بغداد ـ «القدس العربي»: لا يجد المتابع للشأن العراقي الداخلي صعوبةً في تشخيص أبرز الأحداث التي شهدتها البلاد- المليئة بالأزمات- خلال العام 2022. فبين استمرار الواقع السياسي المضطرب والارتباك في السياسة الخارجية للبلاد، تقابلها عمليات أمنية متواصلة لاستنّزاف الجهاديين، يدأب العراقيون على مشاهدة مسلسلة «التدهور الخدمي» منذ 2003.
فعلى المستوى السياسي، أفّرزت نتائج انتخابات السنة الماضية فوز التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، بغالبية المقاعد النيابية (73 نائباً من مجموع 329 نائباً في البرلمان) على حساب بقيّة القوى السياسية الشيعيّة، التي اختارت تنظيم صفوفها في تحالفٍ سمّي بـ«الإطار التنسيقي» يضمّ أحزاباً بـ«أذرعٍ مسلّحة» متهمة بالولاء لإيران، غير إنها لم تتمكن «مجتمعة» من موازنة ثقل «التيار الصدري» في المشهد السياسي العراقي.
نشوّة الفوز الصدري بالانتخابات، عزّزت في بال الصدر فكرة تحوّل النظام السياسي القائم على «المحاصصة» أو «التوازن» حسب ما ورد في الدستور العراقي، إلى نظامٍ جديد يعتمد مبدأ «الأغلبية» و«المعارضة» في إدارة دفّة الحكم في البلاد، فقرر زعيم التيار الصدري مشاركة الفكرة مع حلفاء جُدد بالنسبة له، وهم «السيادة» السنّي- بزعامة خميس الخنجر ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، و«الديمقراطي الكردستاني»- بزعامة مسعود بارزاني.
حاول التحالف الجديد الذي سمّي شعبياً بـ«الثلاثي» ثلاث مرات، إكمال النصاب القانوني (220 نائباً) لجلسة برلمانية تتيح له تمرير مرشحه لمنصب رئيس الجمهورية- ريبر أحمد القيادي في حزب بارزاني- لكن من دون جدوى.
ولم يتمّكن الصدر وحلفاؤه من تجاوز عقبة «الثُلث المعطّل» أو «الضامن» الذي شكّله «الإطار التنسيقي» الشيعي، بالتعاون مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة بافل طالباني، وتحالف «العزم» السنّي، برئاسة مثنّى السامرائي.
ومع إيقان الصدر استحالة تمرير مشروعه برلمانياً، أوعز إلى نواب كتلته (73 نائباً) تقديم استقالاتهم إلى رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، الذي بادر لقبولها أواسط حزيران/ يونيو الماضي.
لم يكن انسحاب نواب التيار الصدري من البرلمان، كافياً بالنسبة لزعيمه، إذ بادر بإعلان «ثورة عاشوراء» احتجاجاً على ترشيح «الإطار التنسيقي» النائب والوزير السابق، محمد شياع السوداني، لإدارة الحكومة الجديدة.
وفي أواخر تموز/يوليو 2022 أقدم انصار الصدر على اقتحام «المنطقة الخضراء» شديدة التحصين، والإعلان فيما بعد عن «اعتصام مفتوح» بدأ داخل المبنى قبل أن ينتقل إلى محيطه؛ لعرقلة مساعي «الإطار» المضي بعقد جلسة البرلمان لتكليف السوداني رسمياً (في 25 من الشهر ذاته) وللمطالبة بحلّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكّرة.
وما زاد من حدّة الأزمة السياسية في تموز/يوليو، كشف المدوّن العراقي المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، علي فاضل، سلسلة تسجيلات صوتية نُسبت لزعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، تضمّنت جمّلة إساءات للصدر و«الحشد» وعدد من الشخصيات السياسية العراقية، الأمر الذي عقّد المشهد.
في موازاة ذلك، استمر «الاعتصام الصدري» داخل المنطقة الدولية، لحين إعلان زعيم التيار الصدري «اعتزاله العمل السياسي» نهائياً، تزامناً مع إعلان رجل الدين الشيعي، كاظم الحائري، عدم استمراره بالعمل الديني، وتلميحه للصدر بترك العمل السياسي.
