بغداد ـ «القدس العربي» ـ ووكالات: تستعد قوى سياسية عراقية لحشّد الشارع للخروج بتظاهرات أمام مبنى البنّك المركزي، الأربعاء المقبل، احتجاجاً على الارتفاع الجنوبي لسعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي، والذي تجاوز عتبّة الألف و600 دينار مقابل الدولار الواحد، الأمر الذي يُهدّد الحكومة حديثة العهد، برئاسة محمد شياع السوداني، والتي لم تجدّ حلاً يُنهي هذا الاستنزاف للعملة المحلّية.
أعباء إضافية
وذكر المكتب السياسي لحركة «وعي الوطني» في بيان صحافي، الأحد فإن «استمرار ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الدينار، جعل المواطن العراقي أمام أعباء إضافية، فضلاً عن إرباك في السوق العراقية المحلية، وما يسببه من ركود وسط عدم وجود أجوبة مقنعة لدى الجهات الرسمية».
وأكدت الحركة مساندة «كل احتجاج سلمي هادف ومشروع، ودعت «تنظيماتها وتشكيلاتها إلى المشاركة والمساهمة في مختلف الفعاليات الرامية إلى إيجاد حلول مستعجلة، ومنها احتجاج بعد غد الأربعاء الساعة الثانية عشرة ظهراً، أمام مقر البنك المركزي في العاصمة بغداد».
وتعزو حكومة السوداني الارتفاع المتواصل لسعر الصرف، إلى ما تصفها «السياسات المالية الخاطئة» التي اتّبعت في السابق.
وذكر رئيس الوزراء، في كلمة له ضمن نشاط سياسي نظمه «تيار الحكمة» أول أمس في بغداد، إن حكومته «تواصل دعمها للبنك المركزي بإعادة صرف الدولار، ونعمل على إنهاء السياسات المالية الخاطئة، ولقد اتخذنا جملة من القرارات الجريئة لدعم الدينار العراقي، ونحذر من استغلال الأزمة» مستدركاً: «لم يرتفع سعر الصرف بقرار حكومي، وإنما هناك من استغل الظروف».
وأكد على «أولية مكافحة الفساد ومواصلة الحكومة إسناد السلطة القضائية والجهات المختصة للعمل على استرداد الأموال المنهوبة، كما نسعى لتخفيف الفقر المستوطن في عدد من المدن». في السياق أيضاً، تحدث زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، أبرز الداعمين لوصول السوداني إلى دفّة الحكم، عن «الصعود الجنوني» للدولار، فيما أكد أن «الحلول تكمن بالجلوس مع الأمريكان وسيطرة الدولة على حركة المصارف والحوالات».
وقال في لقاء تلفزيوني، إن «أزمة الدولار تعود لعدم السيطرة على حركة الدولار والحوالات التي كانت لمستوردين وتجار وحركة بنوك» مبيناً أن «الأمريكان يراقبون وسلاحهم في العالم الدولار وأي دولة يريدون إخضاعها يخضعونها بالدولار، وكل المحاولات لإيجاد عملة تنافس الدولار لم تنجح».
وأضاف: «نحن حريصون من هذا السلاح الأمريكي، من التلاعب والتبييض، لكن حصل تلاعباً وتهريباً ومخالفات من بعض البنوك والتجار، والحكومة تعلم بذلك، وهذا يؤثر على مخزوننا من الدولار كذلك».
ورأى أن «أزمة الدولار في الآونة الأخيرة، أخذت طابعاً سياسياً يُراد منه ضرب الحكومة، وجعلها لا تستطيع إيقاف التداعيات الخطيرة» مؤكداً أن «هنالك من يتربص بالحكومة وبالدولة من بوابة الدولار».
وأشار إلى أنه «لا حل لأزمة الدولار، إلا بضبط حركة المصارف والحوالات وضبط الدولار من التهريب إلى دول الجوار، وعلى الحكومة أن تصل إلى مرحلة من الضبط لا يسمح بحركة الدولار خارج السياقات المعتمدة والذهاب للأمريكان والاتفاق معهم».
وقال أيضاً إن «أزمة الدولار حقيقية وخطيرة وقابلة للإطالة».
ووسط ذلك، يقول مسؤولون إن العراق يواجه فجوة عميقة في ماليته العامة بسبب «حملة قمع الفساد وتهريب الدولار» من قبل الاحتياطي الفدرالي الأمريكي منذ الاستيلاء على أموال الأمانات الضريبية المعروف إعلاميا بـ«سرقة القرن». وكانت الأزمة التي من المتوقع أن تتفاقم في الأسابيع القليلة المقبلة ناجمة عن انهيار التجارة اليومية بالدولار من خلال مزاد للعملة يديره البنك المركزي العراقي.
وتعتمد الحكومة العراقية، حسب تقرير لموقع ميديل أيست أي البريطاني، على المزاد في تحويل الدولارات التي تجنيها من عائدات النفط، إلى دينار عراقي.
وفي العام الماضي، تم بيع حوالي 200 مليون دولار يومياً في المتوسط من خلال المزاد إلى البنوك والشركات الخاصة. لكن هذا الرقم انخفض بشكل حاد في الشهرين الأخيرين من العام، حيث انخفض إلى متوسط يومي يبلغ 56 مليون دولار بحلول أواخر ديسمبر، وفقاً للبيانات المنشورة.
«سيضعف قيمته»
وتواجه الحكومة الآن نقصاً في عملة الدينار مما جعلها تكافح لدفع رواتب القطاع العام والوفاء بالتزاماتها الشهرية الأخرى، حسب التقرير.
غير أن أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة نبيل المرسومي، حذّر أمس، من طبع المزيد من الدينار، مؤكداً إن ذلك الإجراء «سيضعف قيمته».
وذكر في «تدوينة» له، أن «شح الدينار العراقي اللازم لتغطية النفقات العامة، ومنها الرواتب، أحد أكبر المشكلات التي سيواجهها قريباً البنك المركزي العراقي بسبب الانخفاض الكبير في مبيعات البنك المركزي من الدولار الأمريكي، ما قد يضطره إلى طبع المزيد من الدينار، وهو ما سيضعف قيمته ويزيد من ارتفاع الأسعار ويفاقم الفقر والبطالة في العراق».
ستنظم بعد غد أمام البنك المركزي… وموقع بريطاني يكشف عن عمليات تهريب العملة
وقال مسؤول كبير في البنك المركزي العراقي، للموقع البريطاني، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، «المشكلة التي نواجهها الآن في العراق هي ندرة الدينار العراقي، وليس الدولار».
ونفى المسؤولون العراقيون الذين تحدث إليهم الموقع، وجود أي صلة مباشرة بين الأزمة الحالية وما يُعرف بـ«سرقة القرن» والتي سُرقت فيها حوالي 2.5 مليار دولار من مصلحة الضرائب العراقية، من خلال بنك مملوك للدولة، بين أيلول/ سبتمبر 2021 وأغسطس/ آب 2022.
لكنهم أقروا أن مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي فرض ضوابط أكثر صرامة على البنوك الخاصة التي تشتري الدولار من خلال المزاد قبل شهرين، بعد أسابيع فقط من كشف وزارة المالية العراقية عن تفاصيل السرقة في 10 أكتوبر/ تشرين الأول.
وقال السوداني في أكتوبر/ تشرين الأول إن معظم الأموال المسروقة يعتقد أنه تم تهريبها إلى خارج العراق.
وسبق أن أكد القاضي حيدر حنون، رئيس هيئة النزاهة، إن العراق طلب المساعدة من الحكومات الصديقة والمنظمات الدولية والأمم المتحدة لاستعادة الأموال المسروقة.
قال أحد مستشاري السوداني، الذي تحدث إلى الموقع بشرط عدم الكشف عن هويته، إن مجلس الاحتياطي الفدرالي بدأ في فحص التحويلات المالية الخارجية في محاولة لتتبع الأموال المسروقة.
وزاد «هذا تسبب في تأخير الإفراج عن التحويلات وأدى إلى انخفاض مبيعات الدولار من خلال المزاد». وبين أن مجلس الاحتياطي الفدرالي قدم أيضاً شيكات على مصدر الأموال التي تحتفظ بها البنوك الخاصة المشاركة في المزاد، مما دفع العديد منها إلى الانسحاب ورفع سعر الصرف غير الرسمي.
وفي أواخر كانون الأول/ ديسمبر، عقد «الإطار التنسيقي» أكبر تحالف سياسي داعم للحكومة، اجتماعا في بغداد لمناقشة ارتفاع تكلفة الدولار والأزمة في الأسواق العراقية.
«مؤشرات خطيرة»
واقتصر الاجتماع على كبار قادة الائتلاف والسوداني ومحافظ البنك المركزي مصطفى غالب، الذي قال في الاجتماع إن مجلس الاحتياطي الاتحادي لديه «مؤشرات خطيرة» على عمليات تهريب الدولار إلى دول الجوار، حسب قيادي حضر الاجتماع.
وقال أحد الحضور إن غالب عيّن بنكين مصريين مقرهما في دبي تم تحويل معظم الدولارات التي تم شراؤها في المزاد إليهما. ثم تم تحويل الدولارات إلى عمان في الأردن، ثم إلى إيران.
وقال القيادي إن أربعة بنوك عراقية خاصة حولت الجزء الأكبر من الأموال إلى البنكين المصريين تلقت أوامر من البنك المركزي العراقي بوقف التعامل معها في تشرين الثاني /نوفمبر، بناء على توجيه من مجلس الاحتياطي الاتحادي.
ووفقًا لوثيقة أطلع عليها الموقع البريطاني أمر البنك المركزي أيضاً البنوك والمؤسسات المالية الأخرى بوقف التعامل بالدولار مع البنوك الأربعة «لأغراض التدقيق».
وتم الطعن في ذلك، في الدعاوى المرفوعة ضد البنك المركزي من قبل البنوك الأربعة، مصرف الأنصاري الإسلامي للاستثمار والتمويل، ومصرف القبض الإسلامي للتمويل والاستثمار، ومصرف آسيا العراق الإسلامي للاستثمار والتمويل، ومصرف الشرق الأوسط العراقي. وبنك الاستثمار.
لكن قضاياهم رفضت هذا الأسبوع من قبل محكمة الخدمات المالية التي أكدت حق مجلس الاحتياطي الفدرالي في منعهم من التعامل بالدولار. قال مستشار مالي مشارك في تحقيق «سرقة القرن» إن هذه الواقعة قد زودت مجلس الاحتياطي الفدرالي بـ «دليل قاطع على سرقة الأموال الحكومية التي تم أخذها بأدوات حكومية.
وبين أن: «لم يتمكنوا من غض الطرف عنها». وفرت الحافز المطلوب لمجلس الاحتياطي الاتحادي لفرض إجراءاته على البنوك الخاصة والبنك المركزي العراقي.
وأضاف: «إنهم (الأمريكيون) يبحثون عن هذه الفرصة منذ عام 2014 للانقضاض على مبيعات مزاد العملات الأجنبية، لكن رؤساء الوزراء السابقين حصلوا دائماً على استثناءات بحجة شراء الكهرباء والوقود وأشياء أخرى من إيران».
وتحتاج الحكومة العراقية ما لا يقل عن ثمانية تريليونات دينار (حوالي 5.5 مليار دولار) شهرياً لدفع رواتب موظفي الحكومة والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية وضحايا «الإرهاب» وغيرهم، ويتم تأمين ذلك بشكل كبير من خلال مزاد العملة.
ويأتي معظم هذا من عائدات النفط العراقي، التي تم دفعها منذ عام 2003 بالدولار في حساب يحتفظ به بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك.
وتقوم وزارة الخزانة الأمريكية بتحويل 10 مليارات دولار سنويًا إلى البنك المركزي العراقي من عائدات مبيعات النفط، من أجل تعزيز رصيد العملة الأجنبية لديها. ويتم تسليم هذا المبلغ نقدًا على أربعة أقساط. قال مسؤولون إن جميع الدولارات جديدة ولديها أرقام تسلسلية مسجلة لدى الاحتياطي الفدرالي لتسهيل تتبعها.
وبعد ذلك يقوم البنك المركزي العراقي ببيع الدولار عبر مزاد العملة الأجنبية وقنوات أخرى للحصول على دينار لصالح وزارة المالية.
والآن تسبب تراجع المبيعات بالدولار في نقص الدنانير للبنك المركزي العراقي. حتى في ذروته، لا يجمع المزاد عادة ما يكفي لتلبية 275 مليون دولار التي تحتاجها الحكومة كل يوم.
ويتم تغطية هذا النقص عادة من مخزونات العملات التي يحتفظ بها البنك المركزي، من خلال القروض الداخلية بين البنك والحكومة، عن طريق طباعة المزيد من العملات، أو من خلال الأنشطة المالية الأخرى.
وتُظهر بيانات مزاد العملات الأجنبية للسنوات الأربع الماضية التي استعرضها الموقع أن كمية الدولارات المتداولة ظلت مستقرة، بمتوسط حوالي 200 مليون دولار يومياً خلال عامي 2019 و2020، على الرغم من انخفاض أسعار النفط ووباء كوفيد والركود.
قرارات للسوداني لتثبيت سعر الصرف
ترأس رئيس مجلس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أمس الأحد، اجتماعاً مع اتحاد الغرف التجارية العراقية، خُصص، «للبحث في أسباب تقلبات سعر الصرف للعملة الأجنبية في السوق العراقية وتأثيرها على المواطنين، ووضع معالجات حاسمة بهذا الشأن».
وحضر الاجتماع «محافظ البنك المركزي العراقي، والمديرون العامّون للمنافذ الحدودية، والضريبة، والجمارك، والمعارض التجارية» وفي بيان لمكتب السوداني، أكد «اتخاذ عدّة قرارات تصبّ في مسار تثبيت سعر الصرف ومنع التلاعب، والحد من الضرر في عجلة الاقتصاد الوطني».
ومن الإجراءات التي اتخذت « فتح نافذة جديدة لبيع العملة الأجنبية لصغار التجّار عبر المصرف العراقي للتجارة» وأيضا تمويل البنك المركزي للمصرف العراقي للتجارة بمبلغ إضافي قدره 500 مليون دولار أمريكي لغرض فتح الاعتمادات المستندية لصغار التجار، والاكتفاء بالفاتورة الأولية ورقم حساب المستفيد الأخير من الاعتماد».
كما شملت «إطلاق استيراد السلع والبضائع للشركات المسجلة لدى دائرة تسجيل الشركات في وزارة التجارة الاتحادية بجميع أنواع الشركات والمصانع المسجلة لدى المديرية العامة للتنمية الصناعية والمشاريع الاستثمارية بجميع أنواعها المرخصة أصولياً من هيئات الاستثمار، والمكاتب العلمية المسجلة أصولياً والأفراد والمكاتب المسجلين لدى الغرف التجارية العراقية المشمولة بشرط إجازة الاستيراد أو غير المشمولة».
ومن بين الإجراءات كذلك «تسهيل إجراءات الاستيراد وتقليص متطلبات فتح الاعتمادات المستندية، وإلغاء إعمام الهيئة العامة للضرائب الخاص بفرض غرامات تأخيرية على المستوردين وباقي المكلفين بالهيئة العامة للضرائب، إشراك غرف التجارة واتحاد الصناعات في جلسات المجلس الوزاري للاقتصاد، ممثلين للقطّاع الخاص».
وقال السوداني، خلال الاجتماع إن «مسؤولية مواجهة التقلبات في السوق المحلية هي مسؤولية مشتركة، وذات بعد أخلاقي ووطني، ويتحتم على الجميع الاستجابة لها، سواء في القطاع الخاص أم العام».
وشدد على «إعادة النظر في عمل الهيئة العامة للضرائب، وأن يكون عملها وفق معايير النزاهة والقانون» وأكد أن الحكومة «لن تتساهل إزاء أي ضرر يكون المواطن ضحيته».
وأعرب عن جدّية الأجهزة الحكومية في إجراء الإصلاحات الاقتصادية ومعالجة التردّي والتراجع الذي تسببت به القرارات الخاطئة في السنوات السابقة.