تونس ـ «القدس العربي»: كانت السنة المنقضية حافلة بالأحداث السياسية في تونس التي شهدت تنفيذا لما سمي بخريطة طريق الرئيس قيس سعيد للخروج من الوضع الاستثنائي الذي وجدت الخضراء نفسها فيه بعد قيام ساكن قرطاج في صائفة 2021 بتجميد البرلمان وحل حكومة هشام المشيشي. فعلى مدار العام والتونسيون من استحقاق إلى استحقاق بحثا عن الاستقرار ورغبة في الخروج من هذا المستنقع السياسي الذي زاد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تأزما.
وقد استهل الاتحاد العام التونسي للشغل العام بتقديم تحفظاته على خريطة الطريق التي أعلن عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد والتي قيل أنها تنتهي بانتخابات 17 كانون الأول/ديسمبر التي من خلالها تخرج تونس من الوضع الاستثنائي وتعيد بناء مؤسسات الحكم. فقد اعتبر الاتحاد يومها أن هذه الخريطة تندرج في سياق تفرد الرئيس بحكم البلاد واستمرار إقصائه للقوى الفاعلة في المشهد السياسي. كما أعرب عن خشيته من أن تتحول الاستشارة الإلكترونية المعلن عنها ضمن هذه الخريطة إلى أداة لفرض أمر واقع، وقرارات اتخذها الفريق الحاكم سلفا ثم يدعي لاحقا بأن الشعب هو صاحب هذه الاقتراحات ومصدرها.
كما اعتبر الاتحاد أن الاستشارة الوطنية الإلكترونية لا يمكن أن تعوض الحوار الذي يرى فيه السبيل الوحيد لإخراج البلاد من أزمتها على غرار ما حصل خلال أزمة سنة 2013. كما اعتبر الاتحاد أن تحديد موعد للانتخابات هو خطوة هامة لإنهاء الوضع الاستثنائي الذي تمر به تونس، لكنه لا يقطع برأيه مع سياسة الإقصاء المعتمدة من قبل الرئيس سعيد مع الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني منذ إجراءات تموز/يوليو الماضي.
وكان رد ساكن قرطاج على الانتقادات بالتفرد بالرأي بأن بادر في شباط/فبراير إلى حل المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بمجلس مؤقت قام هو بتعيينه عوضا عن المجلس المنتخب من قبل رجال القانون. وتحولت هذه المؤسسة من مجلس للقضاء إلى مجلس للقضاة فقط بعد أن تم إقصاء المحامين من تركيبته وبات المرفق العام القضائي في نظر ساكن قرطاج شأنا يعني القضاة دون سواهم. وتواصل هذا النهج الإقصائي للمحامين لاحقا بعد أن أصبحت تركيبة المحكمة الدستورية العليا تتشكل فقط من القضاة بعد أن كانت تضم محامين وأساتذة قانون في دستور سنة 2014 وتم التراجع على اعتبار المحاماة أحد جناحي العدالة في الدستور الجديد، وذلك في استهداف للمحاماة أثار الكثير من الاستغراب.
وتراوحت المواقف من قرار الحل للمجلس الأعلى للقضاء بين مؤيد يعتبر الخطوة ضرورية للإصلاح، وبين رافض يخشى ذهاب الرئيس باتجاه ديكتاتورية تقطع مع المكتسبات الديمقراطية التي عرفتها البلاد. والحقيقة أداء المجلس القديم لم يرتق إلى المستوى المطلوب لكن ذلك لا يبرر حله بحسب البعض وهو المنتخب من قبل رجال القانون خاصة وأن التجربة أثبتت أن الملفات الكبرى لم تفتح بجدية سواء حين كان هذا المجلس قائما أو بعد حله.
حل البرلمان
وشهدت سنة 2022 حل البرلمان التونسي المجمد نهائيا وذلك في نهاية آذار/مارس من قبل ساكن قرطاج وذلك بعد أن تحرك البرلمان وعقد جلسة افتراضية ألغى بموجبها كل قرارات رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ 25 تموز/يوليو 2021 وثار جدل واسع بين رافضين لهذا الحل وبين مؤيدين له. حيث زاد هذا القرار في تقسيم الشارع التونسي المنقسم منذ سنة 2011 رغم أن البلد لا توجد به طوائف كثيرة ولا أعراق ويطغى عليه التجانس بشكل كبير.
وكان قد سبق حل البرلمان إجراء الاستشارة الوطنية الإلكترونية التي انتقدها الاتحاد العام التونسي للشغل واعتبر بأنها لا يمكن أن تكون بديلا عن الحوار الوطني وأنه لا يمكن المشاركة فيها من قبل كبار السن ممن لا يتقنون استعمال وسائل الإتصال والولوج إلى المنصات. وقيل يومها أن من مخرجات هذه الاستشارة أن التونسيين يرغبون في تغيير شكل النظام ونظام الاقتراع وهو ما يتطلب برأيهم كتابة دستور جديد وتنقيح القانون الانتخابي.
وتطبيقا لخريطة الطريق انطلق حوار لم يضم كل الأطراف السياسية ولم يتم أيضا الأخذ بمخرجاته عند كتابة الدستور الجديد للبلاد والذي تم عرضه على الاستفتاء يوم 25 تموز/يوليو 2022 وسط دعوات للمقاطعة من أحزاب المعارضة. وحسب ما تم الإعلان عنه فإن نسبة الإقبال على الاستفتاء لم تكن في المستوى المأمول لكن نسبة المشاركين الذين صوتوا بنعم لمشروع الدستور الجديد الذي غير شكل النظام التونسي من نظام هجين إلى نظام رئاسوي، كانت مرتفعة.
وكان محتوى مشروع الدستور قد تعرض لانتقادات واسعة من قبل سياسيين وإعلاميين ونشطاء حقوق إنسان وخبراء قانون وغيرهم. وتعددت المآخذ في هذا الإطار والتي من بينها عدم خضوع رئيس الجمهورية لأي نوع من أنواع المساءلة أو المحاسبة، وكذلك إقصاء المحامين وأساتذة القانون من تركيبة المحكمة الدستورية العليا، وذلك بالرغم من أنها ليست محكمة تقليدية وإنما مؤسسة فقهية للتثبت من دستورية القوانين وتطبيق النصوص الدستورية والحسم في عديد المسائل الأخرى. لذلك فإن نسبة هامة من المصوتين بنعم على مشروع الدستور لم يكن تصويتهم بسبب اقتناعهم بمحتوى الدستور وإنما رغبة في القطع مع المنظومة السابقة التي يحملونها المسؤولية على ما أصاب البلد من خراب في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
وصدر المرسوم الانتخابي في 15 أيلول/سبتمبر الماضي استعدادا لانتخابات 17 كانون الأول/ديسمبر وأثار الكثير من الجدل والذي تعلق أساسا بفرض التزكيات المرهقة للمترشحين ومنع التمويل العمومي للحملات الانتخابية. كما تم انتقاد المرسوم لأنه يمس تمثيلية المرأة بعد أن تخلى عن المناصفة التي تم اعتبارها مكسبا استفادت منه المرأة في الاستحقاقات الانتخابية السابقة.
ولعل أهم ما جاء في المرسوم الانتخابي الصادر عن رئيس الجمهورية، في ظل غياب برلمان يشرع قانونا انتخابيا، إقرار نظام الاقتراع على الأفراد في دوائر صغيرة عوضا عن نظام الاقتراع على القوائم المغلقة في دوائر انتخابية كبيرة والذي كان سائدا في السابق. وقد حصل جدل كبير حول الدوائر الانتخابية الجديدة التي لم يعرف على أي أساس تم تقسيمها بتلك الطريقة وكذلك حول نظام الاقتراع على الأشخاص في حد ذاته والذي رأى الكثير أنه سيعيد النعرات القبلية في المناطق الداخلية على وجه الخصوص وسيحول دون وجود كتل برلمانية في المجلس النيابي الجديد.
وزادت الهيئة المستقلة للانتخابات من حدة الجدل الدائر بعد إصدارها لقرارات فتحت من خلالها الباب لامكانية تمويل أفراد من رجال أعمال وغيرهم للحملات الانتخابية للمترشحين. كما منعت التمويل الحزبي حتى وإن انتمى المترشح لحزب سياسي وذلك بتعلة تورط الأحزاب خلال العشرية السابقة في تمويلات مشبوهة أثرت على إرادة الناخب في الاستحقاقات الانتخابية السابقة.
ودارت الحملات الانتخابية في جو يخلو من الحماس وغاب عنه البهرج بسبب ضعف الامكانيات المادية للمترشحين وأيضا بسبب وجود مرشح وحيد في بعض الدوائر نتيجة لصعوبة الحصول على التزكيات خصوصا لمن كانت له التزامات مهنية وغيرها. كما غابت المظاهر المقززة التي كانت تبرز نتيجة لاستغلال بعض الأحزاب لمآسي التونسيين وذلك لتنظيم حفلات ختان لأبناء الفقراء أو زيجات جماعية أو لشراء أضاحي العيد وغيرها من المظاهر التي كانت تعطي الانطباع بوجود المال الفاسد وشراء ذمم الناخبين.
وتم تنظيم الانتخابات في موعدها المقرر في ظل انقسامات حادة تعرفها البلاد وفي ظل سحب صندوق النقد الدولي لملف تونس من جدول أعمال مجلس إدارته وإرجاء النظر فيه في اجتماعه المقبل بعد رأس السنة. ويرجح أن السبب هو عدم استكمال تونس لموازنتها العامة لسنة 2023 التي يريد الصندوق الإطلاع عليها على ما يبدو لإعطاء موافقته النهائية بشأن القرض الذي وافق على منحه خبراء الصندوق في وقت سابق.
ولعل ما ميز الانتخابات التشريعية هو نسبة الإقبال الضعيفة التي تجاوزت 11 في المئة بقليل بسبب عوامل عديدة، منها ما تتحمله المنظومة الحالية، ومنها ما تتحمله المنظومة السابقة. فالمسؤولية عن العزوف عن الشأن العام بالنسبة للتونسيين مشتركة ولا يمكن لأي طرف التنصل منها حيث جربوا في السابق الذهاب إلى صناديق الاقتراع لكن حالهم لم يتغير بل ازدادت أوضاعهم المعيشية سوءا.