قرأت في السابق مقولة للشاعر أمبرتو أكابال يقول فيها: «ربّما لم تكن الكتابة في الجوهر سوى احتضار بطيء» ولا أعرف لِم خطرت ببالي وأنا أقرأ كتاب «أنا قادم أيها الضوء» للكاتب والصحافي الاستقصائي المصري محمد أبو الغيط، الذي رحل عن عالمنا هذا مؤخراً. لربما لم أكن أستوعب فكرة أن تكون الكتابة احتضارا، لكن وأنا الآن أقرأ تلك التفاصيل المؤلمة عن معاناة أبو الغيط مع المرض، أدركت أنه لم يكن يقاوم السرطان فحسب، بل لربما كان يقاوم فكرة أن يموت دون أن يترك كتابا يبقى بعده، إذ «يضاعف الألم الجسدي من حدة إدراك المرء دائما» على حد تعبير هان كانغ.
فلم تكن الكتابة بالنسبة له مجرد هواية يمارسها كما يمارس الكثير من الأشياء الأخرى، يقول: «أكتب لأن الكتابة ببساطة تمنحني شعورا أفضل» كما أن «الكتابة تمنح البشر للمرة الأولى جانبا ولو محدودا من ذلك الحق الإلهي في الخلود» من وجهة نظره. يعود مرة أخرى للقول: «بالنسبة لي الكتابة كأنها إفراز طبيعي، لا أملك له دفعا ولا تفسيرا. كما أن النحلة لا يمكنها بالطبيعة إلا أن تصنع عسلها، والنار لا يمكنها بالطبيعة إلا أن تكون ساخنة حارقة، النمور متوحشة والأرانب أليفة، والماء بارد، فأنا أيضا لا يمكنني بالطبيعة إلا أن أكتب.»
وقد ذكر في الكتاب أنه كان يفكر أو لديه مشروع روايتين، لكن لحكمة إلهية تعطل ذلك المشروع إلى الأبد، وجاءت سيرته «أنا قادم أيها الضوء» لتختصر حياة أبو الغيط المكثفة التي حقق فيها إنجازات تتجاوز عمره بمراحل، يقول: «كأنما طويت حياتي وكثفت، فمنحتني الكثير من السعادة والتوفيق». وأعتقد أن حياته المكثفة، وما أحرزه بسن صغيرة، يعادل سنوات وسنوات قضاها البعض في إنجاز جزء بسيط مما حققه من نجاح ومحبة، إنه التكثيف الذي منحه وجودا كما تمنى، فأمثاله لا يمرون في الحياة هكذا بدون أن يحدثوا فارقا يصعب تخطيه. يقول: «ما لم يتغير قط هو بحثي عن ذلك الضوء الذي يشع من الأرواح الطيبة؛ ضوء التعاطف مع الإنسان من حيث كونه إنسانًا قبل أي شيء آخر.. «
إنه الجوهر الإنساني الذي يعيش في الداخل والذي لا يمكن أن ندركه إلاّ حين تضيق بنا السبل، ونتعثر بضوئه في غمرة الألم، ليصبح طاقة خلاص رهيبة نتشبث بها، وأعتقد وحده ذلك الجوهر الإنساني ما جعله يكتب عن شريكة حياته إسراء معبرا عن امتنانه الشديد لها، يقول: «في تلك الليلة قبل النوم قالت لي إسراء فجأة وبكل هدوء: إذن فلتفكر ماذا تريد أن تفعل في الوقت المتبقي؟ هل هناك مدينة تود زيارتها؟ أكلة تريد تذوقها؟ كيف أساعدك لنمنح ابننا ذكريات سعيدة؟ في ذلك اليوم لمحت الضوء في عينيها، ضوء جمال الجوهر الإنساني». ويعود مرة ثانية للقول: «كلما تذكرت تلك الأيام فلا أتصور كم العظمة والقوة اللتين تختفيان خلف الوجه الرقيق لإسراء».
كتابات محمد أبو الغيط ليست صادقة صدق من ينتظر نهاية أيامه بالحياة، بل صادقة ذلك الصدق الذي لا يحتاج نهاية أو بداية لنعرف أنه كذلك، وهذا ما تفسره لغته. ولغته ليست تلك الكلمات التي عبر بها عن هذه الفكرة، وشرح بها، بل هي اختياره لهذه الكلمة بدل تلك، فهو يرى أن «الكلمة كالبذرة، لا يمكن إدراك مداها فور انطلاقها.»
وتظهر لغته في الأسلوب الذي تحدث به عن والديه، وعن أبيه الذي أخذ عنه مهنة الطب ومحبة الأدب، والنبل في أجمل صوره الإنسانية، يقول: «تعلمت منه العرفان بالجميل والتعبير عن ذلك علنا». وعن أمّه التي زرعت فيه حب الاكتشاف، يقول إن: «شيئا واحدا لم تنجح في غرسه في، وهو قدراتها الخاصة على الدعاء بيقين الإجابة»، كما اعتبر زوجته إسراء امتداد لذلك الفيض من الأصالة والشهامة التي تميزت بهما والدته فيقول: «وكأن مواقف أمي الأصيلة مع أبي في أثناء تعثره المالي في البدايات، عادت لترد إليَّ من إسراء الأصيلة الشهمة». وعن القراءة يكتب: بالنسبة ليَّ ليست تسلية ولا هواية، بل عمل بالغ التركيز، لا يصاحبه أي أعمال أو أفكار أخرى. لا أقرأ أبدا إلا بصحبة قلم أو الـ(نوتس) على هاتفي، أسجل ملاحظات وتعليقات تصنع فهرسا خاصًا لي. هذا وقت للنسيان».
أما عن المرض، الفكرة التي دعته لنشر هذا الكتاب فيقول: «اسعدوا بكل يوم طبيعي… بالطبع اطمحوا واسعوا بأقصى الجهد للأفضل، لأنفسكم وأسركم وبلادكم، لكن إن لم يحدث فلا بأس، كل يوم من المعافاة هو إنجاز عظيم». وعن الصدق الذي يدعونا للتصديق يقول: «لكن إسراء تقول إني أبالغ في الدراما، وإني بعد ما خسيت بقيت أحلى. تصمم أنها لا تجاملني، أحببت أن أصدقها فصدقتها».
إنه أسلوبه الذي تشرحه الأفكار التي وردت بين الأسطر، الأسلوب الذي يظهر إلى أي مدى كانت شخصيته مميزة، لذا يرى بول فاليري أن «الأسلوب يكلف غاليا.»
كان أبو الغيط يتعامل مع المرض بوعي شديد، لأنه أولاً طبيب، ووالده أيضا طبيب وأخته كذلك، وثانيا لأن لديه أيضا ثقافة موسوعية تؤهله لفهم كل ما يتعلق بالمرض دون الاستهانة بالعلم، يقول: «أومن بالعلم، وبخطواته البطيئة المترددة لكنها تتقدم باستمرار». وفي سياق آخر، يقول: «أشعر بغيظ شديد ممن ينشرون الآمال الكاذبة حتى لو بحسن نية، أما من يفعلونها عمدا فهم عندي كالمجرمين».
ما يلفت الانتباه في شخصية أبو الغيط من خلال كتابه هذا صلابته برغم المرض، يقول: «دائما هناك تحدي عدم اختزال الشخص في معاناته»، وأيضا قوة حججه وآرائه في الأدب والسياسة والعلم، وحديثه عن نشأته طفلا، وكيف كان متفوقا في المدرسة، إذ سرد تفاصيل حدثت له أيام الطفولة وكأنها البارحة، كعقوبة معلمه له، وكيف ضربه بدون سبب، حتى أنه لم ينس ألم ذلك «الضرب»، وكأنه بالنسبة له أول ظلم وأول ألم يتعرض له في حياته.
جميلة هي تلك العلاقة التي نشأت بينه وبين نباتاته، يقول: «يزداد شغفي بنباتاتي، وكذلك تزداد آلامي»، إذ ربط شغفه بها ومرضه بالسرطان بقصة الكاتب الفلسطيني حسين البرغوثي في سيرته «سأكون بين اللوز»، فكلاهما أحبا النباتات وعانى السرطان وعاشا أيضا في الغربة، الفرق أن حسين البرغوثي عاد ومات في فلسطين، يقول: «حكى الشاعر محمود درويش أنه قبل رحيل حسين البرغوثي بأيام فقط سأله: هل الجمالي في الشعر يحدّ من الرؤية؟ هكذا مات البرغوثي وهو يناقش. حين عدت للكتاب أدهشني كم يكتبني في مواضع عدة، ومنها اندلاع شغفه الزراعي.»
تحدث أيضا بامتنان واحترام كبيرين عن والد زوجته، كما امتن أيضا للكثيرين من بينهم الدكتور حسام عبد الله الذي تعرف عليه في غربته في لندن، وعنه يقول: «تعلمت منه أهمية الاحتفاظ بالمراجعة الذاتية النقدية دائما، وأن مواجهة الأصدقاء والرفاق بالاختلاف معهم يتطلب شجاعة قد لا تقل عن مواجهة الخصوم».
أذكر أنني عرفت أبو الغيط قبل أشهر فقط من وفاته من خلال منشورات بعض المثقفين عنه، ورأيت محبة الناس له، ما يؤكد أنه بالفعل شخص استثنائي، وهكذا بشر يتركون خلفهم ضوءا لن ينطفئ نوره بسهولة. يقول في كتابه: «الغرس لا يتطلب قدرات خاصة. قد يكون كلمة واحدة فقط لا أكثر، لكنها كلمة طيبة كشجرة طيبة. أتمنى لو كانت بعض كلماتي طيبة، وقد انغرست في أماكن لا أدري عنها شيئا، وقد تلامس فروعها السماء يوما ما.»
أما الذي يقرأ «أنا قادم أيها الضوء» فلن يصعب عليه اكتشاف ذلك، إذ يملك أبو الغيط الكثير من التواضع و النبل اللذين يفسران محبة الناس له، ويظهر ذلك حتى في خياراته اللغوية، فدائماً الطريقة التي نستدل بها على الآخرين هي كتاباتهم، إذ عرف كيف يسرد تفاصيل مرضه ليس بابتذال من يسعى لاستعطاف الغير، بل بنبل من يريد أن يكرم من وقف معه في محنته و أولهم زوجته إسراء التي لا يتوانى في ذكر جمائلها التي لا تنتهي، على حد تعبيره، إذ حكى كيف أنهم «حوشوا» نقودا لوقت الحاجة، وحين طلبها منها لأجل شراء النباتات وافقت فورا، هنا أراد أن يبين عظمة هذه المرأة بحياته، وعظمة كل الأمور الجيدة التي قامت بها لأجله.
تحدث بطريقة مؤلمة جداً عن ابنه يحيى، لدرجة تشعر أنه كان يموت فعليا حين يأتي على ذكره، لذا يقول الشاعر والكاتب وعالم الأحياء الموزمبيقي ميا كوتو: «كم تتسع نفوسنا لدفن تلك الميتات الصغيرة التي نموتها»، فيا ترى كم اتعست نفس أبو الغيط بالحياة لدفن ميتاته الكثيرة حتى يصل إلى خاتمتها وهي الموت الفعلي الذي بكاه ورثاه فيه كل محبوه؟
وقد ذكر ذلك في الكتاب حين قال: «هناك. من تحدث بصيغة الماضي، إنت كنت كذا؛ فشعرت أنه يعاني وأني متّ بالفعل.»
هذا الكتاب لا يخص أبو الغيط وحده، بل يخص كل واحد فينا، إنه دعوة للتعامل مع بعضنا بإنسانية وتعاطف، ففي الكتاب عبارة يقول فيها: «التعاطف هو ما يحميني ويحمي الجميع، فالأصل ألا نؤلم بعضنا»، ويقول أيضا: «ما أبشع قدرة الإنسان على الشر، وما أجمل قدرته هو نفسه على الخير».
بعبارات مكثفة أراد أبو الغيط أن يفلسف الألم، الألم الذي يدخل حياتنا دون موعد مسبق ليقلبها رأسا على عقب، فبين عشية وضحاها تصبح حياتنا الطبيعية حلما نفعل المستحيل لأجل تحقيقه. إنه أيضا كتاب عن شخص استثنائي أنجز الكثير في وقت قصير وهو الذي يرى أن «المشاعر يمكن أن تختلق، فتصدق، فتتحول حقيقة.»
فمن يقرأ «أنا قادم أيها الضوء» سيكتشف أمورا أخرى عن أبو الغيط، لا يمكن اختصارها في مقال، فأمثاله لا يمكن أن يموتوا لمجرد انتهاء رحلتهم بالحياة، بل سيظلون أحياء بكل الأشياء التي قاموا بها لأجل الغير.
يقول بورخيس: «عندما يموت الكتّاب يصبحون كتبا وهو في النهاية تجسد ليس سيئاً للغاية». وقد ذكر أبو الغيط ذلك في كتابه: «مهما عشت فإن حياتي، والعالم كله، كذرة غبار لا ترى على شاطئ ذلك الكون الفسيح. لكن الكتابة قد تجعل ذرتي ألمع بين باقي الذرات على الأقل. هذه صيحتي: محمد أبو الغيط مرَّ من هنا».
محمد أبو الغيط: «أنا قادم أيها الضوء»
دار الشروق، القاهرة 2022
315 صفحة.