اسم المقالح فيها بصفته مراسلاً من القاهرة، أو محرراً مقيماً فيها، وكانت رسالة الماجستير التي أنجزها عن «الأبعاد الموضوعية والفنية في الأدب اليمني المعاصر» عام 1973عنواناً مهما لهذا التفاعل التعريفي الحي. بعيد عودته إلى اليمن جعل من جامعة صنعاء التي رأسها لعقدين كاملين بين 1982 و2001 بوابة حقيقية لرسالة الثقافة والتحديث، بواسطة معارض الكتاب التي كانت تنظمها وتستقطب إليها سنوياً عشرات من دور النشر الفاعلة في بيروت والقاهرة ودمشق وغيرها، وصارت أيضاً قبلة للمثقفين والأكاديميين والعلماء العرب، الذين ساهموا بعلمهم في بناء صرحها التعليمي، وصارت الندوات الكبرى والملتقيات الشعرية العربية الفرنسية والألمانية وغيرها، التي هندس لها عنواناً بارزاً لتحول اليمن من هامش ثقافي إلى مركز نشيط بفضله.
مئات الكتب التي قام بتقديمها للأدباء والكتاب والمؤرخين والباحثين اليمنيين والعرب خلال أربعة عقود وأزيد، كانت ايضاً إسهاما واضحاً منه في مسعى تعريفي بهذه التجارب، أما المقيل الأدبي، الذي كان يرتبه أسبوعياً في مقر مركز الدراسات والبحوث اليمني – الذي رأسه لخمس وأربعين سنة – ويستضاف فيه أدباء ومثقفون ومهتمون عرب ويمنيون فهو الآخر جزء من ذاكرة هذا الحضور المؤثر في الحياة الثقافية والأدبية في اليمن. مجاميعه الشعرية التي تقترب من العشرين، وكذا كتبه النقدية والأدبية والفكرية والتاريخية، التي أحاطت بإرث اليمن الحضاري والثقافي صنعت، هي الأخرى، منه علماً بارزاً في المجتمع، وسيبقى أثره حاضراً وقوياً، لأن مدماكه كان صلباً وفي تراب هذه الأرض التي عشقها وأخلص لها. ما أريد قوله، من كل ما سبق، إن شخصاً بهذا الإنجاز الكبير والحضور البهي خلال نصف قرن وأزيد، سيشكل رحيله خسارة حقيقية لمشروع التنوير والتحديث الأدبي، وخسارة فادحة للمشروع الجمهوري الذي كان أحد أعلامه في هذا الظرف القاسي والعصيب».

الهُوية الوطنية اليمنية

فيما قال الروائي والشاعر، همدان دماج، إن رحيل المقالح…»هو رحيل أحد عظماء اليمن ليس في تاريخه الحديث فحسب بل وفي تاريخه الكبير، فما أحدثه في حياته من أثر كبير بالنهوض بالحركة الثقافية والفكرية والتعليمية في اليمن، ورفع أسم اليمن عالياً في الوطن العربي والعالم، بعد قرون من الاختفاء، هو أمرٌ لا يمكن أن تخطئه العين، وبعيداً عن القراءات المستعجلة والأحكام الانفعالية، ليس جزافاً، القول إنه ساهم مساهمة كبيرة في تشكيل الهُوية الوطنية اليمنية الحديثة، وربما يكاد يكون الشخصية الأخيرة بهذا الحجم الذي سيشهده اليمن لعقود طويلة».

