محمد أبو الغيط… كم أنت جدير بالخلود

تابعت محمد أبو الغيط منذ بدايته كاتبا وصحافيا بارعا في البحث والاستقصاء والمقالات في جريدة «الشروق» ثم «المصري اليوم» ثم عمله في قنوات مثل «الحرة» والتلفزيون العربي في لندن، بعد مغادرته مصر، وغيرهما مما كان وراء فوزه بجوائز رائعة في الصحافة الاستقصائية مثل، جائزة سمير قصير لحرية الصحافة عام 2014 وأخيرا جائزة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية في سبتمبر/كانون الأول الماضي وبينهما جوائز وتكريمات أخرى رائعة.
كتبت مرة أني لم ألتق به إلا صدفة منذ سنوات بعد ثورة يناير/كانون الثاني وسط تجمع من الكتاب، وحين سافر لم أتوقف عن متابعته. موت محمد بعيدا عن الوطن جعلني أفكر، كم من الباحثين من الكبار ومن الشباب الرائعين كُتبت عليهم الحياة خارج بلادهم مثل محمد. الشباب الذين قابلتهم أثناء الثمانية عشر يوما الذهبية من يناير 2011 وبعدها، وأعطوني الأمل، أنا الذي كنت اكتفيت بما أكتب يائسا عن كل أمل على الأرض، وأبني بيوت آمالي في فضاء من القصص والروايات. لقد ردتني كتابات هؤلاء الشباب إلى الحياة، وأكثرهم يعيش الآن في المنافي أو السجون.
لقد عرفت مصر المنفى لمفكريها وزعمائها، لكن لم يكن العدد بهذه الكثافة، ولا في كل الدنيا كما هو الآن. استمعت إلى أحاديث كثيرة عن محمد أبو الغيط من بينها، حديث بلال فضل المهاجر إلى أمريكا، وحديث لتقادم الخطيب ابن ثورة يناير الذي يعيش في ألمانيا عن محمد أبو الغيط أيضا، وعن عثوره في أرشيف المكتبات في برلين على أسماء كثيرة لمصريين تم نفيهم إلى ألمانيا إجباريا أو اختياريا، بسبب الاحتلال البريطاني. أشهرهم طبعا محمد فريد، لكنه يقول إن هناك المئات غيره. أكثرهم لم يعد وانتهى نهايات أليمة بسبب الوحدة والبعد عن الأهل والوطن، وأنه قد يكتب في ذلك، وأتمنى أن يكتب، فلا يكتمل التاريخ إلا بالضائع منه.
اتسع المنفى الآن رغم الاستقلال عن الاستعمار ليشمل أسماء كثيرة يعجز المقال عن إحصائها، ولم يعد الخروج مرتبطا بالاستعمار وهذه هي المشكلة الأكثر إيلاما. لقد سبب لي هؤلاء الشباب مثل محمد أبو الغيط مشكلة، وهي أنهم أعطوني الأمل في وطن أجمل، فصار حزني كبيرا بعد أن طال طريق الأمل. لا يخفف من ألمي إلا أن السوشيال ميديا قربت بيننا وبينهم. لقد كتب محمد أبو الغيط أنه حين رأى كهفا في فرنسا مرّت عليه مئات الألوف من السنين فكّر كيف رسم الإنسان وكتب على جدران الكهف باحثا عن الخلود، فعاد هو ليكتب بقوة معاندا المرض. تصور لو ظل محمد أبو الغيط في قوته لم يداهمه السرطان، ماذا كان سيقدم لنا وللبشرية من كتابات رائعة تتحدي الزمان؟ من هنا يأتي الحزن لنا. لكن ماذا نفعل في مرض تعجز البشرية حتى الآن عن فهمه، أو علاجه، يداهم الأطفال والشباب والكبار، مرض يبدو لي لن ينتهي رغم كثرة الحديث عن علاجات جديدة، لأن هناك اتفاقا بين عزرائيل وشركات الدواء العالمية أن يأخذ حصته من المرضى كل يوم!
لن أحكي عما رأيته من وهن الكبار ورغبتهم في الرحيل، ولا ما رأيت ممن أصابهم المرض اللعين وهم ينظرون إلى السماء فقط لتحملهم إليها. سأظل مع محمد أبو الغيط الذي كان بعمره الصغير حقا أكثر قدرة على المقاومة وعدم الاستسلام، لكن أيضا بإرادته، راح يكتب عن تجربة المرض وأبعادها والعلاجات المتاحة، وكيف جربها وما جرى من تفاصيل في استئصال معدته، وغير ذلك كثير كتبه بقوة الشاب الذي لم يوقفه المرض. كتب أيضا رسائل عظيمة إلى زوجته وعنها في محنته وقبلها وابنه الطفل ولأصحابه، وجهز كتابا للنشر أرسله لدار الشروق أصدرته منذ أسبوع هو «أنا قادم أيها الضوء». كان معترفا بالنهاية لكن أكثر قوة على مجابهتها.

