مايكل شيريدان في «بوابة الصين»: هونغ كونغ كانت نافذة الصين المشرقة على العالم والقيادة الصينية الحالية أغلقتها

سمير ناصيف
حجم الخط
0

تتزايد في الفترة الأخيرة الكتب والمقالات المنددة بالصين وروسيا الصادرة عن دور النشر ومراكز الإعلام الغربية وخصوصاً على إثر المواجهة العسكرية الروسية ـ الأوكرانية واتخاذ الصين موقفاً حوارياً مع الروس. ويتم توجيه هذا التنديد في معظمه ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني زي جينبينغ، من مؤسسات أمريكية وبريطانية مؤيدة للغرب.
ومن هذه الكتب كتاب «بوابة الصين: التاريخ الجديد لجمهورية هونغ كونغ الشعبية» للصحافي والكاتب البريطاني مايكل شيريدان، المراسل السابق لصحيفة «الصنداي تايمز» في الصين لحوالي عشرين عاماً شملت إعادة هونغ كونغ إلى السلطة الصينية عام 1997 والمواجهات الشعبية بين سكان ما يسميه (بوابة الصين) مع السلطة الصينية والسياسيين في هونغ كونغ التابعين لها، علماً ان شيريدان عمل سابقاً في وكالة «رويترز» وغطى قضايا الشرق الأوسط وآسيا في صحف أخرى أيضاً.
المقاربة الأساسية لهذا الكتاب هي انه عندما بدأت الصين الشعبية باعتماد سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم، انتعش اقتصاد هونغ كونغ وخصوصاً كموقع أساسي للتجارة مع العالم الحر وازداد عدد المصانع فيها وأصبحت الواجهة الناجحة للصين في العالم ونافذتها المشرقة.
وطالما بقيت هونغ كونغ غير ملتزمة مواقف معارضة لممارسات الصين الشعبية السياسية ظل الوضع جيداً فيها، ولكن عندما وقف الشعب الهونغ كونغي في عام 1989 ضد القمع الذي مارسته سلطة بيجينغ وارتكبت مجزرة تيانامين سكوير تأزمت العلاقة بين الجانبين.
ولدى تسليم بريطانيا هونغ كونغ إلى السلطة الصينية في بيجينغ عام 1997 استمرت التحركات الشعبية والتظاهرات المناهضة للمواقف الصينية الرسمية. وقد احتل عدد من قادة الحزب الشيوعي الصيني منصب القيادة الأعلى في بيجينغ من دون ان ينجح أي منهم في ضبط التحركات الشعبية في هونغ كونغ إلى ان تسلّم الأمانة العامة للحزب الشيوعي الصيني في عام 2013 زي جينبينغ، (الزعيم الحالي) حيث صعّد عنف السلطة ضد المتظاهرين في هونغ كونغ، من خلال أعوانه هناك، ما بين عامي 2014 و2019. كما فرضت السلطة الصينية في بيجينغ قانون أمن قومي عام 2020 أدى إلى توقيف وسجن قادة التظاهرات الشعبية عموماً وأتاح المجال للسلطات الأمنية الصينية التدخل في كل شاردة وواردة في هونغ كونغ حتى في ما يتم تعليمه للتلامذة في المدارس والجامعات.
ويقول الكاتب ان كريس باتين، آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ، حاول تسليم المنطقة في عام 1997 للصين مع الاحتفاظ ببعض الممارسات والوسائل الديمقراطية، التي كان الشعب هناك معتاداً عليها، ولكنه فشل في ذلك برغم حسن نيته. وسبب الفشل ان القرارات بشأن هونغ كونغ «اتخذتها شلة من السياسيين والعسكريين الصينيين المتشددين والمعتادين على المؤامرات والخداع فكانوا يتفقون على شيء وينفذون غيره». وقد تجاوزوا اتفاقيتين عقدوهما مع بريطانيا بين عامي 1977 و1997 بشأن هونغ كونغ مع رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت ثاتشر والتي حاولت تحقيق خروج بريطاني مشرّف من هناك، حسب المؤلف.
وكانت بريطانيا تتوقع ان تصبح الصين الشعبية في نصف القرن التالي لتوقيع اتفاقياتها مع الزعيم الصيني دينغ زياوبينغ دولة أكثر ديمقراطية وليبرالية وأن هونغ كونغ قد تقود هذا التوجه، ولكن الرواية انتهت عكس ذلك. فقد عاش سكان هونغ كونغ في ظل حرية محدودة ولكن من دون ديمقراطية فعلية (ص 401) وأدى ذلك إلى سيطرة صينية شبه تامة على هونغ كونغ كما هددت في أكثر من مناسبة بانها مصممة على فعله إذا لم تنفّذ مشيئتها.