الرعاية الثقافية

أما التشكيلي والناقد، صبري الحيقي، فيرى: «أن شاعر اليمن ووجهها الثقافي، كان أكثر من شاعر متميز، وأكثر من ناقد ثاقب الرؤى دقيق الفهم للناس ولإنتاجهم، إن أمثاله هم قلة نادرة. على مر التاريخ، وما يميزه إضافة إلى ذلك هو رعايته لكل النتاج الثقافي اليمني بصبر وتشجيع يترك أثرا جميلا لدى من يتولى تقديم كتبه أو الكتابة عن نتاجه الشعري أو الأدبي والنقدي.
المبدعون المتميزون أمثاله، عادة ينحصر إبداعهم على ما ينتجون، لكن الاهتمام بكل نتاج البلد من شعر ورواية ومسرح ونقد وفنون، يجعل رحيله فاجعة حقيقية لا تعوض، لكل من استنار بضوئه واستظل بظله الذي يتسع لكل الأطياف ولا يضيق بأحد، ملتزمًا بتواضعه الجميل الذي كنت استحي منه حينما أجيء إليه فيقف للسلام والتحية، فلا يأتي إليه أحد إلا ووقف له ليسلم عليه. هناك زوايا كثيرة ومتعددة لأستاذنا ووجه اليمن الثقافي والشاعر العربي الذي كانت قصيدته (العبور) في السبعينيات في مقررات كتاب النصوص في المنهج المصري فاتحته، تحتاج إلى دراسات وتأمل. إنه يمتلك مواهب متعددة منها قدرته الاستثنائية في احتواء كل الأطياف الثقافية والأدبية، وحتى السياسية، وهذه الموهبة لا أتوقع أن تتكرر لزمن لا يعلم مداه إلى الله».

خسارة كبيرة

كما يعتقد الشاعر والكاتب، محي الدين جرمة، أن «رحيل المقالح قد مثل …خسارة كبيرة بالطبع على صعيد الأدب اليمني والعربي إجمالا، فقد شكل بالفعل رافعة أدب ونقد، لتجارب يمنية وعربية من بلدان مختلفة، ولا أحد منا ينكر وقوف الشاعر الراحل عبد العزيز المقالح معنا في البدايات كتجارب صغيرة، وأزهار احتاجت الفيء والري لا القطف والذبول، كي لا يتلاشى أو يبهت أخضرارها، فقد رعانا وتعهدنا كبراعم ونبتات صغيرة قابلة للنمو والنضج في حديقته الوريفة. كتب عنا وعن نصوصنا وتجاربنا حتى قبل أن يعرفنا، أنا شخصيًا، حدث معي ذلك، كيف لا أشعر بحجم الخسارة، أنا الذي ابتهجت حين قيل لي في التسعينيات « هل قرأت ما كتب عن شعرك وعنك المقالح» ولم أكن لحظتها قد عرفت.. كتب: «يمسك الشاعر اليمني محيي الدين جرمة بزمام المفردة الشعرية وأدواته في اللغة الصورة متفردا عن غيرة، بعيدًا عن الاتكاء على أصوات الآخرين» فكيف لا ابتهج وأطبع قبلة على جبين هذا الشاعر والناقد الفذ، الذي كتب عني حتى دون أن يعرفني، فلقد كان ذلك بالطبع حافزًا لنا للانطلاق، وكان كل همه أن يقرأ النص لا الشخص حينما يجد نفسه إمام مواهب حقيقية، وبالخصوص على الطريق، رحم الله استاذنا الجميل المقالح شاعرا رائدا وانسانا فذا.
بقي الدكتور عبد العزيز المقالح موزعًا روحه المحلقة و حدوسه الرائية المرهفة ما بين هم الناس والواقع و»إرهاصاتهما» وبين هم التجربة وجمالية الشعر سمته التجديد، والريادة في مجاله، كلما حضر الشعر فالوصف تجلياته في القصد و القصيدة وملاذاتها ولغتها وكلمات سنابلها وحقولها وفضاءاتها الجارحة الجريحة. حضر في «مقيله «ومضافته نخبة الشعر والأدب من عرب وأجانب، وأجيال ومترجمين ومريدين كثر من كل بلد، وكل راغب في سجالات الأجناس والفنون، فكان كل أديب او قامة ادب لا تحط ركابا بعاصمة اليمن حتى يكون محور وجهتها الأولى على وجه الخصوص كل من عبد العزيز المقالح وعبد الله البردوني، المقالح والبردوني كأنما اختزلا وجه اليمن في اشراقته ونبوغه شماله وجنوبه».

