أحد الأسئلة المطروحة في علم الاجتماع السياسي حاليا يدور حول فعالية مفهوم يُطلق عليه اسم «القوة الناعمة» في التأثير على توجهات الشعوب اجتماعياُ وسياسياً. وهو منهج تستخدمه في العادة الدول الكبرى الغنية ذات المصالح الاقتصادية والسياسية الضخمة في محاولاتها استقطاب مواقف مؤيدة لها في دول العالم الثالث.
الأكاديمية والباحثة اللبنانية الدكتورة حوراء حوماني اعتمدت على نظرية عالم الاجتماع ـ السياسي الأمريكي جوزف ناي، الذي أصدر في عام 2007 كتاباً هاماً بعنوان «القوة الناعمة، وسيلة النجاح في السياسة الدولية» وعلى نظريات كبار الاختصاصيين العالميين والإقليميين في هذا المجال لتصل إلى معالجة كيف تتم صناعة وتوظيف «القوة الناعمة» الأمريكية في أفلام السينما في هوليوود التي تتناول إيران، خصوصاُ في فترة ما بعد الثورة الإسلامية هناك.
جوزف ناي، مطلِق نظرية «القوة الناعمة» برز كأستاذ للعلوم السياسية وعميد لكلية «جون كينيدي» في جامعة هارفرد الأمريكية، كما تولى مناصب رسمية عدة بينها رئاسة «مجلس الاستخبارات الوطني» ومنصب مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية في حكومة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وتقول الكاتبة ان مؤلفاته حول «القوة الناعمة» و«القوة الذكية» شكلت مصدراً رئيسياً لتطوير السياسة الخارجية الأمريكية في عهدي الرئيسين الأمريكيين بيل كلينتون وباراك أوباما.
لعل لب مفهوم «القوة الناعمة» هو السعي للتوصل للأهداف السياسية والاقتصادية من خلال وسائل ترغيبية غير عسكرية.
أما في ما يخص بإيران، فبعد انقطاع العلاقة بين البلدين (واشنطن وطهران) بعد ثورة عام 1979 لجأت أمريكا إلى أساليب متنوعة للتأثير في الرأي العام الإيراني خصوصا، والعالمي عموماً، حول سلبية صورة إيران في ظل النظام الثوري الإيراني واستخدمت أمريكا السينما التي تنتجها هوليوود (كإحدى الوسائل) بالإضافة إلى الإعلام المرئي والمسموع ووسائل أخرى لتحقيق أهدافها.
الفصل الأول يتناول مفهوم «القوة الناعمة» كما ورد في طروحات ونتاج جوزف ناي، وكما استخدمه اختصاصيون وأكاديميون آخرون، أما في قالب آخر قبل ناي أو كما طوروا المفهوم استناداً إلى نظرية ناي الأساسية.
تقول في الصفحة (20): «يُعرّف ناي القوة الناعمة بانها القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام (أو دفع الأموال) وهي تنشأ من جاذبية ثقافة بلدٍ ما والترويج لها ولميزاتها والوصول إلى الاقناع بان سياسة هذا البلد مشروعة في عيون الآخرين ومرفوضة من جانب خصومه» ويعتبرُ ناي هذا التوجه عنصراً ثانياً في السياسة الدولية.
وحسب قول حوماني فالحديث عن «القوة الناعمة» بدأ مع نهاية الحرب الباردة، وصارت اليوم أساسية في عصر المعلوماتية إذ تلعب الأفلام السينمائية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في نشرها وتستخدمها دول عدة بالإضافة إلى أمريكا، وبينها الصين وروسيا والهند وتركيا بالإضافة إلى الدول الأوروبية، ولكن ربما ليس بنفس الفعالية الأمريكية.
وتشمل «القوة الناعمة» الإعلام بكل وسائله والسينما وإنشاء الجامعات الأجنبية والمستشفيات التابعة لها وبرامج تبادل الطلاب والمنظمات غير الحكومية ومراكز الأبحاث الدولية المتواجدة في سائر أنحاء العالم.
وتصنف الكاتبة أفلام هوليوود الأمريكية التي استهدفت إيران بين عامي 1979 و2016 إلى فئتين: الأولى تركز بشكل متوسط أو قليل على إيران الثورة 14 فيلما والفئة الثانية هي الأفلام التي تتحدث برمتها عن إيران: عشرة أفلام. ولكن هذا التقسيم لا يعني ان أفلام الفئة الأولى أقل سلبية في جميع مقاطعها، بل على العكس فمنها ما هو شديد السلبية نحو الثورة الإيرانية، حسب المؤلفة.
ومن أفلام الفئة الثانية فيلم بعنوان «آرغو» عُرِضَ عام 2012 وأخرجه واضطلع ببطولته الممثل الأمريكي بن آفليك. ويتناول قضية الرهائن الأمريكيين الذين احتجزتهم مجموعات طلابية ثورية إيرانية في السفارة الأمريكية في طهران بعد انتصار الثورة. يصوّر هذا الفيلم (حسب المؤلفة): همجية مقتحمي السفارة الأمريكية، من خلال تعذيب المحتجزين ورفض إطلاقهم على اعتبار انهم جواسيس لأمريكا، ويسجل اتجاهاً سلبياً جداً إذ يصف إيران بانها دولة إرهابية مهددة للأمن العالمي وغير متعاونة في الساحة الدولية. ويظهر النظام في الفيلم متشدداً ومتطرفاً في مواقفه، ويعتمد على إضفاء الشرعية على ما قامت به أمريكا حينها في مواجهة فعل الاحتجاز والمساهمة في إطلاق الرهائن (ص 254 و255).
كما تتواجد برأي حوماني توجهات مماثلة في فيلم «سيريانا» الذي عُرِضَ عام 2005 ويسير في خطوط تنتقل بين إيران، أمريكا، سويسرا، إسبانيا ولبنان ويركز على النفط والمصالح السياسية وكواليسها الاستخبارية وتأثيراتها على السياسة العالمية ليبين أهمية النفط والاقتصاد في هذا المجال، وهو من بطولة جورج كلوني، الذي لعب دور ضابط عمليات في وكالة الاستخبارات الأمريكية أوكلت إليه مهمة اغتيال في بيروت تستهدف أميراً إماراتياً معارضاً يوكل كلوني (اسمه في الفيلم بوب بارنز) فيه عملية الاختطاف والقتل لشخص يسمى موسوي، الذي يتضح انه يعمل لمصلحة إيران، فيخطف موسوي بارنز ويعذبه بوحشية وببرودة أعصاب. ويتم الحديث في الفيلم عن الأوضاع الداخلية في إيران ومحاولات أصحاب أكبر الشركات النفطية الأمريكية مساعدة المعارضة الإيرانية على التحرر من النظام الحالي بهدف تغييره. (ص 160).
ويسجل فيلم «سيريانا» (حسب المؤلفة) اتجاهاً سلبياً جداً ضد إيران إذ يصور الإيراني منافقاً دينياً يُظهر علناً غير ما يبطن. كما يبدو الإيراني الذي ينتمي إلى الاستخبارات مستورداً للسلاح من أمريكا ومتاجراً به مع إرهابي عربي. كما تظهر إيران غير متعاونة مع النظام الدولي لناحية رفض التفتيش الدولي، وداخلياً تصور قمعية لناحية الفصل الجنسي والاحتشام القسري الإجباري وإقفال الصحف، بينما أمريكا تظهر متعاونة لمنع استمرار مثل هذه الأوضاع والمساعدة في تحرير إيران. كما يظهر التعذيب لبارنز وكأنه حدثَ في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت. (ص 162) أي في منطقة تسيطر عليها الأحزاب الشيعية اللبنانية وخصوصاً حزب الله.
أما فيلم «Crossing Over» «الانتقال» عُرضَ عام 2009 وهو من بطولة هاريسون فورد، فيسجل اتجاهاً سلبياً جداً نحو الشخصيات الإيرانية فيه، وبينها الأب المؤيد للنظام والمحرض على القتل، والأخ القاتل بحجة الشرف وغسل العار، والأخ الآخر المتستر على جريمة قتل اخته. وصوِرت العائلة الإيرانية على انها تنبذ من يتجرأ على العيش بحرية فيها، بالإضافة إلى تصوير النظام الإسلامي في إيران كرافض وقامع للمعارض له ما يُجبر الأخير على الفرار منه، كما يعتمد الفيلم على إضفاء الشرعية على ما تقوم به الولايات المتحدة من إبعاد المهددين لأمنها من المهاجرين إليها غير المقتنعين بمبادئها. (ص 175).
وبين أفلام الفئة الثانية، يبرز انتقاد المؤلفة لفيلم «رجم المرأة ثريا» الذي عُرضَ عام 2008 والذي يستند إلى رواية للصحافي من أصل إيراني فريدون شهاب جام، ويروي واقعة «حقيقية» لامرأة إيرانية اسمها ثريا قضت رجماً على يد أهالي قريتها بتهمة زنى باطلة. هذا الفيلم يركز على الظلم ضد المرأة وتعرضها للعنف وعدم الانصاف في الحكم الإيراني ويصور رجل الدين الملتوي مستغلاً لموقعه ولسلطته الدينية وللمرأة. وتظهر دولة إيران بعد الثورة ظالمة وفاسدة وعنيفة وقاسية وغير حضارية وغير إنسانية. (ص 209 و210).
ثم تورد المؤلفة فيلم «Rose water» «مياه الورد» الذي عُرض عام 2014 المبني على مذكرات صحافي بريطاني من أصل إيراني، يلعب دوره الممثل الإسباني غايل غارسيا بيرنال، والذي، لدى زيارته إيران لتغطية الانتخابات الرئاسية عام 2009 كمراسل لمجلة «نيوزويك» الأمريكية، وخلال إقامته في إيران، يتعرض للاعتقال من قبل السلطات الإيرانية بتهمة تخابره مع جاسوس أمريكي، والجاسوس المتهم كان الإعلامي الأمريكي جون ستيوارت، عندما ظهر معه في حوار تلفزيوني ساخر.
ويحقق ذلك الفيلم (حسب المؤلفة) اتجاهاً سلبياً جداً إذ يُظهر إيران كدولة غير ديمقراطية لا تقبل الأصوات المعارضة، بل تعمد إلى قمعها وتعنيفها جسدياً ونفسياً واعتقالها تعسفاً، كما يُظهر إيران كدولة «متلاعبة» بالانتخابات حسب ما روجت له وسائل الإعلام الغربية في حينه». (ص 225 و226). وترى المؤلفة انحيازا كبيرا في فيلم «لن اغادر دون ابنتي» الذي عُرضَ عام 1991 ونال رواجاً في الغرب. وتعتبر هذا الفيلم ذي اتجاه سلبي جداً لأنه يحمل رسائل مشوهة للنظام الإسلامي في إيران كنظام متشدد ومتطرف يطبق القوانين بالعنف، وكنظام متحيز للرجل الذي لا يحترم المرأة، بل يظلمها ويقمعها.
وتتساءل الكاتبة لماذا لا تشجب هذه الأفلام الأمور السلبية جداً في السياسات الخارجية الأمريكية ولا تعارض بشدة الحملات العسكرية الأمريكية ضد شعوب المنطقة؟ كما تقول: «لماذا لا توجه نقداً صلباً لسياسات إسرائيل في فلسطين ولقمعها للشعب الفلسطيني وتعدياتها المستمرة عليه؟ ولماذا تصور هذه الأفلام الإرهاب وكأنه نابع فقط من إيران ـ الثورة الإسلامية وحلفائها في المنطقة وليس من خصومها؟».
هذه أسئلة مشروعة ويجب طرحها (كما فعلت المؤلفة) كما يجب أيضاً طرح موضوع بعض الإيجابيات في سياسة «القوة الناعمة» بالإضافة إلى كثرة سلبياتها، فقد أنشأ الغرب مؤسسات أجنبية لدعم مصالحه في المنطقة أصبح بعضها ذا إفادة لشعوبها كبعض المستشفيات المتطورة والجامعات المتقدمة علمياً والتي درّست بعض كبار القادة الوطنيين والمناضلين في العالم العربي والشرق الأوسط، بالإضافة إلى تدريبها وتخريجها بعض أبرز الاختصاصيين في الطب والهندسة والعلوم عموماً.
الدكتورة حوراء حوماني: «إيران وهوليوود»
دار رياض الريس للنشر، بيروت 2023
309 صفحة.