ترتبط حرفة الصيد بالعديد من الجوانب الإنسانية التي تشغل عادة مُبدعي السينما التسجيلية، وتُثير خيالهم، فحالة الصيد بتفاصيلها تبعث على التأمل وتدفع إلى التفكير في ما تنطوي علية خزائن البحار، وما تزخر به الطبيعة الربانية من مظاهر جمالية لها صلة بالمكونات البيئية. وفي السياق ذاته تُشير مساعي الإنسان الريفي البسيط في دلتا مصر إلى علاقته بالنيل كمورد رزق وشريان حياة.
لقد جمع المخرج وكاتب السيناريو علي الغزولي كل هذه المُفردات في فيلمه البديع «صيد العصاري» الذي تم إنتاجه وتصويره قبل عدة سنوات ليرصد رحلة الصيد الشاقة في المناطق المُحيطة ببحيرة المنزلة ومواطن الصيد للمُحترفين من الصيادين وأصحاب القوارب الصغيرة والمراكب ذات الكفاءة المتوسطة. ولم يكن الهدف من رحلة البحث هو حصر الثروة السمكية في المنطقة المذكورة ومعرفة حجم إنتاجها، وإنما جاءت التجربة السينمائية الغنية بمكوناتها الاستكشافية على ضفاف النيل، كملمح لحياة مُختلفة ارتبط أهلها بالمهنة التي يرتزقون منها على قدر الحاجة اليومية، وترتبط بها صناعات أخرى خفيفة ذات صلة بالصيد، كمهنة وهواية ترتقي في اهتماماتهم إلى درجة التقديس، كونها المُعادل الموضوعي للحياة الكريمة والنجاة من براثن الفقر والجوع والعوز، ذلك أن صناعات يدوية بسيطة مثل صناعة الشباك والقوارب والمجاديف والطاولات الخشبية والخيوط ومُستلزمات الصيد تنشأ وترتبط ارتباطاً شرطياً بنشاط الصيد لدى الصيادين والعُمال والباعة الجائلين وغيرها، فإذا توافر الرزق اليومي المجلوب من باطن النيل على ظهر المراكب بات الاحتياج إلى وسائل التشغيل الأخرى أمراً حتمياً.
تلك هي الزاوية الأخرى التي نظر منها الغزولي كاتباً ومُخرجاً وراصداً إلى الواقع الخاص في القرى الواقعة على ضفاف النيل أو غيرها من المناطق القريبة من سواحل البحار، فهي عامرة أيضاً بالنشاطات النوعية المُتعلقة بالصيد والعاملة على مُضاعفة المطلوب من الاحتياج الغذائي الضروري لسكان السواحل. لم يتوقف تيار الشعور المُتدفق من جانب المُتلقي نحو الصورة البينية الحياتية التي تخلقها عدسة الكاميرا عند منظور واحد أو زاوية الرؤية الضيقة لفعل الصيد فقط كعمل نمطي وروتين يومي، لكن استطاع علي الغزولي أن يحول حالة الاعتياد في واقع الصيادين إلى بانوراما فنية إبداعية، تُفصح عن دلائل التميز في خصوصية البيئة وسكانها من الكبار والصغار، فقد لفتت الصورة السينمائية النظر إلى مهارات الطفل الصغير المُنتسب لمهنة أبيه وجده رغم ارتباطه بالدراسة النظامية في إحدى المدارس الابتدائية، فهو طالب علم من الصباح الباكر وحتى مُنتصف اليوم، ثم صياد شبه مُحترف في النصف الثاني من اليوم لا ينعم بالراحة إلا في أوقات قليلة من آخر النهار.
في رحلته اليومية المُعتادة يُبحر الصبي الصغير بقاربه إلى المستوى القريب من الشاطئ ليرمي شباكه بنشاط معهود ويُطيل الصبر في انتظار عائد الثروة الآتية من رحم البحيرة، فكثرة الرزق أو قلته ليست هي ما يشغل باله، فهناك مفهوم آخر لمعنى الرزق موروث لديه وهو أن كل ما يخرج في الشباك هو الزاد المُقدر للإنسان، ولا وجه للاعتراض في ما لا يملكه من العطية الإلهية. إنها آيات القناعة تتجلى في رد الفعل التلقائي عند من فُطر على الرضا وامتلك الحكمة مُبكراً وقنع بما حصل عليه وقُدر له.
تركز الكاميرا على حركة الطفل محمد ذي الثانية عشر ربيعاً في سعيه الدؤوب على ما ينشده، ويزداد التركيز بشكل مقصود حيال مطاردته للطائر الذي يصادفه في غمرة البحث والتفقد، هذا الطير الذي يُشبه الأوز العراقي، كما يطلق عليه أهل الضاحية النائية، يتمكن الصغير الحصيف من الإمساك به بعد مجهود ويخرج به إلى الشاطئ على متن القارب وقد أوثق جناحيه ورجليه بطريقة مُجربة تنم عن خبرة احترافية عالية في التعامل مع الصيد الثمين.
ومع توالي الكادر وتنوع اللقطات الحية، يستمر موال الشجن في خلفية المشاهد الدلالية المؤثرة كمصدر من مصادر التعويض الإضافي للتفاعل والتغذية الوجدانية والروحية لزوم الشحن العاطفي وتحقيق الإشباع المطلوب برحيق الحالة الإنسانية الفريدة التي استخدمها الفيلم، وتحققت فعلياً بأبسط أدوات التعبير وطُرق العرض والتأثير. ويكتمل المعنى الرمزي والواقعي العميق لفيلم «صيد العصاري» للمخرج علي الغزولي باتساع منظور الرؤية لتشمل دواخل البيئة الريفية الساحلية، ودور المرأة المحوري في الواقع اليومي المُعاش، حيث تُشير الكاميرا عبر اللقطات الفردية القريبة إلى القُدرات الخاصة لدى ربة البيت في تنويع أشكال الطبخ والطهي للغذاء الواحد، في أطباق شهية مُتعددة توحي بها الصورة الجمالية لشكل الطعام والأواني الفخارية وطريقة الإعداد والتقديم في دلالة بليغة على مدى انسجام الصيادين البسطاء وتكيفهم مع ظروفهم وحياتهم وطبيعتهم الطيبة السمحة.
كاتب مصري