ويعتبر الكاتب ان ثاتشر وقعت في حيرة وارتباك إزاء إعطاء شعب هونغ كونغ المزيد من الحقوق قبل الانسحاب خشية من اغتصاب السلطة الصينية وتجاوز الاتفاقيات معها. ولكن ذلك ساهم في خروج بريطاني مبتور وغير واضح من هونغ كونغ استغلته الصين وصارت منذ عام 1997 تتلاعب بقيادات شبه الجزيرة وتوجههم حسب إرادتها. والمشكلة (كالعادة) كمنت في محاولة بريطانيا الاحتفاظ بمكتسباتها المادية في هونغ كونغ التي ربما لن تكون مؤمّنة في حالة خرجت وهي على خلاف مع الصين. (ص 403).
وقد حاول كريس باتين تأمين ضمانات لسكان هونغ كونغ قبل الانسحاب البريطاني عام 1997 كتزويدهم بجوازات سفر بريطانية أو بحق طلب مثل هذه الجوازات ولكن تواجدت عراقيل في هذا المجال آنذاك.
ويقول الكاتب إن الصين الرسمية نفذّت ما ورد في اتفاقيات دينغ زياوبينغ مع بريطانيا ولكن التراجع الفعلي حصل عندما تسلّم الزعيم الحالي زي جينبينغ السلطة.
ويحذر المؤلف في هذا الكتاب من ان أي انسحاب لدولة كبرى من منطقة كانت تحت نفوذها يجب ان يتم بحذر، وان ما حدث في هونغ كونغ يجب ان يشكل درساً كي لا يتكرر في أماكن أخرى.
ولا يلقي الكاتب باللوم على الحزب الشيوعي الصيني وحده، بل يقول ان هذا الخطأ يشارك فيه رجال الأعمال والقادة الأجانب الذين تعاملوا مع الصين وكأنها أصبحت دولة ديمقراطية ليبرالية، فالصين كانت (برأي الكاتب) دولة ديكتاتورية وستبقى كذلك (ص 404 و405) والوسيلة الأفضل للتعامل معها هي استمرار ممارسة الضغط الاقتصادي ضدها من أجل ان تتبدل سياساتها الديكتاتورية.
ويقول المؤلف في مكان آخر من الكتاب ان الزعيم الصيني الحالي زي جينبينغ، وبعدما تأكد بان علاقته مع العالم الخارجي مستقرة، وسع الأجهزة الأمنية وطور دورها في البلد وسنّ قوانين تسهل هذه المهمة. ففي عام 2014 انشأ «مفوضية للأمن القومي، التي يمكن اعتبارها حجر الزاوية في الدولة البوليسية الصينية الأمنية ومارست هذه المفوضية مهماتها الأمنية بسرية في الصين وفي هونغ كونغ». وبعد ذلك، تم إصدار قانون للاستخبارات القومية ولمكافحة الجاسوسية والإرهاب عموماً والإرهاب (السيبراني) أيضاً. وبالتالي أصبح جهاز الأمن الصيني لديه الآن الحق بممارسة سائر أنواع التجسس على أرضه وخارجها. وفي مرحلة تالية أزال زي جينبينغ أي قيود زمنية على استمراره في زعامة بلده فاتحاً المجال أمام نفسه للبقاء في موقعه الأول طالما بقي على قيد الحياة وبالتالي خلق «هالة من التركيز الشخصي حول دوره كزعيم، وهذا أمر كان دينغ زياوبينغ يعارضه ويفضل القيادة الصينية الجماعية للبلد» (ص 378).
ويعتبر المؤلف ان صداقة زي جينبينغ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «تشبه صداقة زعماء المافيا في أماكن مختلفة من العالم، فالزعيمان ينسقان لاكتساب المشاريع الضخمة في المرافئ والطرقات وسكك الحديد في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا» (ص 379).
