منذ تأسيس منصة التواصل الاجتماعي الأمريكية تويتر في آذار (مارس) 2006 وانطلاقتها الفعلية في شهر تموز (يوليو) من العام ذاته، صدرت عشرات المؤلفات التي تتناول مختلف جوانب هذا الموقع الحيوي والحساس؛ خاصة بعد سنة 2012 حين تجاوز عدد مستخدميه رقم الـ100 مليون، ينشرون أكثر من 340 مليون تدوينة (تغريدة)، وتجاوزت خدمة استعلامات البحث مقدار 1.6 مليار مادة في اليوم الواحد. غير أن كتاب جين برغيس ونانسي ن. بايم، الذي صدر مؤخراً بعنوان «سيرة تويتر» ويسعى إلى رصد حياة المنصة، يأتي في توقيت حاسم لجهة مصير وسيلة التواصل الاجتماعي هذه: بين الخضوع لمالكها الجديد إيلون ماسك الذي استحوذ عليها مقابل 44 مليار دولار أمريكي، ولكن سياساته المستقبلية لا تحظى بقبول كافٍ لدى المستخدمين، وبين مواصلة النهج ذاته الذي أبقى المنصة في الصدارة وجعلها غير بعيدة عن أن تكون الأهمّ بالمقارنة مع سواها. وبات من المألوف اقتباس مؤشر حاسم على سطوة تويتر، وذلك اعتماداً على 40 مليون تغريدة نُشرت حتى العاشرة مساء بالتوقيت الأمريكي الشرقي، ليلة الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2018.
للمؤلفتين باع طويل في مناقشة مسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت والأنظمة المعلوماتية بصفة عامة، إذْ تعمل بايم كبيرة باحثات لدى ميكروسوفت في كامبرج وسبق لها أن أصدرت خمسة كتب في هذه المواضيع، بينما تعمل برغيس أستاذة للمعلوماتية ومديرة مركز الأبحاث الرقمية في جامعة كوينزلاند الأسترالية. وفصول الكتاب الثلاثة تتوزّع على مكوّنات تويتر الثلاثة بدورها: الانضمام إلى المنصة واستخدامها تحت العلامة الشهيرة @، وتبادل التدوينات والروابط والمعلومات طبقاً للعلامة الثانية الشهيرة # المعروفة باسم «هاشتاغ»، ثمّ إعادة أو تبادل التغريدات التي يُرمز له بالمختصر RT. وقبل هذه الفصول الثلاثة، في مقدمة الكتاب، تتوقف المؤلفتان عند مزيد من الإحصائيات التي تؤكد المكانة الرفيعة التي تحظى بها المنصة: في سنة 2016، حين بلغت تويتر سنّ العاشرة، كانت تزعم امتلاك 313 مليون مستخدم نشط، 83% منهم يستخدمون المنصة عبر أجهزة ذكية محمولة، بواقع 3860 موظفة وموظفاً، وأكثر من 35 مكتباً على امتداد العالم، ونسبة 79% من الحسابات غير الأمريكية، تدعمهم 40 لغة مختلفة، ونحو مليار زيارة شهرياً إلى مواقع تحتضنها تويتر.
ومن اللافت أن انطلاقة تويتر الأولى، بمبادرة من رباعي التأسيس جاك دورسي ونوا غلاس وبيز ستون وإيفان وليامز، لم تكن تستهدف أكثر من خدمة خفيفة لإعلام الأصدقاء حول أماكن التواجد وبعض المعلومات السريعة والأفكار العابرة والأنشطة اليومية، وبالتالي كانت الأغراض الجوهرية شخصية وتبادلية أكثر مما هي سياسية أو اقتصادية أو فكرية أو تجارية، وكان الموقع (الذي حمل اسم twttr.com) يقوم على تحديثات من كل المشتركين، وعبر الرسائل النصية غالباً وليس التدوين المباشر، بينما كان الحدّ الأقصى للنصّ (ما لا يتجاوز 160 حرفاً أو رمزاً أو فراغاً) بمثابة ضمانة أولى على الطابع «البرقي» الوجيز للإبلاغات. وعند تجربة تطبيق أولى، خلال مؤتمر واحتفال موسيقي في آذار (مارس) 2007، فوجئ مؤسسو المنصة أنّ 20 إلى 60 ألف رسالة جرى تبادلها، الأمر الذي أعطى إشارة قوية مبكرة على أن وسيلة التواصل الاجتماعي هذه سوف يكون لها شأن عظيم، وغير مسبوق ربما.
وعند انتصاف العام 2007 أخذت المنصة تسترعي انتباه سياسيين من أمثال باراك أوباما، ووسائل إعلام واسعة النفوذ مثل صحيفة «نيويورك تايمز»، كما انجذبت إليها جماعات وأوساط علمية وسياسية وثقافية وأكاديمية، وتكاثرت أعداد مشاهير نجوم السينما وبرامج الترفيه الذين وجدوا المنصة نافعة تماماً في إيصال رسائلهم ذات المضامين المختلفة. وعلى نحو خاص، وعالي التأثير أيضاً، كان توجّه المجموعات المعنية بالدفاع عن ثقافة السود ضدّ طغيان ثقافة بيضاء ينزع بعض ممثليها إلى تكريس مفاهيم التفوق العرقي. وهذه حال بلغت درجة الحديث عن «تويتر أسود»، وصفه الأكاديمي الأمريكي الأفرو-أمريكي أندريه بروك هكذا: «يشجع النطق بالأساليب الخطابية والأيقونية الثقافية السوداء، على نحو يقوّض ما يُنتظر من تويتر في الاعتقاد العام لجهة الخطابات المهيمنة ديمغرافياً». وكانت تغريدة أوبرا وينفري الأولى، على الهواء مباشرة أثناء برنامجها، برهة انعطاف كبرى، ليس فقط من حيث الاستقبال الجماهيري للمنصة، بل كذلك في كونها قد صارت جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الميديا الرئيسية والعالية.
وتتوقف المؤلفتان عند بعض حقائق العلاقات الصعبة التي نشأت سريعاً بين تويتر ومنصات أخرى مثل فيسبوك وإنستغرام، خصوصاً بعد دخول الخدمة في تجارب متضاعفة على صعيد نماذج البزنس وتعدد المدراء التنفيذيين، وصولاً إلى العام 2013 عند ابتداء طرح الأسهم على الجمهور، بما في ذلك الشركات والمستثمرين. وتلك كانت مرحلة مفصلية لأن تويتر حافظت على قاعدة مستخدمين أكثر ولاء وثباتاً، خصوصاً على أصعدة عالمية، وفي الآن ذاته أحدثت تطويرات متنوعة على طرائق إعادة التغريد وترويج الهاشتاغ. ولهذا تتناول برغيس وبايم مرحلتَين متميزتين في سيرة المنصة لجهة العلاقة مع طرف ثالث أو جماعة تطوير، ففي البدء شجعت تويتر استحداث تطبيقات تساعد المستخدمين على حسن تشغيل المنصة وتسخيرها لأفضل صيغة في التواصل، وأما في سنة 2009 حين نضجت تويتر وأخذت تتساءل بجدية عن مزايا موقعها من الناحية البصرية، اتجهت نحو مراقبة أكبر على مشاركي الطرف الثالث من خلال التغييرات التي طرأت على برامجها وأدواتها وقواعد توظيفها.
وتحرص المؤلفتان على تبيان الطرائق التي اعتُمدت في تأليف الكتاب، ابتداء من حقيقة أن كتابة «سيرة» وسيلة تواصل اجتماعي مثل منصة تويتر لا تشبه كثيراً الانخراط في رصد تفاصيل سيرة شخص شهير أو حركة سياسية أو حتى شركة أعمال وصناعة، خاصة وأن الأدبيات التي رسمت مسارات تأسيس تويتر قليلة نسبياً، وأن تسطير أية صفحة في عمر المنصة يقتضي بالضرورة الأخذ بعين الاعتبار جميع المواد التكنولوجية والصناعية والعلمية، المعلوماتية بصفة خاصة، التي ساعدت على نشوء تلك الصفحة واستقرارها. وصحيح أن النسخ المختلفة من صفحات تويتر الرئيسية وحساباتها مؤرشفة بطريقة أو أخرى على مدار تاريخ المنصة، وأمكن بالتالي الرجوع إليها والاستئناس بمعطياتها. ولكن من الصحيح في المقابل أن قسطاً غير قليل من تلك الصفحات والحسابات لم تعد متوفرة أو ليست في متناول البحث إلا ضمن جزئيات محدودة أو حتى ناقصة، وهذه صعوبة أخرة تُضاف إلى الصعوبات الكثيرة التي واجهتها كتابة سيرة أمينة ما أمكن، لمنصّة بالغة التعدد والغنى والتعقيد.
الجانب الثاني الهام وراء منهجية تأليف هذا الكتاب تمثل في ضرورة الرجوع إلى معطيات ومصادر ووثائق أقرب إلى موادّ الخلفية كما يُقال في لغة البحث، مثل استنباط ما كانت تقوله ثقافة التدوين والمدونات، والتي شكلت صيغة في التواصل الاجتماعي كانت مهيمنة أصلاً خلال السنوات الأولى المبكرة التي أعقبت ولادة تويتر. وفي تلك البوابات، التي تصحّ فيها تسمية المنصات أيضاً، أمكن ويمكن اليوم أيضاً استخراج معلومات بالغة الأهمية حول الواقع الذي عاشته تويتر ضمن اعتبارات عديدة حيوية، مثل العلاقة مع المستخدم، وأنساق التنافس/ الحضور إلى جانب منصات لا تقل سطوة مثل يوتيوب وفيسبوك وإنستغرام، والتطورات العاصفة في ميادين التطوير التكنولوجي للمنصة، ومساحات انتشارها ضمن معايير اجتماعية أو ثقافية أو عالمية، وصولاً إلى الاستثمار التجاري وجوانب البزنس المختلفة.
ولا تغفل المؤلفتان التشديد على جانب ثالث هو أن تويتر تأسست أصلاً في الولايات المتحدة، باللغة الإنكليزية، ولم تتوفر فعلياً بأية لغة أخرى إلا في سنة 2010، وأن غالبية غير ضئيلة من مواد المنصة المبكرة اقترنت بنُخب تكنولوجية التأهيل بيضاء البشرة امتلكت وسائل رقمية وقدرات ومهارات مكّنتها من استخدام وسيلة التواصل الاجتماعي هذه، والترويج لها وإشاعتها. ويبقى أن العنصر المشترك في هذه المعادلة هو أن الممارسات اليومية لمستخدمي المنصة اعتمدت أيضاً على أنماط من التفاوض الدائم بين أجيال وحساسيات وسياسات وجغرافيات، وهذا بالضبط هو ما جعل تويتر تكتسب «التوليفة» التي هي عليها الآن. والمؤلفتان أجريتا العديد من المقابلات واستطلعتا آراء الكثير من مستخدمي المنصة، بهدف التوصل إلى ما يشبه التوافق العريض حول النجاحات والعثرات، ثمّ السعي إلى تأويل التاريخ العاصف والمتقلب الذي كان ويظل اليوم أيضاً بمثابة السردية المفتوحة لمنصّة التواصل الاجتماعي الأهم عالمياً.
وكما سبقت الإشارة، تتبع فصول الكتاب الثلاثة تسلسلاً تاريخياً، فيعالج الفصل الأول العلامة @ التي تمّ استحداثها كسبيل لمخاطبة المستخدم وتواصله مع مستخدمين آخرين، والعلامة # باعتبارها إشارة تنسيق المجموعات والمواضيع، والعلامة RT التي تشير إلى مشاركة مساهمات مستخدمين آخرين ونسبتها إليهم. وحكاية هذه العلامات الثلاث هي، على وجه الدقة، قصة تويتر المثيرة في تحوّلها من اتفاق تواصل بين حفنة قليلة من الأصدقاء إلى وسيلة جبارة بلغت من السطوة درجة تجميد حساب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أو درجة تلهّف رجل أعمال أمريكي على سداد 44 مليار دولار لشراء المنصة.
Jean Burgess and Nancy K. Baym : «Twitter: A Biography»
New York University Press, New York 2022
140 pages.