مشهد من الفيلم
الحياة البدائية الأولى المُتخيلة في عقول وأذهان المُبدعين من كُتاب السيناريو والمُخرجين، جرى طرحها في العديد من الأفلام واستُخدمت الإسقاطات السياسية والفلسفية في مُعظم التجارب السينمائية المُتصلة بالفكرة ذاتها، وهناك نماذج مهمة من الأفلام في هذا الخصوص عمل أصحابها على تجسيد الحالة الدرامية برمزيتها وأبعادها، ربما أشهرها فيلم البداية للمخرج صلاح أبو سيف، حيث شكل هذا الفيلم بالتحديد الكثير من ملامح التجربة المُماثلة لابنه المخرج محمد أبو سيف، في فيلم «التفاحة والجمجمة» الذي قدمه عام 1986.
وقد تأثر أبو سيف بأجواء الرواية التي كتبها المؤلف محمد عفيفي وحملت العنوان نفسه، تأثراً كبيراً كونه دارس علم نفس في الجامعة الأمريكية ومن الطبيعي أن ينشغل بالعالم البدائي وثنائية الوجود والعدم، والصراع من أجل البقاء، لهذا شرع في تحويل الرواية إلى فيلم يغلب عليه الطابع النفسي الإنساني، واستعان بالكاتب محمد يوسف ليتولى كتابة القصة السينمائية، بينما كتب المؤلف محمد عفيفي نفسه صاحب الرواية السيناريو والحوار، فتداخلت الآراء ووجهات النظر، وصار العمل مزيجاً من أفكار مُتناثرة لا يربطها سوى خيط رفيع، يحاول المخرج محمد أبو سيف الإمساك به كي لا ينقطع فتتوه الفكرة برُمتها قبل أن تصل المعاني المُستهدفة للمُتلقي.
الأحداث المبني عليها الفيلم والمأخوذة عن الرواية، تصور حياة أربعة رجال بينهم امرأة واحدة يتعرضون لحادث غرق في سفينة ضلت طريقها في عرض البحر، فألقت بهم الأمواج تباعاً على الشاطئ في حضن جزيرة معزولة ليس فيها من أسباب العيش والحياة غير جرة ماء وكوخ من الصفيح وشجرة تفاح نبتت ربانياً بلا مُقدمات، وللتفاحة في هذا السياق دلالة قوية فهي تُشير إلى بداية الخليقة والتفاحة التي أكلها آدم أبو البشرية وكانت سبباً في خروجه من الجنة. من هنا بدأ التناول الفلسفي لأصل الوجود وماهيته ومستويات الصراع فيه على خلفية وجود الأنثى بين عدد من الرجال يختلفون في طبيعتهم ونوازعهم ويتفقون في غرائزهم الأساسية، حيث الحاجة إلى الأكل والشرب والجنس، والأخير على وجه التحديد كان هو النازع الأقوى، الدافع إلى الاشتباك بين الأطراف باعتباره مُقننا بالفطرة وغير مُتاح إلا إذا توافقت رغبات الطالب والمطلوب، فما عدا ذلك هو نوع من الهمجية والإكراه.
تلك بديهية يؤكدها الفيلم وينتصر لها الكاتب والمخرج، لكنها تظل محل خلاف كبير بين الأبطال الأربعة المهندس أحمد «حسن يوسف» والمُعلم طلبة «أنور إسماعيل» وكرشة صبي المعلم «إبراهيم نصر» والشاب الآخر الأجنبي الذي يتحدث لغة مُختلفة ويتسم مظهرة بالبدائية وبنيانه الجسماني بالقوة المُفرطة، فكل هؤلاء لا يخفون مشاعرهم الحسية تجاه المرأة الوحيدة بينهم والتي تُمثلها الفنانة إيمان، تلك التي تجسد شخصية فنانة شابة بملامح حسية وسلوك مُتحرر تُدعى ظاظة كأنها المحرك للغريزة والدافع القوي للجريمة.
ظاظا تلعب على كل الشخصيات للحفاظ على وجودها الآمن فهي تشاغل المهندس الرومانسي حسن يوسف، وتستقوي بالشاب الزنجي مفتول العضلات بوصفة مُمثل الحماية، وفي الوقت نفسه تتزوج من المعلم طلبة الرجل الثري الذي يمتلك أموالاً طائلة تسعى هي للاستحواذ عليها، يحدث ذلك في غياب الدور الفعال للصبي كرشة، اللهم غير تبعيته للمعلم وهي مرحلة ما قبل الانتفاض والتحول العدواني الشرس له بُغية إثبات رجولته وإشباع رغبته الحسية المكبوتة. ونلحظ من خلال مُعطيات التكوين الدرامي للأحداث أن الدائرة تنغلق على معاني وجودية فلسفية بحته تُترجم الأطماع التي فُطر عليها الإنسان الأول عند هبوطه على الأرض، فالتفاحة التي أكلها كانت سبباً مباشراً في شقائه، غير أن وجوده ذاته ارتبط بفكرة الصراع الأبدي مع الحياة، كأنه شيء لزوم الشيء، إذ لا حياة دون كبد، وأن الإنسان مرهون بالظروف الكونية مهما حاول أن يغير من سلوكه ويسعى للتمدن، حيث هناك مبادئ عامه لا بد من التسليم بها، أولها أن البقاء للأقوى، ولا بد للمرء كي يحيا من قوة تحميه وأن الأصل هو التناسل والتكيف الطبيعي مع المناخ المحيط بكل مُقتضيات الواقع وقسوته وفرضياته. ذلك أن التفاحة التي ترمز للحياة والوجود هي المُعادل للجمجمة إذا ما انتهت مسيرة الإنسان، وصار مجرد ذكرى في دهاليز التاريخ الفائت وعمره المُنقضي، لاسيما أن المُعادلة الحتمية في ثنائية الوجود والعدم لا تحتمل غير التفكير بهذا المنطق، بحسب الرؤية السينمائية الميلودرامية والفلسفية القاتمة.
لقد وضع السيناريست نهاية أخرى مغايره لهذا المفهوم، كي يُعطي بصيصا من الأمل في جدوى الحياة والتعايش، فعمد إلى بعث العلاقة العاطفية الكامنة بين البطل الرئيسي وهو المهندس والمرأة الوحيدة في الجزيرة بعد الفناء الذي انتهى إليه صراع الشخصيات الثانوية، ولم يتبق من أصداء العنف والتقاتل إلا الحكمة التي يفرضها سياق الحوار بين البطلين، وهي مُعالجة وضعت قسراً للتخفيف من وطأة الأزمة الخانقة التي بدأت على الجزيرة المعزولة ولم تنته إلا بموت الشخصيات الأكثر عنفاً، أي أنها الضريبة أو الثمن الذي يدفعه بعض البشر كي ينعم غيرهم بحياة هادئة مُستقرة!
كاتب مصري