واستفزّ قرار الصدر أتباعه الذين سرعان ما صعّدوا واقتحموا القصور الحكومية والرئاسية وسط «المنطقة الخضراء» الأمر الذي أدى فيما بعد إلى صدام بين «جيش المهدي» الجناح العسكري للصدريين، وقوات الأمن و«الحشد» المتواجدين داخل المنطقة الدولية.
واستمرت الاشتباكات المسلحة- بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة- عند أسوار «الخضراء» عدّة ساعات، قبل أن يخرج الصدر في كلمة تلفزيونية في 30 آب/أغسطس أمر فيه أنصاره بالانسحاب الفوري من أمام البرلمان وإلغاء اعتصامهم، وأمهلهم ساعة واحدة للانسحاب التام، مقدما اعتذاره للشعب العراقي.
وخلّفت تلك الاشتباكات 10 قتلى وأكثر من 200 مصاب بين قوات الأمن وأتباع الصدر، حسب تقارير صحافية حينها.
ومع انتهاء «الأزمة الصدرية» أعادت الأحزاب السياسية ترتيب أوراقها، بعد أن عزّزت ثقلها برلمانياً بنوابٍ بدلاء عن نواب الصدر المنسحبين، وقررت تشكيل تحالف «إدارة الدولة» يضم جميع القوى السياسية باستثناء الصدريين، ليعقدّ مجلس النواب جلسته لاختيار عبد اللطيف رشيد، رئيساً للجمهورية خلفاً لبرهم صالح، كمرشح تسوية بين «الديمقراطي» و«الاتحاد» في 13 تشرين الأول/أكتوبر.
وما أن صوّت البرلمان لصالح الرئيس الجديد، بادر الأخير بتكليف السوداني تأليف الحكومة الجديدة، وتقديم منهاجها الوزاري في اليوم ذاته.
وبعد مرور أسبوعين، صادق البرلمان العراقي «بالأغلبية» على حكومة السوداني (21 وزيراً) وأجّل التصويت على وزارتي الإعمار والبيئة بسبب خلاف كردي انتهى في تشرين الثاني/ نوفمبر.
وبدأ السوداني مشوار حكومته الجديدة، بكشف تفاصيل عملية فساد كُبرى، تمثلت بسرقة مبالغ الأمانات الضريبية، والتي تقدّر بـ2.5 مليار دولار.
وتمكّن السوداني من القبض على أحد المتهمين في القضية- التي باتت تعرف محلّياً بسرقة القرن، أثناء محاولته الهرب عبر مطار بغداد الدولي، ليُعلن فيما بعد استرداد دفعتين من المبلغ، بواقع 217 مليون دولار.
ومن بين جمّلة الأحداث التي شهدها العراق خلال العام 2022 جاءت حادثة مقتل وإصابة أكثر من 20 شخصاً، في مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار الجنوبية، برصاص قوات الأمن أثناء محاولتها فضّ احتجاجات اندلعت في 10 كانون الأول/ديسمبر الماضي، احتجاجاً على قرار قضائي بحبس ناشط مدني (حيدر الزيدي) على خلفية اتهامه بـ«الإساءة للحشد» وأيضاً المطالبة بحقوق محتجّي أكتوبر 2019.
ر
راحلون
ابالإضافة لجمّلة الأحداث الأمنية والسياسية التي شهدها العراق في 2022 تعرّض المثقفون العراقيون إلى صدمتين تعدّان الأبرز خلال العام، تمثّلت الأولى برحيل الشاعر والمعارض العراقي مظفر النواب.
مظفر عبد المجيد النوّاب (1934-2022) يلقّب بـ«شاعر القصيدة المهرّبة». تعرّض للملاحقة وسجن في العراق، ليعيش بعدها في عدة عواصم منها بيروت ودمشق ومدن أوروبية أخرى.
النواب الذي يعدّ أبرز شعراء العصر الحديث، توفي في مستشفى الشارقة بالإمارات في 20 أيار/مايو 2022 بعد صراع مرير مع المرض ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه بغداد ليتم تشييعه من المقر العام للأدباء والشعراء- وسط العاصمة- ثم إلى ساحة التحرير قبل نقل جثمانه إلى النجف.
وفي خبرٍ صادمٍ آخر للوسط الثقافي العراقي، توفي المخرج العراقي ـ العربي الكاتب الروائي، فيصل الياسري (1933-2022) في العاصمة الأردنية عمّان، في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2022.