كما يعمل الزعيم الصيني على دعم نظام كوريا الشمالية (حسب المؤلف) الذي يشكل خطراً على العالم بسبب امتلاكه الأسلحة النووية التي قد يستخدمها. وقد حاولت القيادة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وتحاول حالياً في عهد الرئيس جو بايدن، معالجة العلاقة الأمريكية ـ الصينية، وقامت إدارة ترامب بمبادرات نحو كوريا الشمالية ولكن من دون تحقيق النتائج، حسب قوله. وبالتالي، «لم تعد قضية هونغ كونغ قضية جانبية بل أصبحت في قلب الصراع في الحرب الباردة بين الصين والولايات المتحدة إلى جانب قضايا تايوان وقضايا آسيوية أخرى (ص 379 و380).
والجدير بالذكر ان المؤلف أجرى بعض أبحاثه في بيجينغ وفي هونغ كونغ وكتب كتابه في أوروبا وبريطانيا وراجع وثائق الأمم المتحدة خصوصاً في جنيف وأوراقاً خاصة في جامعة كيمبردج البريطانية.
من الواضح ان هذا الكتاب، برغم ان مؤلفه بذل مجهوداً كبيراً في جمع المعلومات الواردة فيه، فإنه يختار في تحليلاته ما يتناسب مع مقاربته المعارضة للصين. فالعالم الغربي عموماً (برأي شيريدان) ما كان يجب ان يتعهد بالخروج من هونغ كونغ وان يترك شعبها فريسة لتعهدات قادة الحزب الشيوعي الصيني التي نفذوها لفترة ثم تراجعوا عنها عندما أتت قيادة أكثر ديكتاتورية وتسلمت السلطة في بيجينغ.
لكن السؤال يبقى إذا كانت جهات خارجية تدخلت وحرضت على التظاهرات في هونغ كونغ ضد السلطة الصينية أو ان هذه التظاهرات كانت عفوية مئة في المئة؟
ولعل ما حدث في أفغانستان في العقود الماضية قد يُلقي الضوء على ما يحدث حالياً والذي يسميه الكاتب الأمريكي الراحل مايلز كوبلاند «لعبة الأمم». وهذا الأمر قد يفسر الأمور من منطلق آخر. فبعد خسارة أمريكا وحلفائها حرب فيتنام قرر مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك زبيغنيو بريجنسكي ان وضع الاتحاد السوفييتي المستقر بالنسبة لعلاقته بالنظام الأفغاني المتحالف معه يجب تغييره لمصلحة المعسكر الغربي. فبدأت التحركات الشعبية «الإسلاموية» ضده والتي أوصلت إلى خروج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان وسقوط النظام في موسكو وانهيار الشيوعية السوفييتية.
وبنظر بعض الخبراء قد يرتبط استهداف النظامين الصيني والروسي الحاليين بانطلاق الحراكات والتظاهرات الشعبية ضدهما أما بداخلهما أو في دول محيطة بهما أو متحالفة معهما لأهداف سياسية شبيهة بما حدث في الماضي.
إذن، فهذه الحملة الفكرية والإعلامية التي قد تبلغ درجات قصوى في بعض المراحل ثم تخمد بعدما تحدث التظاهرات والحراكات الشعبية ربما تكون عفوية، وربما تشير إلى انطلاق حرب باردة جديدة أسبابها اقتصادية وسياسية وبالتالي، فإن أنظمة شبه ديكتاتورية عندما تتواجه مع مثل هذه التحركات الشعبية قد تصبح أكثر ديكتاتورية وصرامة في تعاملها مع شعبها وجيرانها ما يهدد أمنها وأمن العالم. وهذا الأمر طبعاً لا يبرر القمع والقتل والاختطاف خصوصاً للطلاب والأجيال الجديدة عندما تمارس حقها بالتظاهر والتعبير عن مواقفها بحرية.
بيد ان قول الكاتب ان أمريكا ومن خلال نظام ترامب، حاولت الانفتاح على الصين من خلال زيارات قادتها إلى كوريا الشمالية وأن هذه المبادرات فُشلت بسبب عدم التجاوب معها قد يُفهم بان قيادة ترامب ومايك بومبيو وأعوانهما هي التي كانت تسعى إلى السلام بعكس خصومها.
وفي مقدمة الكتاب، يشكر المؤلف إدارة جامعة كيمبردج البريطانية لانها أتاحت إليه الاطلاع على الأوراق الخاصة لمارغريت ثاتشر والتي يصفها بالثروة بالنسبة إلى المعلومات الواردة فيها والتي قادته إلى التأكيد بان ثاتشر لم تكن بالفعل تريد التخلي عن هونغ كونغ ولكنها اضطرت إلى اتخاذ مثل هذه الخطوة على مضض في عام 1997.
Michael Sheridan:
«The Gate to China»
William Collins, London 2021
456 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية