الانتهاكات استمرت بأشكال مختلفة، على الرغم من تشكيل حكومة محمد شياع السوداني الجديدة واتخاذها بعض الخطوات الإيجابية تجاه تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان.
بغداد ـ «القدس العربي»: وثّقت منظمة «مدافعون لحقوق الإنسان» العراقية، مقرّها واشنطن، جمّلة انتهاكات شهدها العراق خلال العام الماضي 2022 شملت عدداً من الملفات من بينها الأحداث التي رافقت احتجاجات أكتوبر 2019 فضلاً عن المغيبين والمختفين قسراً، وملاحقة المؤسسات الحكومية للناشطين والصحافيين قضائياً، الأمر الذي اعتبرته «تراجعاً» في منحنى الديمقراطية بالعراق، وانحداراً نحو «السلطوية».
وذكرت المنظمة في تقريرها- جاء بـ18 صفحة- أن العام الماضي شهد «الكثير من الاخفاقات في عمل مؤسسات الدولة، وخاصة في تحقيق العدالة في انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالسنوات السابقة، والتي وعدت (الحكومة السابقة) في برنامجها بتقديم المسؤولين عن الانتهاكات إلى العدالة».
وأضاف التقرير أن الحكومة السابقة برئاسة مصطفى الكاظمي، «تشكلت كنتيجة لتظاهرات (انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2019) وغضب شعبي مطالب بالإصلاح والخدمات وحماية الحقوق والحريات، وبعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام».
ووفقاً للتقرير فإن الانتهاكات «استمرت بأشكال مختلفة، وعلى الرغم من تشكيل حكومة محمد شياع السوداني الجديدة في تشرين الأول/أكتوبر 2022 واتخاذها بعض الخطوات الإيجابية تجاه تحقيق العدالة وحماية حقوق الإنسان، إلا ان الوقت لا يزال مبكرا والنتائج لا تزال غير ملموسة للتحدث عن تغيير حقيقي». وأشارت المنظمة إلى أنه «مع طي صفحة عام 2022 من الضروري مراجعة أهم الانتهاكات التي استمرت بدون إجراءات مسائلة أو تم ارتكابها خلال هذا العام» معتبرة أن الغاية الأساس من تقريرها هو أن يكون «مرجعا سريعا أمام الرأي العام المحلي والدولي والسلطات للاستفادة منه، أو لتحسين أدائها في التعامل مع ملف حقوق الإنسان».
ويشير التقرير «استمر التسويف في ملفات انتهاكات حقوق الإنسان المتراكمة من سنوات، والتي مرت عليها حكومات متعددة ووعود متكررة بتحقيق العدالة ولكن بلا إجراءات حقيقية».
وتحت بنّد المفقودين والمختفين قسراً، كشف التقرير عن تقديرات للجهات الرسمية أفادت بتلقيها نحو 11 ألف شكوى وإبلاغ تتعلق بفترات مختلفة «منها خلال فترة سقوط المدن تحت تنظيم داعش، وخلال حكم التنظيم، ثم خلال فترة تحرير المناطق من داعش من قبل القوات الأمنية العراقية مدعومة بالتحالف الدولي والمجاميع الساندة، وأخيرا فترة بداية سيطرة الجهات الأمنية الرسمية أو الساندة للمدن».
وحسب الابلاغات والشكاوى، يرى التقرير أن «الجهات المتهمة أما مجهولة أو تنظيم داعش أو القوات الأمنية العراقية أو المجاميع المسلحة» موضحاً أنه «على الرغم من تشكيل لجان ووعود بالتحقيق في القضية إلا ان الإجراءات تكاد تكون معدومة، فلا توجد قاعدة بيانات مركزية حول الأسماء ولا خطة وطنية واضحة للعمل في الملف ومسؤوليات كل مؤسسة غير واضحة».
ويرى الخبير في حقوق الإنسان، العضو السابق في مفوضية حقوق الإنسان، الدكتور علي البياتي، إن ملف المغيبين «يتم استثماره سياسياً».
ويقول البياتي لـ«القدس العربي» إن «ملف حقوق الإنسان والمغيبين كان من المفترض ان يكون ملفاً لحقوق الإنسان لكنه تحول إلى ملف سياسي، وأصبح الحديث عنه في فترة الانتخابات وتشكيل الحكومات» مبيناً أنه «لا توجد أي خطوات مؤسساتية حقيقية في متابعة هذا الملف».
وطبقاً للبياتي فإن «اللجنة الأممية التي زارت العراق قبل نحو شهرين، أكدت على جملة من النقاط؛ أبرزها عدم وجود قاعدة بيانات لإعداد المفقودين والمختفين قسرا والمغيبين لكي يتم التحرك على ضوئها، بالإضافة إلى غياب الإجراءات الحقيقية والقانون الذي يضع حلول حقيقية لمعالجة هذا الملف ومحاسبة الجينات وجبر الضرر».
وأشار تقرير المنظمة الحقوقية إلى إن ملف النازحين «لا يزال متلكئاً وفيه انتهاكات واضحة ضد المدنيين، فعلى الرغم من إعلان الحكومات العراقية السابقة بعزمها إغلاق الملف بالكامل في (2019 – 2021) لا تزال التقارير الدولية تتحدث عن مليون ألف نازح» مؤكداً إن 25 في المئة فقط من هذا العدد مسجل لدى وزارة الهجرة.
في هذا الشأن يقول البياتي إن «لجنة الأمر الديواني 46 التي عملنا معها في فترة مفوضية حقوق الإنسان، تسلمت أكثر من 10 آلاف و500 شكوى حول المفقودين، لكن الملف تمت إحالته إلى الإشراف القضائي وهذا أمر مستغرب». وحسب البياتي فإن «الإرادة السياسية لا تريد لهذا الملف ان يُحل، وهي تريده ان يبقى مستمراً ضمن الدائرة السياسية». وعلى الرغم من عودة نحو خمسة ملايين نازح إلى مناطقهم الأصلية، لكن لا يزال هناك نحو مليون و200 ألف نازح في المخيمات، حسب البياتي الذي أفاد بأن «التقارير الدولية دليل على فشل الحكومة في معالجة هذا الملف واستمرار بقاء هؤلاء العوائل وانتهاك حقوقهم».
وأضاف: «هذه التقارير تؤكد فشل الحكومة في إنهاء ملف النازحين» مبيناً أن «هذا الملف يحتاج إلى جهود حقيقية وتوفير الظروف للعودة الطوعية».
لكنه رأى إن «هذه الظروف لا يمكن لوزارة الهجرة والمهجرين الاتحادية ان تهيئها وحدها، بل نحتاج إلى جهود تتشارك فيها المؤسسات الأمنية والخدمية، وأيضا جهود المصالحة المجتمعية في مناطق النزوح».
وأفاد البياتي بأنه أن «كانت الحكومة مقتنعة بان قسماً من هؤلاء النازحين لا يمكن إعادتهم إلى مناطقهم الأصلية، فمن المفترض عليها ان تؤمن لهم ظروفا للإقامة الدائمة والسكن الدائم في مناطق أخرى، وعدم تركهم في المخيمات التي لا تصلح بالأساس للسكن البشري طويل الأمد».
ومن بين جمّلة الملفات التي وثّقها تقرير المنظمة الحقوقية، ذلك الذي يتعلق بـ«الدعاوى ضد المنتقدين لأداء السلطات» مستشهداً بمواجهة البياتي دعوى قضائية تم تقديمها من قبل الحكومة العراقية، حيث تم استقدامه في شباط/ فبراير 2022 بموجب المادة 434 من قانون العقوبات العراقي لعام 1969.
وحسب التقرير فإن الأمانة العامة لمجلس الوزراء اتهمت البياتي بـ»التشهير» خلال تعليقات متلفزة أدلى بها في كانون الأول/ديسمبر 2020 أعرب فيها عن قلقه بشأن مزاعم بأن «المعتقلين الذين اعتقلتهم هيئة خاصة أنشأها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي للتحقيق في الفساد تعرضوا للتعذيب».
وحسب البياتي فإن قوة أمنية من وزارة الداخلية داهمت منزله في بغداد فجر 12 أبريل/نيسان 2022 بحثا عنه، على الرغم من عدم وجود أي مذكرة إلقاء قبض بحقّه.
ويؤكد البياتي ضرورة أن «تكون هناك إجراءات حقيقية وتحديداً من مجلس القضاء الأعلى بعدم تسلّم أي شكوى تقوم بها مؤسسة من مؤسسات الدولة ضد الناشطين والصحافيين والإعلاميين. هذه المؤسسات وجدت لخدمة المواطن وليس الدخول في قضايا قانونية ضده».
واعتبر الخبير في مجال حقوق الإنسان أن دخول هذه المؤسسات ورؤسائها وشخصيات سياسية في مواقع مهمة بهذه القضية «سيكون له تأثير كبير على المواطنين والقضاء» مشدداً على وجوب أن «تكون هناك وقفة من مجلس القضاء الأعلى لما يجري من انتهاكات لحقوق الإنسان من قبل السلطات وجهات سياسية عند تعرضهم إلى انتقاد، في حين هم ينتقدون بتصريحاتهم ومنصاتهم من دون اتخاذ أي إجراءات تجاههم».
واعتبر أن «من المؤسف اننا لم نسمع ولم نر أي مطالبات تتعلق بتحقيق العدالة في الانتهاكات التي حدثت في فترة التظاهرات عام 2019 وما بعدها، أو محاسبة كل من تسبب بسقوط الشهداء والجرحى في هذه التظاهرات» مضيفا: «هذه مسؤولية تقع على عاتق الدولة والحكومة والقضاء العراقي».
وأكد أهمية أن «تكون هناك خطوات حقيقية لإعادة الثقة بين هذه المؤسسات والمواطنين، وخلاف لذلك فإن اية تظاهرات مستقبلية ستشهد انتهاكات وسقوط قتلى وجرحى، على اعتبار ان من أمن العقاب ساء الأدب».
وختمت المنظمة الحقوقية تقريرها بمجموعة توصيات، معتبرة أن «استمرار هذه الانتهاكات تولد قناعة لدى الفرد العراقي على عدم قدرة الدولة في حماية الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور العراقي، والصكوك الدولية المصادق عليها من قبل العراق، بل عدم وجود إرادة سياسية لذلك» موضحة أن «منحنى النظام السياسي الديمقراطي في تراجع وانحراف خطير نحو مسار سلطوي».
ولاحظ التقرير أن «ثقة الشعب بالنظام السياسي والعملية السياسية أصبحت شبه معدومة، حيث ان وجودها أصبح شكليا فقط، من خلال انتخابات كل أربع سنوات بلا تغيير حقيقي أو اهتمام بهموم المواطن» محذّراً من أن «فقدان الثقة التامة بالنظام والدولة قد يليه شعور بالعداوة مع الدولة، والذي قد ينتهي بتمرد عليها».
ودعت المنظمة المجتمع الدولي- من خلال تعامله مع القوى السياسية المحلية في العراق- إلى الحذّر من «المساهمة بشكل وآخر بتقويض النظام الديمقراطي ودعم التحول إلى نظام سلطوي» مؤكدة أن «احترام حقوق الإنسان وحماية الحريات هو السبيل الوحيد لبناء نظام ديمقراطي وازدهار حقيقي وتحقيق الاستقرار في البلد».