دخل التلفزيون مصر عام 1960، في الثالث والعشرين من يوليو/تموز من ذلك العام انطلقت القناة الأولى. انتقلت إليه محطات الإذاعة بعد أن أقيم المبنى على طراز مبني الإذاعة والتلفزيون الفرنسي في باريس. كانت هناك محاولة عام 1951 حيث نقلت الشركة الفرنسية لصناعة الراديو والتلفزيون مناسبة زواج الملك فاروق من الملكة ناريمان، لكن لم يتم الاتفاق معها على البث التلفزيوني الدائم. في عام 1954أقامت الدولة محطة تلفزيونية على جبل المقطم، ما زالت موجودة لكن لم تستخدم التلفزيون إلا عام 1960. بعد ذلك صارت للتلفزيون قناة ثم اثنتين ثم تعددت القنوات في البلاد.
حين ظهر التلفزيون لم ينتشر بسرعة بين كل البيوت ولا في أغلبها، كان الجهاز الجديد غالي الثمن ـ بلغ 35 جنيها- بالنسبة إلى الفقراء وإلى كثير من الطبقة الوسطى لكنه كان نقلة مهمة في حياة المصريين.
كان أمام التلفزيون تحد كبير هو الإذاعة المسموعة وتاريخها، وما تفعله في روح المصريين. كيف تصنع الإذاعة أسرة سوية مبتهجة متفائلة جميلة، دون أي توجه سياسي. المصريون مع الإذاعة كانوا يعيشون أجمل أيامهم. فالراديو في البيوت مع الزمن صار سهلا وغير مكلف ووصل ليكون ترانزستور في اليد. برامج الراديو كانت من أكثر من محطة. الأولى البرنامج العام، ثم صوت العرب التي غلبت عليها السياسة، ثم ظهرت إذاعة الشرق الأوسط خفيفة الدم والروح، وإذاعة أم كلثوم الخاصة بالأغاني تبدأ في الرابعة عصرا. كان الراديو يبدأ يومه ببرامج غاية في الروعة من السادسة صباحا، فبعد حديث ديني تأتي البرامج القصيرة الممتعة مثل، «قطرات الندى» لسلوان محمود وهو مقتطفات شعرية مثل ندى الصباح، ثم «طريق السلامة» لآيات الحمصاني، ثم «غنوة وحدوتة» مع أبلة فضيلة للأطفال ومع صفية المهندس «إلى ربات البيوت و«كلمتين وبس» لفؤاد المهندس، وكانت الموسيقى التي تبدأ بها هذه البرامج غاية في الروعة تستحق الخلود، وإذا جرب أحد الآن سماعها وهي متوفرة على اليويتوب سيعرف كيف كانت تجعل من الصباح فضاء من البهجة والسعادة، وتصحبها أحيانا أغنيات بصوت الأطفال رائعة مع برنامج أبلة فضيلة، أو بصوت نجاح سلام مع «طريق السلامة» تغني «بالسلامة ياحبيبي بالسلامة».
ليس ما أقوله نوستالجيا، والله لكن كان اليوم يبدأ مليئا بالتفاؤل والجمال، رغم أن الدولة كانت مركزية كما هي الآن، إلا أن التوجيه السياسي للبرامج لم يصل إلى البرامج العادية الخاصة بحياة الناس. كان فقط يظهر في البرامج السياسية في إذاعة مثل «صوت العرب» في برنامج مثل «أكاذيب تكشفها حقائق» لأحمد سعيد ومحمد عروق. كانت تمثيلية المساء بعد نشرة الساعة الخامسة عملا تتحلق حوله الأسر مثل «سمارة» و«علي بابا» و»ألف ليلة وليلة» وغيرها، فضلا عن التمثيليات بعد الإفطار فى شهر رمضان. كان الراديو صانع البهجة الحقيقية، وكان برنامج مثل «ما يطلبه المستمعون» تتحلق حوله الأسرة أو نساء الحي وبناته في بهجة عظيمة، وكثيرا ما كانت الأغاني تقلِّب الأوجاع، كما تقلب الفرح وتكشف الوجوه عن قصص حب ضائع لا يقولها أحد، أو قصص حب قائمة فتتهلل مع الأغنيات الأسارير والعيون. أما برنامج مثل «على الناصية» لآمال فهمي فكان تقريبا لا يتركه أحد إلا من هو في الطريق، ففي البيوت الكل يسمعه وفي المقاهي.
كانت البرامج الفنية والثقافية التي أشرت إليها من الموسيقى إلى الباليه، والمسرحيات التي يتم عرضها كل أسبوع تجمع الأسر حولها دون أي توجهات سياسية، فيعرفون كيف تكون الحياة الحلوة، وكيف يمارسونها.