محمد أبو الغيط لم يكن مجرد صحافي بارع لكن كان مبدعا في كتابته، ومهنة الإبداع رغم هذا الحديث هي لأصحابها أجمل المهن. الإبداع يساعدك أن تعبر الكثير من العقبات، لكن في لحظة يحتل الجسد مكان الروح في المقدمة فيكون الأمل هو النهاية.

يقول الكتّاب جميعا، بل يشعرون دائما، أن العمر لا يكفي ما يريده الكاتب من كتابة، لكنه قد يكفي استسلاما، أو حتى زهقا مما حولك، لكن أكثر ما يجعله يكفي هو أن يخون الجسد الروح، ويفتح لها الأبواب للخروج البطيء في ألم. في بداية حياة الكاتب يكون حلمه أن يتحقق ككاتب، لكنه يجد العالم ليس كما توقع، مهنة الكتابة والإبداع موهبة عظيمة من الله، لكن مجتمعات البشر لا تتحملها بسهولة. قد تكون في دولة شمولية لا تتركك في حالك، ويجتمع عليك فيها كهنة أو شيوخ السلطان مع السلطان الجائر، وقد ينالك من التعذيب والسجن والاعتقال الكثير من الوقت، أو ينالك القتل والإعدام، أو تختفي جثتك ولا يعرف أحد أين ذهبوا بها أو يتم نفيك أو تغادر البلاد في نفي ليس أمامك غيره نجاة. لا تعرف لماذا يفعل الديكتاتور ذلك على طول التاريخ، رغم أنه لا بد قرأ عن دول وحضارات قبله ضاعت، ولم تختف من الأحاديث عن حكامها، سيرة القتل وما ارتكبوه في حق شعوبهم، والأهم أن الدولة أو الامبراطورية كلها راحت، وتبدأ تظهر فيها متاحف للذين قتلهم الحاكم وبيوت فن وإبداع لضحاياه، وتملأ ذكرى المفكرين والكتاب والفنانين الفضاء، وربما تحاصر مقبرته التي جهزها كأفضل ما يكون يريد بها الخلود، بالضحك والسخرية.
محمد أبو الغيط لم يكن مجرد صحافي بارع لكن كان مبدعا في كتابته، ومهنة الإبداع رغم هذا الحديث هي لأصحابها أجمل المهن. الإبداع يساعدك أن تعبر الكثير من العقبات، لكن في لحظة يحتل الجسد مكان الروح في المقدمة فيكون الأمل هو النهاية. لكن محمد أبو الغيط الذي لم يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره تحدي هذه النهاية. مؤكد فاجأه المرض القاتل في مرحلة خطيرة من تقدمه، بحيث يتعذر العلاج، لكنه أصرّ على العلاج وأصر على الكتابة، لم يستسلم وأصر على النشر بأسرع وقت لإدراكه حتمية الصعود إلى النهار.. إلى الضوء.. هكذا عبّر المصريون القدماء عن يوم الحساب فهو خروج إلى نهار وما الحياة إلا ظلام. هو اليقظة وما الحياة إلا نوم. مؤكد كان محمد يشعر بالحزن على نفسه وأحلامه، لكنه أخفاها في قوة وراح يحدثنا عن الأمل. نسيان النهاية قوة للبقاء، لكن المرض اللعين لا يتيحها، لو كان محمد متقدما في العمر ما أسرع في الكتابة، ربما لم يفعل أكثر من إرسال ما لم ينشره بعد وسيكون قليلا، في كتاب للناشر أو يوصى بذلك، سيكون قد جمع أبحاثه الصحافية ومقالاته وكتب كتبا عديدة نشرها وملأ برامج التلفزيونات وأجرى مئات البود كاستات، ولا يحتاج إلى مزيد. سيتمني فقط أن يخرج إلى النهار بلا آلام. سيكون قد حقق الخلود الذي تمنى أن يحققه قبل الصعود إلى النهار.
ويظل سؤال الدنيا هل لا بد من أن يسبق الرحيل مرض، لكن هذا سؤال العواجيز الذين يرون في الرحيل حلا وحيدا للمرض، وقد تقدمت بهم الحياة حتى زهدوا فيها. أما حين يتحقق في الشباب فهو الألم ذاته يمشي على قدمين في كل البلاد. ألف رحمة لمحمد أبو الغيط الذي غَرّد مبكرا في سماء الوطن فأحبته الأقدار أكثر من وطنه وأرسلت إليه من يسرع في رحيله إليها، لكنه رغم ذلك لم ينسَ أن يترك لنا فضاء من الذهب في كتاباته عن محنته المرضية، وقبلها عن محنة البشر السياسية في كل الدنيا. والآن عشرات المقالات والفيديوهات عن محمد أبو الغيط تضيف إلى سعيه للخلود الذي لم يمهله المرض ليكتب فيه الكثير. تضيف خلودا كان جديرا بعقل وروح امتلكهما أن يحققانه على مهل رغم قسوة الاغتراب. ما يُكتب أو يُقال الآن عن محمد أبو الغيط ليس مجرد مراثي عابرة، لكنه يقين بأنه جدير بكل خلود في الحياة بعد رحيله.

روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية