بغداد ـ «القدس العربي» : يواصل الدولار الأمريكي ارتفاعه في الأسواق العراقية، على حساب الدينار، مسجّلاً أعلى ارتفاعٍ له بحدود ألف و600 دينار مقابل الدولار الواحد، في وقتٍ تبدو فيه الحكومة، برئاسة محمد شياع السوداني، عاجزة عن إيجاد حلٍّ سريع للأزمة التي تلوح بوادرها في الأفق.
وحذر النائب، مصطفى سند، الحكومة، من تبعات ارتفاع سعر الدولار أمام انخفاض قيمة الدينار العراقي، ففيما تحدّث عن وقوع النواب “الشيعة” في “حرج” أمام الشارع، وعدم امتلاكهم إجابات مُقنعة لهذا التدهور في العمّلة، أكد أن “شهر العسل لن يدوم طويلاً”.
وتناقلت مواقع إخبارية محلّية ومنصّات على شبكة التواصل الاجتماعي، تسريباً صوتياً للنائب أثناء اجتماع السوداني بنواب البصرة، أشار خلاله إلى أنه “نحن اتهمنا الآخرين أنهم السبب في ارتفاع سعر الدولار سابقاً، وبالتالي وقعنا اليوم أمام امتحان بالتزامن مع ارتفاع سعر الدولار حالياً”، مرجحاً ”استمرار سعر الدولار في الصعود ليتجاوز 160 ألف دينار (لكل 100 دولار)”. وينشغل الشارع العراقي منذ يومين بارتفاع متسارع لسعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، وارتفاع ملحوظ في أسعار السوق المحلّية، يقابله غياب الإجراءات الحكومية لمعالجة الموقف.
وأضاف النائب سنّد، وفقاً للتسريب الصوتي المنسوب له، أن “الناس صابرة، ولا تزال تتفاءل (بالسوداني) خيراً”، لكنه لفت إلى أن “شهر العسل لن يدوم طويلاً”.
وبيّن أن “موضوع ارتفاع سعر الدولار ليس بيد السوداني، إنما أصبح دولياً، إذ يمنع الفيدرالي الأمريكي (بنك) تعزيز الدولار خارج العراق”، مشيراً إلى أن “محاولات إنقاذ العملة العراقية غير مجدية، لأن الأمر يحتاج اتفاقات وتوازنا”.
وأكد أن النواب الشيعة “محرجون أمام الشارع، وأنهم لم يعودوا يملكون إجابة للرد بهذا الصدد”.
وطالما اجتهد السياسيون الشيعة في تبنّي حملات إعلامية تطالب بخفض قيمة الدولار مقابل الدينار العراقي، عندما قررت الحكومة السابقة، برئاسة مصطفى الكاظمي، رفع قيمة الدولار من نحو (ألف و120 ديناراً) إلى (ألف و460 ديناراً)، العام الماضي، في خطوة لرفع الاحتياطي النقدي، غير أن هذا الإجراء الحكومي واجه هجوماً عنيفاً قاده زعامات وشخصيات سياسية شيعية، قالت إنه سيؤثر على سلبيا على الموظفين والفقراء.
وقبل توليه دفّة الحكم في العراق، كانت للسوداني تصريحات سابقة عبّر فيها عن رفضه قرار البنك المركزي- باتفاق مع حكومة الكاظمي حينها، داعيا إلى وجوب إعادة النظر بقرار رفع سعر صرف الدولار لـ”منع آثاره السلبية”.
أزمة عابرة
وتزامن ذلك مع طرح القيادي في “الحشد الشعبي”، أمين عام حركة “العراق الإسلامية”، شبل الزيدي، مقترحات لحل أزمة ارتفاع سعر الدولار، محمّلاً الإدارة الأمريكية السبب في هذا الارتفاع.
وقال، في “تدوينة” له، “قد يستغرب البعض من ارتفاع سعر صرف الدولار مع الاستقرار الجيد في مبيعات النفط، ووجود احتياطي كبير للعملة في البنك المركزي”.
وأضاف: “لكن السياسة الأمريكية من خلال وزارة الخزانة والبنك الفيدرالي (منع إصدار الحوالات) كانت وراء ما تشهده السوق من ارتفاع سعر العملة”، مبيناً أن “هذه أزمة عابرة يكون حلها بطرق دبلوماسية وإجراء إصلاح للنظام المصرفي والسياسة النقدية”.
ويتهم السياسيون الشيعة، الإدارة الأمريكية بالوقوف خلف رفع قيمة الدولار مقابل الدينار العراقي، بهدف الضغط على العراق لإجراء جولة جديدة من المفاوضات، فضلاً عن منع تدفق العملة الأمريكية إلى دول الجوار- وعلى رأسها إيران.
وسبق أن أكد، سند، أن الولايات المتحدة أرسلت 3 رسائل إلى السوداني.
ووفقاً له فإن “الرسالة الأولى كانت بعدم تحويل الأموال العراقية بالدولار رغم اكتمال استحقاق الدفع، عن طريق عمليات تعزيز الرصيد الدولاري لصالح البنك المركزي، الذي خفضته من 100 %إلى 25 %”، في حين رأى أن الرسالة الثانية تتمثل بـ”استبعاد أربعة مصارف (الأوسط، والقابض، والأنصاري، وأسيا) من مزاد العملة، مما خفض مبيعات البنك المركزي إلى الثلث، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الدولار في السوق الموازي”.
أما الرسالة الثالثة والأخيرة، حسب سند، فهي “عرقلة عمليات شراء الغاز والطاقة من الجمهورية الإسلامية عن طريق منع السداد، حيث بلغت قيمة المبلغ المتراكم في حساب الــ تي بي أي (بنّك حكومي) لصالح الجارة إيران 10 مليارات دولار، ومنعت الولايات المتحدة تحويله لصالح الجارة إلا بعد أن يتفاهم العراق على صيغة للتعاون معهم”.
ورجّح أن “يعود سعر الصرف نحو الانخفاض التدريجي مطلع العام المقبل، بسبب قرب تنسيق الوضع السياسي”، حسب قوله.
في السياق ذاته، حذرت كتلة “المنتج الوطني” النيابية، الحكومة والبنك المركزي، من “انهيار” الدينار العراقي، وارتفاع سعر صرف الدولار إلى أكثر من 160 ألف دينار، فيما أشارت إلى أن انهيار العملة قد يدفع العراق أن يكون شبيها للوضع الاقتصادي، في جمهورية إيران ولبنان.
وقالت رئيسة الكتلة، النائبة إبتسام الهلالي، في بيان صحافي، إن “سعر صرف 100 دولار في السوق تجاوز 157 آلف دينار، وفي ارتفاع مستمر وقد يصل في نهاية الأسبوع أو في ليلة رأس السنة إلى 165 الف دينار، وهذا الارتفاع أثر بشكل مباشر على المواطنين من خلال ارتفاع أسعار المواد الغذائية”.
اجتماع عاجل
وأضافت أن “بعض المصارف الأهلية والتجار بدعم من بعض الأحزاب السياسية يقومون بتهريب العملة الأجنبية إلى الخارج عبر المنافذ غير رسمية بعد شراء العملة بالسعر الرسمي من منافذة بيع العملة في البنك المركزي العراقي، وهذا يعد سببا رئيسيا في ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي”.
وأوضحت أن السوداني “مطالب اليوم بعقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء للاقتصاد لمناقشة سعر الصرف وانهيار الدينار العراقي والسيطرة على نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية واتخاذ إجراءات صارمة بحق المصارف والمنافذ الإلكترونية لإعادة سعر الصرف إلى السعر الرسمي”.
وعبّرت النائبة عن “مخاوف من استمرار انهيار الدينار العراقي وارتفاع مستمر لسعر صرف الدولار وتجاوز 165 ألف دينار في ليلة رأس السنة، وأن يكون الوضع الاقتصادي في العراق شبيها لدول إيران ولبنان”.
أزمة أعمق
في الطرف المقابل، تتحدث مواقف سياسية عن تهريبٍ للعملة الأجنبية من العراق لتمويل “مستفيدين خارجيين”، فضلاً عن الفساد والولاءات السياسية وسوء الإدارة. سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، رائد فهمي، ذكر في “تدوينة” له، إن “ارتفاع سعر صرف الدولار وعجز السلطات النقدية والحكومة عن خفضه وتحقيق استقرار الدينار، هو مظهر لأزمة أعمق من مجرد الإجراءات الرقابية التي فرضتها الخزانة الأمريكية ونظام التتبع للدولار المحول من العراق”، معتبراً أن “ضعف الثقة بالمصرف المركزي وبالمصارف العراقية والتحويلات الصادرة عبرها، إنما يعكس النسبة العالية من التحويلات التي لا تذهب إلى الجهات المعلن عنها رسميا، وهي مؤشرات تهريب للعملة وتمويل لمستفيدين خارجيين، وعدم اتخاذ أي إجراءات جدية لضبطها وإيقافها لأسباب مركبة منها الفساد أو الولاءات السياسية أو سوء الإدارة، أو كل هذه العوامل مجتمعة”.
وأضاف، أن “البنك الفيدرالي الأمريكي ووزارة الخزانة كانا على علم بذلك، وسبق أن أرسلا إنذارات وتنبيهات بهذا الشأن، ولكن اتخاذها الإجراءات الحازمة الأخيرة قد تكون لتوقيته أبعاد سياسية للضغط على الحكومة العراقية، من جهة أخرى هناك أطراف عراقية نافذة مرتبطة بالمصارف وشبكات تهريب العملة والالتفاف على الضوابط المحلية والدولية في المجال النقدي، تحاول استغلال الأزمة وآثارها الجسيمة على القدرة الشرائية للمواطنين وإرباك الحياة الاقتصادية وشلها لمقاومة أي إجراءات جدية ضد الفساد وقنواته وشبكاته”.
وزاد: “يبدو واضحا أن الأزمة الحالية تفوق قدرات البنك المركزي والأدوات المتاحة له لمعالجتها وتطويقها، والحديث عن إعادة ثقة معناه أن الإجراءات المطلوبة يجب أن تكون حازمة وجذرية لفرض رقابة فعالة على المصارف وآليات تحويل العملة إلى الخارج وتفكيك منظومات الفساد ومحاسبة من يقف وراءها، وهي قوى نافذة يتعذر على حكومة نابعة من رحم المحاصصة مواجهتها”.
في حين، أكد النائب محمود حسين القيسي، أن الحكومة قادرة على كبح جماح الدولار بأي لحظة تريدها.
وقال في “تدوينة” له، إنه “مع المليارات المائة المكدّسة في قاصات البنك المركزي، ومع أطنان الذهب المخزونة فيها، فضلاً عن سندات الخزينة الموجودة في البنك الفدرالي الأمريكي، فإن ضبط السوق هو رهن بقرار حكومي”.
وأضاف متسائلا: “لكن متى ستخطو هذه الخطوة !؟”.
جلسة برلمانية
يأتي ذلك في وقتٍ وقع فيه نحو 65 برلمانيا عراقيا على طلب عقد جلسة نيابية استثنائية لمناقشة ارتفاع سعر صرف الدولار. ووفقاً لـ”تدوينة” للنائب رائد المالكي، فإنه ومع 65 نائباً وقعوا على طلب عقد جلسة استثنائية لمناقشة ارتفاع سعر صرف الدولار.
وأضاف: “تحسبا لعدم الاستجابة للطلب لقرب انعقاد جلسات المجلس في سنته التشريعية الجديدة، يقدم طلبا الى رئيس المجلس بتخصيص الجلسة الأولى لاستضافة رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ومحافظ البنك المركزي لمناقشة الأمر واستيضاح الأسباب الحقيقية وتقييم إجراءات الحكومة”.