القاهرة ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن إعادة بلاده إلى التأثير في أفريقيا، بعدما اتخذت معظم دول القارة السمراء موقفا محايدا من الخلاف الأمريكي الروسي بشأن أوكرانيا، حمل كل رئيس أفريقي عدة مطالب وأهداف في حقيبته خلال توجهه إلى القمة الأمريكية الأفريقية التي استضافتها العاصمة واشنطن على مدار ثلاثة أيام الأسبوع الماضي.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي توجه وفي جعبته ملفات عدة بينها سد النهضة الإثيوبي الذي يمثل تحديا لبلاده التي تعتمد بشكل أساسي على نهر النيل في توفير احتياجاتها المائية، وبحثا عن دعم أمريكي لمصر في الأزمة الاقتصادية التي تشهدها، وبحثا عن مزيد من التدفقات الاستثمارية لمصر، إضافة إلى التأكيد على دور مصر الإقليمي خاصة فيما يتعلق بملف القضية الفلسطينية.
سد النهضة
مثل سد النهضة الإثيوبي أحد أبرز الملفات التي سعى السيسي لإثارتها خلال زيارته إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، بحثا عن دعم يجبر أديس أبابا للعودة لطاولة المفاوضات.
طرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ملف سد النهضة الإثيوبي مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن.
وأكد الرئيس المصري للوزير الأمريكي أن «هذه مسألة حيوية ووجودية للغاية بالنسبة لنا. ونشكر الولايات المتحدة على دعمها واهتمامها». مضيفا أن «التوصّل إلى اتفاق ملزم قانوناً يمكن أن يحقّق شيئًا جيدًا وفقًا للمعايير والأعراف الدولية. ولا نطلب أيّ شيء آخر غير ذلك». وتابع «نحتاج إلى دعمكم في هذا الشأن».
من جانبها، أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان عقب الاجتماع، أن بلينكن «شدد على أهمية التوصّل إلى تسوية دبلوماسية تحمي مصالح جميع الأطراف».
وقفت المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن قواعد ملء وتشغيل السد منذ عام، عندما شرعت إثيوبيا بشكل أحادي في الملء الثاني لخزان السد، وانسحاب مصر والسودان من المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي. وتصاعدت حدة التوترات بين الدول الثلاث عقب ذلك بشكل أكبر عندما أكملت إثيوبيا الملء الثالث للسد في أب/اغسطس الماضي.
ملف الحريات
ملف الحريات وحقوق الإنسان، أثاره وزير الخارجية الأمريكي خلال اللقاء، وأشار إلى إفراج مصر عن معتقلين سياسيين مؤخرا وشجّع على إحراز مزيد من التقدم في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
التعاون العسكري بين مصر وأمريكا، ملف آخر كان على طاولة مناقشات السيسي مع المسؤولين الأمريكيين.
وأكد السيسي خلال لقاء وزير الدفاع الأمريكي، على حرص مصر على دعم شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، خاصة ما يتعلق بالشق العسكري، وكذلك على الصعيد الأمنى خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة والعالم.
وحسب بيان للرئاسة المصرية: تم التوافق خلال اللقاء على الاستمرار في تعزيز العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة باعتبارها صلب الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتدعم مسؤوليتهما وجهودهما المشتركة تجاه استعادة الأمن والاستقرار بالشرق الأوسط.
ويمثل ملف المعونة الأمريكية لمصر خاصة العسكرية، أحد الملفات الرئيسية بين البلدين، خاصة مع مطالبات منظمات حقوقية للإدارة الأمريكية باستخدام المعونة في الضغط على مصر لاتخاذ خطوات لعلاج أزمات حقوق الإنسان.
وكانت الخارجية الأمريكية سبق وأعلنت أن إدارة الرئيس جو بايدن ستحجب 130 مليون دولار من المعونة العسكرية لمصر إلى أن تتخذ القاهرة خطوات محددة تتعلق بحقوق الإنسان.
وقال مسؤول في الخارجية إن أبرز الشروط التي وضعتها إدارة بايدن للإفراج عن باقي المعونة، يتعلق بإنهاء القضية 173 الخاصة بمحاكمة نشطاء منظمات المجتمع المدني وإسقاط الاتهامات عنهم، وإخلاء سبيل 16 شخصا حددتهم الولايات المتحدة في اجتماعات مع الحكومة المصرية في حزيران/يونيو الماضي، من دون تقديم مزيد من التفاصيل. وكان هناك استثناء في الماضي للإفراج عن 300 مليون دولار من التمويل العسكري الخارجي لحكومة السيسي على أساس أن ذلك يصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي.
عبء الديون
ملف الأزمة الاقتصادية كان حاضرا، حيث سعى السيسي إلى جذب استثمارات أجنبية لبلاده، إضافة إلى تخفيف أعباء الديون.
وقال السيسي، خلال جلسة تعزيز الأمن الغذائي وتعزيز النظم الغذائية بالقمة الأفريقية الأمريكية: أدعو الولايات المتحدة إلى استثمار ثقلها الاقتصادي للقيام بتعزيز آليات الاستجابة لأزمة الغذاء، لاسيما التحالف العالمي للأمن الغذائي التابع لمجموعة السبع، ومجموعة الاستجابة للأزمات العالمية حول الغذاء والطاقة والتمويل التابعة للأمم المُتحدة.
كما طالب السيسي بتخفيف أعباء الديون عن الدول الأكثر تضررًا، إذ وصلت معدلات ديون الدول النامية لمستويات خطيرة جاوزت 250 في المئة من إيراداتها، ويتطلب الأمر إجراءات عاجلة ومنها إعفاء الدول النامية من نسب مُقدرة من ديونها، واستمرار تفعيل مبادرة مجموعة العشرين لتعليق الديون، بجانب صياغة آليات لتحويل الديون إلى استثمارات.
وأكد أن على المؤسسات التمويلية الدولية مسؤولية تجاه تيسير حصول الدول النامية على تمويل مستدام، وتيسير شروط الإقراض لتتلاءم مع طبيعة اقتصاداتنا، وصياغة برامج طارئة لتحفيز النمو وخلق شبكة ضمان اجتماعي للحفاظ على التماسك المجتمعي لدولنا.
وزاد السيسي: الإحصاءات الدولية تضعنا أمام مسؤولياتنا دائمًا، إذ تشير إلى زيادة عدد من يعانون من ضعف الأمن الغذائي حول العالم إلى 800 مليون شخص عام 2022 بزيادة 150 مليون عن عام 2019.
وتسعى مصر للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي، بقيمة 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى مليار دولار آخر من مؤسسة تابعة للصندوق، و5 مليارات دولار من شركاء دوليين وإقليمين. وكان صندوق النقد الدولي أعلن يوم 27 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء على برنامج للإصلاح الاقتصادي مدته 46 شهرا يتضمن حصول مصر على قرض بقيمة 3 مليارات دولار، بجانب تدبير 6 مليارات دولار، منها مليار دولار من صندوق الاستدامة التابع للصندوق، و5 مليارات دولار من شركاء دوليين وإقليميين.
البحث عن استثمارات
وشارك السيسي في واشنطن في مأدبة العشاء التي أقامتها غرفة التجارة الأمريكية، بمناسبة مرور 100 عام على تأسيس العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، وبحضور سوزان كلارك الرئيس التنفيذي للغرفة التجارية الأمريكية، وجون كريستمان رئيس مجلس الأعمال المصري الأمريكي، بالإضافة إلى رؤساء ومديري العديد من كبري الشركات الأمريكية.
وصرح المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إن العشاء شهد حوارًا مفتوحًا مع ممثلي قطاع الأعمال الأمريكي الحاضرين، والذين أبدوا اهتمامًا بالعمل في مصر أو التوسع في مشروعاتهم القائمة.
وأوضح متحدث الرئاسة، أن السيسي أكد حرص مصر على التواصل المستمر مع المستثمرين للتعرف على المشاكل والمعوقات التي تواجههم، والعمل على حلها وتذليل كافة العقبات أمامهم، معربًا عن تقديره للدور الذي تقوم به غرفة التجارة الأمريكية ومجلس الأعمال المصري الأمريكي، في دعم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر والولايات المتحدة، مؤكدًا أهمية دور القطاع الخاص في هذا الإطار كقاطرة للنمو من خلال زيادة الاستثمارات ونقل المعرفة والخبرات بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
واستقبل السيسي، في مقر إقامة إقامته في واشنطن، عدداً من قادة المنظمات اليهودية الأمريكية، على هامش مشاركته في القمة الأمريكية الأفريقية، في واشنطن.
القضية الفلسطينية
وصرح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن اللقاء شهد التوافق والتأكيد على عمق العلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، مع التأكيد على أهمية تكثيف التعاون والتنسيق بين البلدين الصديقين تجاه مختلف الموضوعات والملفات الدولية.
وفيما يتعلق بقضايا المنطقة، أكد السيسي لقادة المنظمات اليهودية الأمريكية أن «حل القضية الفلسطينية سيمثل خطوة عملاقة في تاريخ المنطقة ويغير تماماً من واقعها المتأزم، لتبدأ مرحلة جديدة من السلام والتعاون والتنمية والتعايش السلمي» وأن «مصر ستظل داعمة لأي جهد مخلص يضمن التوصل لحل عادل ودائم للقضية الفلسطينية استناداً إلى قرارات ومرجعيات الشرعية الدولية وحل الدولتين على نحو يضمن الحقوق الأصيلة للشعب الفلسطين».
وحسب المتحدث أعرب قادة المنظمات اليهودية الأمريكية عن تقديرهم البالغ لجهود مصر بقيادة السيسي نحو إرساء مبادئ السلام والتهدئة في المنطقة، ونشر روح التعاون ومكافحة الفكر المتطرف وخطاب الكراهية، والإرهاب، وتبني قضايا التنمية.