يومٌ باريسي تدنّت فيه درجات الحرارة إلى ما دون الخمسة تحت الصفر، لكنه كان يتّقد حرارة عند الفرنسيين الذين غزوا المقاهي رافعين الأعلام والشعارات، منتظرين فوزهم بنهاية مونديال قطر 2022 على الأرجنتين علّهم يرفعون كأس العالم.
في هذا اليوم تحديدا، وقبل إعلان بدء المباراة النهائية بساعات قررت سلوك «دروب سمرقند» للاستمتاع برؤية «عجائب الحرير والذهب» في زيارة لمعهد العالم العربي في باريس. هناك حيث سُلّطت الأضواء على تراث الأجداد لأوزبكستان منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين، من خلال ما يقرب من 300 قطعة تمثل كنوز أوزبكستان: شملت المنسوجات المزدانة بالتطريز من معاطف فخمة وإكسسوارات مطرزة بالذهب من بلاط الأمير، إلى سروج خشبية مطلية، وأحزمة خيول فضية مرصعة بالفيروز، سجاد ومجوهرات وأزياء من الثقافة البدوية، بالإضافة إلى خمس عشرة لوحة استشراقية: على مدار أكثر من 1100 متر مربع.
«على دروب سمرقند. عجائب الحرير والذهب» هو العنوان الجاذب بعد وصف الرحالة ابن بطوطة مدينة سمرقند بأكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً، وبعد رواية الكاتب اللبناني أمين معلوف «سمرقند» الوصف والعنوان مألوفان لديّ، لكني بحاجة لاكتشاف ملامح لروائع أخرى جاذبة، لسلوك دروب لا تحفّ بها المخاطر، بل محاطة ومتلألئة بالجمال كما عنوان المعرض. هو إضاءة ساطعة على مجموعة ضخمة من الأعمال الفريدة المعروضة لأول مرة خارج متاحف أوزبكستان، التي تقود إلى تاريخ ومعرفة أسلاف بلد انصهرت فيه حضارات الألفية.
كنوز كوّنت الهوية الأوزبكية
تقع أوزبكستان في قلب آسيا الوسطى، بين الجبال والمناظر الطبيعية الصحراوية، بين السهول والواحات، وهي دولة فريدة من نوعها. مفترق طرق للحضارات بدءا من شعوب السهوب والهند وبلاد فارس والصين والعالم العربي الإسلامي، وهي مستودع للممالك والإمبراطوريات القوية التي ولدت من هذا الوضع الاستراتيجي الفكري السياسي والفكري.
«على دروب سمرقند» نكتشف روائع الحرفيين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، التي شكّلت الهوية الأوزبكية، بحيث لعبت المنسوجات، مثل قوى العالم الإسلامي، دورا رئيسيا، فاحتل التطريز البخاري، على وجه الخصوص، مكانة خاصة بين العديد من أشكال الفن في أوزبكستان. بلغ التطريز الذهبي ذروته خلال إمارة بخارى في عهد الأمير موزاك خان (1785-1920) وطغت شهرته من حيث التقنية والجودة والإبداع الفني، وفوق كل ذلك الإبداع الذي تجلّى بأبهى حلّة في تصميم المعاطف الفخمة (الشابان) الزي التقليدي، والفساتين، وأغطية الرأس. وقال المعهد في بيانه إن الأعمال المعروضة «تُظهر عظمة النهضة التي أنتجت الروائع الحرفية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي الفترة المؤسِسة للهوية الأوزبكية المعاصرة. وتعكس كما في كل مكان من العالم الإسلامي صورة المجتمع من الداخل».

وإذا عدنا إلى العصور الوسطى نجد التطريز بالذهب، مهنة محتكرة على الأمراء وحاشيتهم. أما اليوم فالفساتين والقفطان وحتى الأحذية تزخرف بهذه الخيوط الذهبية الثمينة، كما تظهر بتطريز قمصان الرجال الخاصة بالأعراس كواحد من الأنماط الوطنية.
