رحلة البحث عن مؤرخين في الجزائر

حجم الخط
2

مرت هذا الشهر ذكرى رحيل شيخ المؤرخين في الجزائر أبو القاسم سعد الله، الذي قضى حياته في التأليف والتأريخ والترجمة، وفي تحقيق المخطوطات، مخلفاً خزانة من الأعمال باتت من المراجع الأساسية للطلبة والباحثين، وهي مناسبة تستدعي أن ننظر إلى مآل المؤرخين، وما هو موقعهم في الجزائر في الزمن الحاضر، ولماذا لا يزالون مقيمين على هامش التاريخ، بدل أن يتقدموا إلى المركز. حياة صعبة يقاسيها المؤرخ، وهو ينظر إلى ما يدور حوله، من غير أن يكون له موطأ قدم في ساحة الأحداث، ولا مقدرة على التدخل أو المشاركة في النقاشات العامة، يقف على شرفة وينظر إلى ما يدور في حياة الناس، دون أن ينتبه أحد إلى صوته أو إلى وجوده، دون أن تفكر الميديا في استدعاء ذلك المؤرخ، قصد إثراء الجدل أو إبداء الرأي أو معارضة ما يحصل. هذا المؤرخ يكاد يصير ظلاً لنفسه، يسمع من غير أن يتكلم، يرى من غير أن يُرى، مكتفياً بدوره في الجامعة أو في مخابر البحث، وبإصدارات، من حين إلى حين، من غير أن تلقى قارئاً جاداً يلتفت إليها، يكاد يسكن دكة الانتظار، مترقباً أن يُعاد إليه الحق في الكلام، كما فعل أبو القاسم سعد الله، أن يتاح له حق المغامرة في الشأن العام، ويستبدل وظيفته من مجرد الغوص في المخطوطات إلى إسقاط معارفه على الراهن.

شاهداً وخبيراً

تعود الناس، في الجزائر، على أن يتوجهوا إلى الشهود لا إلى المختصين، إلى الذين صنعوا الحدث الماضوي، لا الذين دونوه، لذلك كلما طرأت مناسبة وطنية أو عادت ذكرى حدث تاريخي، يظهر على الشاشة أشخاص بربطات عنق، وقد تقدم بهم السن، يحكون عن مشاركاتهم، سواء في حرب التحرير أو في ما بعدها، يستردون ذكريات، لسنا نعلم مدى مصداقيتها، بحكم أنها معلومات تتكل على الذاكرة لا على المرجعية، ومن النادر أن نستدعي إلى تلك البلاتوهات مؤرخاً، على الرغم من كونه الشخص الأكثر تشبعاً بالحدث الماضوي، لأنه يمتلك المرجعية لا مجرد ذكريات سمعها من هنا أو هناك، كما يفعل من يطلقون على أنفسهم «الشهود». إن هذا التغييب للمؤرخ يتأتى من سوء فهم لوظيفته، فهناك من ينظر إليه كما لو أنه دخيل على الحدث التاريخي، أنه جامع للمعلومات، وليس خبيراً، ما يقلل من صورته في أعينهم، يستعيضون عنه أحياناً بمؤلفاته، التي تذكر على عجل دون قراءة متأنية، هكذا صار المؤرخون يشعرون بالاغتراب، فلا أحد يستمع إليهم، ولا أحد يمنحهم فرصة للكلام. ففي نظر العامة أن التاريخ ينحصر في شهادة من عاشه، وليس في بحث من تخصص في التاريخ.

فالذاكرة الجزائرية مجروحة تشوبها بقع رمادية، وكثير من الأحداث الحاسمة، إلا في حرب التحرير أو ما بعدها، لم تلق اهتماماً، على الرغم من تأثيرها في حياة الناس إلى غاية الساعة.