في المساء والليل كانت برامج رائعة مثل «أضواء المدينة» الذي انتقل إلى التلفزيون بعد ذلك، و«أحسن القصص» من القرآن الكريم للمذيع محمد علي ماهر، الذي كنت أنا من هواته حين يعاد في الفجر وأنا سهران أقرأ أو أكتب، فأتوقف وأسمع قصص الأنبياء في شغف وشجن رائعين. طبعا كان هناك برنامج «ساعة لقلبك» الذي تتحلق لسماعه مصر كلها، وممثلوه مثل عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس وخيرية أحمد والخواجة بيجو وأبو لمعة وغيرهم، وكان تحفة البرامج. من أكثر البرامج بهجة كان «محكمة الفن» لأمين هنيدي وخيرية أحمد اللذين كانت أسئلتهما إلى بعضهما، وإلى المطربين والردود من الأغاني واتهام المطربين بقضايا من الأغاني والحكم عليهم بالسجن مع الأغاني، فكنت تضحك وتبتهج من براعة الأسئلة والإعداد والأداء وأنت تسمع الإجابات من مقتطفات من أغاني عبد الحليم حافظ وشادية وفريد الأطرش وصباح وغيرهم. في الليل أيضا كنت تسمع برنامج مثل «قال الفيلسوف» لسميرة عبد العزيز وسعد الغزاوي، أسئلة فكرية تتم الإجابة عليها بسهولة رائعة. سنمشي كثيرا مع البرامج والتمثيليات التي كانت محفل المودة داخل البيوت منذ الصباح مع «قطرات الندى» و«طريق السلامة» وأكتفي بالأمثلة.
حين ظهر التلفزيون كان لا بد من أن يتفوق على هذا كله، كيف يصنع بدوره أسرة متفائلة متماسكة سعيدة. كانت الدولة كما هي مركزية، لكن غابت توجهاتها السياسية إلا في برامج لذلك مثل، «أقوال الصحف» لحمدي قنديل. ظهرت مذيعات عظيمات مثل أماني ناشد تقدم برامج ثقافية رفيعة مثل «لقاء كل يوم» و«سهرة مع فنان» وغيرهما، وكذلك همت مصطفى التي كانت أول مذيعة تقرأ نشرة الأخبار والتي انفردت بلقاءات مع السادات من منزله في قرية شبين الكوم، ومع حسني مبارك وغيرهما. كذلك ليلى رستم وبرامجها الرائعة مع كبار الأدباء مثل، طه حسين والعقاد والحكيم ونجيب محفوظ وثروت أباظة ويوسف السباعي وغيرهم، وبرنامجها «نافذة على العالم» الذي كانت تقدم فيه أهم الاحداث العالمية بتشويق رائع، أما سلوى حجازي التي راحت ضحية الغدر حين أسقطت إسرائيل طائرة كانت بين ركابها وكانت تمر على سيناء فيكفيها برامج «ماما سلوى» و»الفن والحياة» و»عصافير الجنة». ظهرت برامج عظيمة مثل «نادي السينما» لدرية شرف الدين و»أوسكار» لسناء منصور، اللذين كانا يجمعان كل الناس حول التلفزيون، وبرامج مثل «العالم يغني» لحمدية حمدي و»عالم البحار» لحامد جوهر ومع «الموسيقى العالمية « و»مع الموسيقى العربية» و»عالم الباليه». كان هناك مسرح في التلفزيون قدم لنا مسرحيات رائعة لكبار النجوم، فضلا عن دخول التلفزيون عالم المسلسلات بمسلسل مثل «الساقية» و«الضحية» عن رواية عبد المنعم الصاوي، ومسلسلات دينية في رمضان مثل، «على هامش السيرة «و»محمد رسول الله» ثم تتالت المسلسلات الشهيرة مثل «القاهرة والناس» و«أحلام الفتى الطائر» و«الأيام» و«دموع في عيون وقحة» و«وقال البحر» وغيرها.
ملأت الفضاء أسماء مثل وحيد حامد وأسامة أنور عكاشة وكرم النجار وأمينة الصاوي ويوسف عيسى وفتحية العسال ويسري الجندي وعبد الحي أديب وصالح مرسي ومحمد صفاء عامر ومصطفى محرم ويُسُر السيوي ولينين الرملي وبهجت قمر ومحمد جلال عبد القوي وأبو العلا السلاموني، وقائمة طويلة حتى وصلنا إلى عبد الرحيم كمال وأسماء جميلة من الشباب لا تنتهي لكن، كم مسلسلا الآن في العام؟
ما الذي حدث. لا يحاول التلفزيون مثلا وهو الأكبر إنتاجا أن يعيد هذه الأمجاد فينتج مسلسلات بالكم والكيف القديم فقليل جدا مما ينتجه يستحق المشاهدة. أصبحت التوجهات السياسية وراء أي اختيار، ورغم كثرة القنوات إذ انضمت إلى قنوات الدولة عشرات القنوات الخاصة، لا تجد برامج فنية ولا موسيقية.
كانت البرامج الفنية والثقافية التي أشرت إليها من الموسيقى إلى الباليه، والمسرحيات التي يتم عرضها كل أسبوع تجمع الأسر حولها دون أي توجهات سياسية، فيعرفون كيف تكون الحياة الحلوة، وكيف يمارسونها. الآن كل القنوات برامج التوك شو ودعاية ومعظمها برامج صار المذيعون فيها مفكرين وفلاسفة يهاجمون أي اعتراض على سياسة الدولة، ويقدمون حلولا تتناقض في كل وقت حسب توجه الدولة، وانتهى زمن المذيع المحايد. هكذا هرب الناس من التلفزيون وقنواته العديدة جدا إلى قناة ماسبيرو زمان وروتانا زمان وغيرها من القنوات، كما أصبح يوتيوب ملاذا لهم للاستمتاع بالبرامج التي ضاعت. صار الإعلام في جهة والناس على الجهة الأخرى ويتصورون أنهم يؤثرون فى الناس للأسف، ولا يتابعون آراء الناس فيهم على السوشيال ميديا التي صارت ملاذا وبديلا.
روائي مصري