وللسجاد، حكايات تشبه حكايات ألف ليلة وليلة بعملية نسجه المعقدة والبطيئة للغاية. تبدأ بفكرة المصمم في الرسم ويتمّ تطويرها، ما يخلق نوعا من«خريطة الطريق» للحائك كقاعدة عامة، إلى غزل الخيوط وصباغتها بالألوان الطبيعية فتستمر صنع سجادة واحدة من سنة إلى ثلاث سنوات، كل زخرفة ونمط له معنى خاص وفي الغالب مقدس.
لا شك في أن هذا المعرض المميّز بضخامته وتنوعه، يقدّم منظورا واسعاً للمجتمع في ذلك الوقت، بما في ذلك الإيكات الشهيرة ومختاراتها من الألوان، والنسيج الناتج عن تقنيات الأجداد، والخصائص الأسلوبية الإقليمية. بعضها يخرج للمرة الأولى من متاحف الدولة الأوزبكية، بالتعاون مع «مؤسسة تطوير الفن والثقافة» في جمهورية أوزبكستان، فضلاً عن القطع التي أعارتها المتاحف العالمية للمعهد، وتُعرض للمرة الأولى في فرنسا.
أرض إلهام الرسامين
كانت أوزبكستان الوجهة المفضلة للعديد من الفنانين من آسيا الوسطى وروسيا. اكتشف الرسامون هذه المنطقة ووجدوا في ثراء المناظر الطبيعية والأشكال والألوان والوجوه في آسيا الوسطى إلهاما فريدا. وإذا اتبعنا المثل الأوزبكي: «لن يحقق البلد نهضة دون السلام، ولن تشهد الأرض ازدهارَا دون المطر». سنكتشف أن هذا المطر تشكّل من الإبداعات الأوزبكية التي كانت مصدر إلهام للعديد من الفنانين في مطلع القرن العشرين، هذا المطر انهمر على دروب سمرقند، تلك المدينة التي ناهز عمرها الـ 2500 عام وظلت شابة بحضارتها وتراثها، تشعّ جمالا وتجذب الناظرين بأناقة حضورها. إنها المدينة المتحف وعقدة طرق القوافل التجارية القديمة، طريق الحرير الذي ربط بين الصين وأوروبا، وملتقى التجارة والقيم الروحية والعادات والتقاليد الأصيلة لمختلف الشعوب.
ولفت بيان المعرض إلى أنه «في الفترة نفسها التي كان ماتيس يكتشف فيها المغرب، وجد الرسامون التابعون للمدرسة الروسية في بحثهم عن اللون والصبغة المحلية مصدر إلهام فريد من نوعه، لجهة ثراء المناظر الطبيعية والأشكال والألوان والوجوه في آسيا الوسطى».
وهذا ما نكتشفه في الموضوعات التي تم عرضها، وتُظهر سعي كل فنان إلى «اكتشاف أماكن أخرى وغرائبية، متتبعاً خطى تياره الفني، من الرمزية إلى البدائية الجديدة أو البنيوية، وهكذا ولدت مدرسة فنية أوزبكية كان على رأسها ألكسندر فولكوف»..
معرض «على دروب سمرقند. عجائب الحرير والذهب» من 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 إلى 4 يونيو/حزيران 2023 في معهد العالم العربي في باريس، يؤكد أن في حياة الشعوب جوانب عديدة تجسّد حياة ناطقة لحضاراتها، وأدّلة ثابتة على ما تمتعت به عبر تاريخها من خصائص وقيم اتسمت بها مجتمعاتها. منذ زمن بعيد، عاش في أوزبكستان أشخاص موهوبون بشكل غير عادي، يحافظون بعناية على التقاليد الفريدة للفنون الشعبية وينقلونها من جيل إلى جيل. هذه التقاليد جعلتهم متمسكين في جذورهم وثقافتهم المذهلة. فمنذ استقلال أوزبكستان، ركزت البلاد ليس فقط على الحفاظ على التراث الثقافي من خلال أعمال ترميم الآثار، لكن أيضا على تعزيز الوعي الذاتي الوطني والاعتراف بالثقافة العالمية.
أكاديمية وتشكيلية لبنانية