نقطة مضيئة

فيما قال الكاتب والمترجم بشير زندال:» برأيي أننا خسرنا أهم شخصية ثقافية في تاريخ اليمن، كان المقالح نقطة مضيئة جدا في تاريخنا الثقافي، وحرفيًا كانت الثقافة قبل المقالح شيء وأصبحت شيئا أخرًا. ربما لم يكن المقالح أفضل شاعر في تاريخ اليمن، ولا أهم ناقد ولا أهم مؤرخ يمني، لكنه كان أهم شخصية ثقافية حملت على أكتافها هموم المثقفين اليمنيين لعدة أجيال. استطاع المقالح من موقعه رئيسًا لجامعة صنعاء إحضار أهم الشخصيات الثقافية في التاريخ العربي المعاصر إلى اليمن. من الشعراء محمود درويش وادونيس والبياتي والجواهري وغيرهم إلى النقاد جابر عصفور وصلاح فضل وعز الدين إسماعيل وغيرهم من النقاد. استطاع المقالح تقريب هذه الأسماء الكبيرة – وهي بحق الأسماء الأهم في الثقافة العربية – من الشعراء والنقاد والمثقفين اليمنيين. احتك شعراء اليمن ونقادهم بأهم الأسماء وتغيرت الحركة الشعرية والنقدية والثقافية في اليمن مع المقالح. كان في إمكان شعراء التسعينيات الجلوس والاقتراب جدا من محمود درويش وأدونيس في جلسات ودية جعلتهم يتعمقوا أكثر في تجربة أهم شاعرين حديثين في العالم العربي. ومثلهم كان النقاد اليمنيين باقترابهم من التجارب النقدية العربية. أغلب الشعراء والروائيين والأدباء زار المقالح وتلقى تشجيعا شخصيًا من المقالح. فقد كان المقالح أهم شخصية يحج إليها المثقف اليمني، اقترب منه المثقفون منذ السبعينيات وحتى العقد الثاني من القرن العشرين. لمدة خمسون سنة تقريبًا كان المقالح بيتا لكل المثقفين، يتلقون الدعم الكبير في عدة مجالات. ليس من السهل على مثقف يمني آخر سد الفراغ الذي أحدثه غياب المقالح».

النضال

أما الصحافي والكاتب، علي حسين الضبيبي، فيرى أن «الخسارة هي الفراغ الذي تركته هذه الشخصية الفذة سواء على صعيد الأدب والشعر، وبما يمثله من مكانة جعلته يحتل موقع الرمز على مدى عقود أو على مستوى المرجعية والاجماع الوطني التي كانت شخصية عبدالعزيز المقالح تنفرد به في هذا المضمار…فهو مناضل كبير واستاذ جامعي مرموق وشاعر وناقد وأديب وفي الوقت نفسه مؤرخ.
ارتبط اسم المقالح وصورته في اذهان غالبية أجيال ما بعد ثورة 26 سبتمبر فهو كاتب صحفي، وقبل ذلك كان إذاعيا يعد ويقدم واحدا من أشهر البرامج الاذاعية. ثم أنه لم يترك الاذاعة إذ ظل يكتب لإذاعة صنعاء ويكتب للصحف. أنا شخصياً عرفت اسم المقالح وأنا طفلًا في قرية نائية من خلال الراديو ثم قرأته وأنا طالبًا في الصفوف الأولى نقرأ قصائده عن الثورة والنضال والقصص التي كان يكتبها للمناهج لتثقيف الجيل. وعندما صعدنا إلى المدينة وجدناه رئيسا للجامعة، وبعد التخرج وجدناه في مركز الدراسات والبحوث. في تقديري أن المقالح واحدا من أبرز الشخصيات اليمنية الكبرى عبر العصور».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية