تقدم الأكاديمية والمستعربة السلوفينية كاتارينا بيسكوفا في هذه الدراسة التي نقدم ترجمتها العربية قراءة استكشافية في تجربة الكاتب المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس. يبدو حرص الكاتبة واضحا على الوصل بين هذه التجربة الاستثنائية، والمسافة النقدية الواضحة التي احتفظ بها المبدع مع الواقع السياسي والاجتماعي القاتم في سوريا الحديثة وتحولاته الممتدة الى ربيع 2011.
ونوس ومشروع «التسييس»
بعد انصرام شهور على «النكسة» وبتأثير رغبته في كتابة عمل يقدم صورة واقعية عمًا عاينه في سوريا من تأثير للهزيمة على الجهات الرسمية وعامة الشعب، كتب سعد الله ونوس مسرحيته «حفلة سمر من أجل خمسة حزيران». حدث ذلك في الفترة التي كان المسؤولون فيها عاجزين عن مواجهة واقع الهزيمة. وتتيح هذه المسرحية المثيرة للجدل طرح سؤال رفض الكثير من الناس فكرة النقاش. كانت المسرحية من حيث الشكل مختلفة عما هو مألوف وسائد. وقد كتبت بوصفها مسرحية داخل المسرحية، وبواسطة ممثلين يختلطون بالجمهور داخل قاعة المسرح، ويعلقون على ما يحدث فوق الركح.
وبالاحتكام الى تعليمات سعد الله ونوس، فإن المسرحية ينبغي أن تبدأ ببعض التأخير كي نزرع القلق وسط الجمهور، وعلى المخرج أن يأتي بعد ذلك إلى الركح كي يعتذر ويلوم الكاتب بسبب هذا التأخير، وبدا أن الكاتب سحب عمله الموسوم «سفير الأرواح» الذي كان من المفروض عرضه بسبب دعائيته ومحتواه المغلوط. قدّم المخرج ملخصا للمسرحية التي تجري أحداثها خلال حرب الأيام الستة، بيد أن جانبا من الجمهور شرع في الاحتجاج لاعتقادهم أن المسرحية تقدم صورة زائفة عما حدث. وقد قدم المخرج في محاولة منه لوقف الجدال فرجة فلكلورية تقليدية لتعويض الجمهور عن المسرحية الملغاة. بيد أنه لم يكن من السهل إخراس الجمهور، ولم يلبث خطاب المخرج الموالي للنظام أن أصبح عرضة للمقاطعة بواسطة شهادات وحقائق صحيحة وواقعية مصدرها الجمهور. تدخلت الشرطة في النهاية وكانت النتيجة اعتقال المخرج وبعض المتفرجين. اختتمت المسرحية بدعوة الجمهور إلى تطبيق ما تعلموه أثناء هذا العرض.
كان ونوس يأمل من خلال هذه المسرحية، في استهلال الجدال الذي من شأنه تحفيز وتحريض الجمهور على التعبير بحرية عن مواقفه ووجهات نظره حيال ما يحدث فوق الركح، ومساءلة كل ما يقال، ليس فقط أثناء العرض المسرحي، وإنما أيضا في الواقع، وقد انتقد بشكل واضح الحكومة والزعماء السياسيين والمؤسسات الرسمية في خصوص النتائج الكارثية للحرب وعواقبها الثقيلة على الشعب، وأساليب القمع التي يوظفها النظام من أجل حظر أي نقد أو نقاش شعبي.

اعتبر العديد من النقاد هذه المسرحية واحدة من أفضل أعمال ونوس، فيما شكلت بالنسبة إليه مجرد بداية للمشروع الذي اختار له اسم مسرح التسييس. استشعر العديد من الكتاب والمثقفين بعد هزيمة 1967 الرغبة في كتابة أعمال تعيد مساءلة وتحديد أسس الثقافة العربية في ذلك التاريخ والتراث. وكانت المحصلة مقتربات إبداعية للأدب والفن. وقد أدان بعض النقاد النزوع إلى تجاهل وإنكار أثر التراث والدين والتاريخ في الهزيمة. خلص ونوس بتأثير عواقب هزيمة 1967 إلى حقيقة أن المسرح خيب آمال الشعب السوري بعجزه عن التفاعل مع التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في سوريا.
اعتقد ونوس بتأثير استلهامه من المسرح الملحمي البريشتي الذي تمثلت غايته في تحويل الركح المسرحي إلى منتدى سياسي بضرورة تحول المسرح إلى انعكاس صحيح وحقيقي للقضايا والأسئلة الراهنة للجمهور. وحسب ونوس فإن ما يميز المسرح عن الأشكال الفنية الأخرى يتمثل في خاصيته الاجتماعية. وهذا ما يفسر الأهمية التي ينبغي إيلاؤها للمتفرجين، باعتبارهم الهدف الرئيسي للفرجة المسرحية. ويتمثل ما كان يصبو إليه ونوس في تحريض الجمهور على التفكير النقدي أثناء العرض، بهدف التمييز بين الكذب والحقيقة في حياتهم اليومية. كان ونوس يأمل في تأسيس شراكة وتفاعل بين المسرح والشعب، وكان على قناعة بضرورة أن يتعلم كل من المسرح والشعب من بعضهما بعضا.
احتكاما إلى ما أورده عبدالعزيز عبدالله في دراسته، فإن الخلوص المتأخر إلى المسرح السياسي في السياق العربي كان في آن واحد محصلة القمع المطرد للحرية الفردية واستشراف النضج السياسي. غير أن عناصر من المسرح السياسي كانت موجودة في تجارب مسرحية عربية سابقة، من قبيل يعقوب صنوع وأحمد خليل القباني. يتمثل سعد الله ونوس فعل التسيييس المسرحي بوصفه ضرورة للعصر، ويروم من خلاله تربية وتوعية الجمهور الذي كان ينوء تحت وطاة الجهل والتخدير السياسي، بسبب تخوف من يملكون السلطة من تمرده عليهم.
كان من جراء أفكاره الثورية نقده الشرس للحكم إن منعت مسرحية «حفلة سمر من اجل خمسة حزيران» وكان على ونوس الانتظار الى حدود سنة 1971 كي يتاح له تحويلها إلى عرض مسرحي. وقد ظلت المسرحية رغم ذلك متاحة للقراءة، لكن ما أن جرى تحويلها إلى عرض مسرحي حتى حظيت باستقبال كبير من لدن الجمهور والنقاد.
تستلهم مسرحيته «الفيل يا ملك الزمان» 1969حكاية جحا التي تروي قصة فيل الملك الذي عاث فسادا في المدينة وساكنتها، وعوض التقدم بالشكوى إلى الملك فإنهم آثروا بتأثير الخوف اقتراح تزويج الفيل؛ وهو ما تسبب في مضاعفة آلامهم وبؤسهم. ينتقد ونوس في هذه المسرحية سلبية الشعب حيال السلوك الأرعن للزعيم وخوفهم من الدفاع عن أنفسهم حيال طغيانه.
الفلكلور بوصفه مصدر إلهام
بدأت علاقة ونوس بالحكايات الشعبية العربية شأن كل الفنانين منذ طور الطفولة. وقد حدث ذلك بتأثير أصوله القروية البسيطة، حيث تحتفظ حياة الساكنة بروابط وثيقة بالفلكلور، بيد أن الدافع الأول للوصل بين اشتغاله الأدبي والفلكلور العربي بدأ أثناء دراسته في فرنسا ولقائه بالمخرج المسرحي الفرنسي البارز جان لوي سيرو، الذي سيكون لأفكاره وتصوراته المسرحية، الأثر الكبير على التطور اللاحق للكاتب المسرحي الشاب واختياراته الفنية. وقد سأله في معرض حوار أجراه معه عام 1968عما ينبغي أن يفعله كاتب مسرحي من أجل تأسيس مسرح عربي في بيئة لا تتوفر على تقاليد في الفرجة المسرحية، وقد أكد جان لوي سيرو في معرض الجواب، أن النهل من التراث الفلكلوري يعتبر نقطة انطلاق جيدة وحبلى بالإمكانات. وقد استند ونوس إلى هذه النصيحة كي يبدع نصوصا مسرحية تستلهم التراث الشفهي الحكائي العربي بطريقة أو بأخرى.
أصبح ونوس أكثر وعيا بالإمكانيات التي يزخر بها التراث الفلكلوري، بيد أن موقفه من طرائق توظيفها في المسرح كانت تختلف عن تصور توفيق الحكيم وآخرين. كان ثمة اعتقاد سائد عند العديد من الكتاب ونقاد الأدب، بأن أحد سبل تأسيس مسرح عربي أصيل وإكسابه طابعا خاصا، تتمثل في استناده إلى التراث والتاريخ العربيين. ولم يكن ونوس مقتنعا بهذا الرأي، وكان على يقين من أن الاستناد إلى الفلكلور ليس كافيا أو مجديا ما لم يفلح في تعويض اندحار في الثقافة أو الحضارة، وكان يتمثل الأهمية القصوى للحكايات الشعبية العربية في محتواها المتجذر في الذاكرة الجمعية للشعب. كان الموروث الحكائي الفلكلوري مثل «ألف ليلة وليلة» والسير الملحمية تروى على امتداد القرون من لدن حكواتيين وتنتقل في أوساط الشعب من جيل لآخر. كان الحكواتي ذاته تمثيلا للأشكال المسرحية العربية الأولى بفعل مزاوجته بين السرد والفرجة والشعر أحيانا. واستنادا إلى ونوس فإن أفضل طريقة لتوظيف الفلكلور في المسرح بصرف النظر عن تطبيقه الفني، يتمثل في أن يكون شكله وبنيته العضوية مندغمين داخل المسرحية.
توقف سعد الله ونوس في الطور الأخير من تجربته في الكتابة المسرحية عن توظيف الفلكلور والحكايات المستقاة من ألف ليلة وليلة في أعماله. وقد اعترف في هذا الخصوص بعزوفه عن هذا النوع من التناص بفعل وطأة التأثير السلبي لوسائل الإعلام الرسمية وتحول هذا الفلكلور من ثم إلى تسلية جماهيرية مقرفة وفارغة لا تهدف إلا لتضليل المتفرجين وتخدير عقولهم.
الأعمال المسرحية
تستلهم مسرحيته «الفيل يا ملك الزمان» 1969حكاية جحا التي تروي قصة فيل الملك الذي عاث فسادا في المدينة وساكنتها، وعوض التقدم بالشكوى إلى الملك فإنهم آثروا بتأثير الخوف اقتراح تزويج الفيل؛ وهو ما تسبب في مضاعفة آلامهم وبؤسهم. ينتقد ونوس في هذه المسرحية سلبية الشعب حيال السلوك الأرعن للزعيم وخوفهم من الدفاع عن أنفسهم حيال طغيانه. تتأسس مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر» 1970على حكاية تاريخية عثر عليها في مغامرات الظاهر بيبرس. استعمل ونوس في هذه المسرحية الحكواتي كي يروي حكاية خيانة في مقهى محلي في الركن الآخر من الركح، وقد وظف ونوس الحكواتي بغاية استشراف الأثر التغريبي والحيلولة بين الجمهور والتماهي مع الشخصيات وتحديدا المملوك جابر. وكان الحكواتي يذكر الجمهور باطراد بأن ما يشاهدونه ليس إلا مسرحة للأحداث.
سوف تتطور أعمال ونوس تدريجيا وفق اتجاه يروم إشراك الجمهور في صناعة الفرجة. وسوف تشكل مسرحيته اللاحقة سهرة مع أبي خليل القباني استعادة لتجربة اشتهرت بتلقائيتها واختيارها الارتجال والتفاعل مع الجمهور. وتتركز المسرحية على حياة فنان كان عرضة لسوء الفهم في بيئة معادية وتفترض في هذا السياق ان أفعال الفرد لا يمكنها أن تؤدي إلى إصلاح المجتمع، ولن تبوء بغير الفشل. استلهمت مسرحية «الملك هو الملك» 1977 إحدى حكايات ألف ليلة وليلة التي تحمل اسم «حكاية النائم واليقظان» والتي يصبح فيها ابن أحد التجار خليفة لمدة يوم واحد. سعى ونوس في هذه المسرحية إلى مساءلة اشتغال السلطة المطلقة وآلياتها في التطويع والترهيب. كما راهن من خلال طرائق التشخيص واختيار الملابس إلى استشراف الأثر التغريبي. أصيب ونوس بعد أن عاين فشل مشروعه المسرحي في تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي المأمول في حالة اكتئاب. وفاقمت اتفاقية السلام التي أبرمها السادات مع إسرائيل من حدة الحالة. وكان من جراء ذلك أن انقطع عن الكتابة لعقد من الزمان. وكانت عودته إلى الكتابة عام 1989 بمسرحية «الاغتصاب» التي سعى من خلالها في محاولة للتصالح مع ذاته إلى رسم صورة إيجابية للشخصية الإسرائيلية.. وكانت هذه المسرحية آخر عهده بمشروع التسييس ليركز اهتمامه على حياة ومصائر الأفراد.
ما تفتأ ذكرى سعد الله ونوس حاضرة عند السوريين، وقد تمثل ذلك أثناء مظاهرات ربيع سوريا 2011 حيث رفع المتظاهرون يافطات كتب عليها: إننا محكومون بالأمل. وهي الكلمات التي وجهها ونوس إلى الجمهور بمناسبة اليوم العالمي للمسرح عام 1996 قبل أيام قليلة من وفاته. وقد تحولت رؤيته القاتمة للواقع السياسي في سوريا إلى حقيقة ونبوءة. وكما يؤكد ماثيو ماكناوخت، فإن الدلالات الضمنية لكلماته لم تفهم إلا بعد انصرام سنوات على رحيله.