لم يصبح التاريخ مادة معرفية، والناس لا يتعاملون معه كتخصص علمي على غرار تخصصات أخرى في العلوم الإنسانية، بل ينظرون إليه في الدرجة السفلى من التخصصات الأكاديمية، فحين يجري نقاش في ندوات عن موضوع سوسيولوجي، يحضر عالم اجتماع، وإن كان الموضوع يتعلق بعلم النفس، يحضر طبيب نفساني، أما إذا طرقنا باب التاريخ فسوف نكتفي بحضور الشواهد أو من ينوب عنهم، ولا نفكر عدا نادرا في مؤرخ، كما لو أن ما يقوم به أقل أهمية من كلام شاهد، تطغى على شهادته الذاتية والحماسة، بدل الدقة التاريخية والموضوعية. هذا الوضع أدى إلى أن يفقد المؤرخ مكانته الاجتماعية، لم يعد عنصراً متصالحا مع المجتمع الذي يحيا فيه، بل مجرد عابر، يكاد حضوره أو غيابه أن يصيرا الشيء نفسه، وباتت صورته محصورة في قاعة تدريس في جامعة أو في تحقيق مخطوطة أو في تدوين مذكرة، صار يعيش داخل أسوار غير مسموح له بالخروج منها. لكن ألا يتحمل المؤرخ نفسه جزءاً من المسؤولية إزاء ما يحصل له؟

التاريخ الانتقائي

هذا الوضع الصعب الذي يجد المؤرخ نفسه فيه يتأتى من سوء تعريف لوظيفته، مع سوء تقدير منه في التموقع الصحيح، فقد حصر نفسه في كونه مختصاً في التاريخ ولم يُغامر إلى دور أكبر في ذلك، نقصد منه المصالحة مع الذاكرة. فالذاكرة الجزائرية مجروحة تشوبها بقع رمادية، وكثير من الأحداث الحاسمة، إلا في حرب التحرير أو ما بعدها، لم تلق اهتماماً، على الرغم من تأثيرها في حياة الناس إلى غاية الساعة. المؤرخ لم يفتح بابا جديداً يطل منه على مواطنيه، لم يمد يده إلى المسكوت عنه، لم يرجح كفة العقل على حساب كفة الأيديولوجيا، فضلّت المخرجات التاريخية في جلها تدور في فلك السائد، تسير في أفق التكرار، كل عام نصادف إصدارات جديدة تقارب الموضوعات ذاتها، كما قوربت قبل خمسين سنة، دون جرأة في ملامسة الممنوع، وهنا سقطة المؤرخ، الذي يبدو أنه ارتضى بدوره وسيطا لا فاعلا تاريخيا، يُمارس الانتقاء التاريخي، يستعيد الثيمات ذاتها التي سبقه إليها الأسلاف، فمثلاً غالبية الكتب أو الأبحاث التي نصادفها في السنين الأخيرة تقارب حرب التحرير الوطنية من وجهة نظر واحدة، تتفادى عن قصد الخوض في تابوهات تلك الحرب، ربما بسبب تكاسل من المؤرخ أو خوفاً منه في إثارة اللغط من حوله، هذا ما سبب قطيعة بينه وبين الوسط الذي يعيش فيه، وأفقده هالة المصداقية، كما نلاحظ أيضاً أن حرب التحرير هي المادة الأثيرة لهؤلاء المؤرخين، كما لو أن لا شيء حصل من بعدها أو من قبلها، لا أحد يبحث أو يكتب عن مئات الجزائريين الذين ماتوا في حرب عالمية ثانية، ولا عن آخرين ماتوا في حروب الأخوة إبان ثورة التحرير، ويتفادى المؤرخ أيضاً أن يزج بنفسه في القضايا الشائكة التي تلت الاستقلال، عن انقلاب 1965 أو عن انشطار كتلة الثوار حينها، إنه وضع حوّل المؤرخ إلى عنصر هامشي، بحكم أنه لم يدفع عجلة بحثه إلى الأمام، لم ينخرط في مصالحة مع الذاكرة، مكتفيا بمصالحة مع الرقيب، وعدم إغضاب الأيديولوجيات السائدة.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية