بيروت – «القدس العربي»: 4 سنوات مرّت على انتفاضة 17 تشرين/أكتوبر، التي غصّت ساحاتها بعشرات الألوف من المواطنين الذين استفزهم فرض رسم 6 دولارات شهرياً على فاتورة “الواتساب”، فنزلوا إلى الشوارع للاحتجاج في وجه المنظومة الحاكمة، وهزّوا أساساتها ووضعوا العديد من قادة السلطة تحت المحاسبة انطلاقاً من شعار “كلن يعني كلن”.
هذه الانتفاضة الشعبية، ذكرت بانتفاضة الاستقلال في 14 آذار/مارس 2005 مع فارق أن الثانية التي شارك فيها نحو مليون لبناني تركّزت في ساحة الشهداء وأدت إلى خروج الجيش السوري من لبنان، فيما ثورة 17 تشرين انتشرت على مساحة الوطن بدءاً بساحتي الشهداء ورياض الصلح في وسط بيروت انتقالاً إلى ساحة النور في طرابلس مروراً بجل الديب والزوق وجبيل وصولاً إلى صيدا والنبطية وصور مروراً بخلدة وبرجا صعوداً إلى عاليه وبحمدون وتعلبايا.
ولكن بعد هذه السنوات الأربع فرغت الساحات، وكأنها استسلمت للصمت، بعدما شكّلت عصب الثورة. ولم يبق من الانتفاضة سوى ذكريات وشعارات مكتوبة على جدران الأبنية في الوسط التجاري للعاصمة اللبنانية الذي لاتزال آثار التخريب واضحة على محلاته التجارية المغلقة، وعلى شوارعه المقفرة نهاراً والمظلمة ليلاً.
غارات على المحتجين
وعليه، فإن حلم التغيير الذي راود الشعب اللبناني بعدما توحّد لأيام في مواجهة السلطة الفاسدة تبدّد لاحقاً تحت وطأة قمع أحزاب السلطة، وخصوصاً مناصري الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) الذين نفّذوا أكثر من غارة على المحتجين في وسط بيروت وجسر الرينغ وفي ساحة النبطية وخيم صور من دون أن يتمكنوا من الوصول إلى جل الديب أو الزوق أو طرابلس. لكن الجيش اللبناني تولى المهمة في هذه المناطق وفتح الطرقات بالقوة.
جائحة “كورونا” وقرارات التعبئة العامة حالت دون حصول تجمعات، قبل أن يعود الأمل بحصول تغيير بعد تفجير مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2000 وقدوم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي فوجئ الثوار بلقائه أركان السلطة وأحزابها وبينهم ممثل “حزب الله” المتهم بالتسبّب بالأزمة الاقتصادية والمالية نتيجة حروبه في سوريا واليمن وتعكيره علاقات لبنان بأشقائه العرب والدول الخليجية. وهذه السنة حاولت مجموعات من المجتمع المدني إحياء ذكرى 17 تشرين فنظّمت تجمعاً خجولاً في ساحة الشهداء لاستعادة ذاكرة ساحات بيروت بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاعها الثورة وانطفائها في الساحات مع تسجيل نجاحها في الانتخابات النيابية بتحقيق خرق لافت بإيصال 13 نائباً إلى المجلس النيابي.
حصل هذه الخرق، مع مجموع أصوات تفضيلية بلغت 472000 صوت كادت لو لم تتشتت اللوائح أن توصل إلى البرلمان أكثر من 20 نائباً قياساً لنيل “حزب الله” 340000 صوت مكّنته من ايصال 15 نائباً و175000 صوت “للقوات اللبنانية” مكّنتها من إيصال 19 نائباً و125000 للتيار الوطني الحر مكّنته من ايصال 17 نائباً.
وخلال هذا التجمع، وزعت الأعلام اللبنانية والورود البيضاء على الحضور، وانضم إلى المجموعات نواب شاركوا في انتفاضة تشرين أبرزهم: مارك ضو، نجاة صليبا، فراس حمدان، ملحم خلف، ميشال الدويهي، ورامي فنج الذي أبطلت نيابته اخيراً لصالح فيصل كرامي. وقد شارك هؤلاء بإعادة “قبضة الثورة” إلى ساحة الشهداء تدليلاً على أن الثورة لن تصبح ذكرى بل هي مسار لبنان الجديد، وأن الشعب اللبناني أثبت أنه لا يرضخ للذل أبداً، وأنه قادر على المطالبة بحقوقه في الساحات حتى يحققها.
ووفق ما قال بعض الناشطين في الانتفاضة لـ “القدس العربي” فإن “الثورة ولو تراجع زخمها في الساحات بسبب التهديد اليومي للناس في لقمة عيشهم والأعباء الحياتية التي تثقل كاهلهم إلا أنها لم تبلغ مرحلة الإحباط التام”.
موجة تحررية
وقال أحد كوادر 17 تشرين، سمير سكاف لـ “القدس العربي”: إن “الثورة هي موجة ثورية بدأت في 17 تشرين وانتهت مساء 15 أيار/ مايو مع نتائج الانتخابات النيابية في انتظار موجة ثورية ثانية لأن الثورة مستمرة لأنها أجرت نقلة نوعية في تفكير الناس وصارت أفكارهم ثورية وصارت إرادتهم بالتغيير وعدم سكوتهم ثابتة”.
وزاد: “عمّت الثورة وجمعت كل المناطق اللبنانية وكل الطوائف والمذاهب اللبنانية من دون شعارات حزبية وطائفية من أجل توحيد المطالب، وكان (اتحاد ساحات الثورة) أحد أذرعتها الأساسية في كل التحركات الكبرى مثالاً على ذلك”.
وواصل: “الثورة اعتمدت شعار (كلن يعني كلن) وأرادت بذلك وضع كل أركان السلطة تحت المحاسبة، وهي لم تسمح بركوبها من أي حزب كان بعكس الاتهامات التي طالتها”، موضحاً أن ” 17 تشرين قامت ضد الفساد والهريان وواجهت السلطة في الشارع وكشفت استحالة أي إصلاح في ظل بقاء هذه الطبقة السياسية الحاكمة وبقاء سلاح حزب الله”، معتبراً أن “الثورة وضعت آلية تغيير تنطلق من حكومة انتقالية واستقلال القضاء وإعادة الأموال المنهوبة وتحقيق المواطنة في دولة القانون”.
وأوضح أن “تراجع الناس من الساحات كان بسبب موجة كورونا غير المتوقعة حيث طلبنا من الناس الخروج من الساحات ولم نستطع للأسف إعادتها، ثم جاءتنا الأزمة الاقتصادية والمالية الكارثية وبعدها جاءتنا أزمة البنزين وتبعها ارتفاع سعر الدولار وتعب الناس. إنما أعود وأقول إن الناس لم تخذلنا وأعطتنا في الانتخابات أكثر مما أعطت الآخرين، وفعلياً قمنا بتسونامي حسب ما وعدنا وتًرجم بـ 472000 صوت إنما للأسف نحن من خذل الناس بتشتت اللوائح وتضييع 142000 صوت ما حرمنا من إيصال 30 إلى 40 نائباً”.
خيبة أمل
وأضاف “كنا ننتظر من النواب التغييريين عملاً أفضل ومختلفاً وتوحداً أكثر في الآراء ولكن بما أنهم لم يأتوا من خلفية واحدة، فقد أدى ذلك إلى انقسام وبالتالي إلى مزيد من خيبات الأمل وعدم إيمان الناس بالقدرة على التغيير”.
وعن غياب الناس عن الساحات حالياً رغم ارتفاع سعر الدولار، قال “عندما وصل الدولار إلى 15000 ليرة اتخذت شخصياً مع اتحاد الثورة قرارا بإقفال البلد وأقفلنا 22 نقطة، ولكن ما حدث معنا هو تبلغنا بكل النقاط الموجودين فيها أن الناس لا تريد منا إقفال الطرقات، فأخذنا القرار حينها بعدم النزول إلى الشارع، وكنت أنا من الأشخاص الذين فقدوا الثقة بأن عمل الأرض له فائدة بسبب رفض الناس، ولكن الغريب في الموضوع بعد قرار عدم نزولنا على الأرض، ارتفع الدولار، وصارت الناس تسألنا لماذا لا تنزلون؟ وكلما ارتفع الدولار 5000 ليرة تسألنا الناس أين هي الثورة؟ فيما هي تريدنا نحن أن ننزل على مزاجها من دون أن تشاركنا، ومفهوم أن الناس تعبت، وضعفت مالياً قدراتنا على تأمين الأمور اللوجستية والنقل”.
وختم سكاف “انتظر موجة ثورية ثانية عندما تنهار الليرة كلياً ويخسر مصرف لبنان احتياطه الإلزامي، ما يجعلنا نذهب إلى أمور خيالية ومباشرة إلى فوضى، فالساحات ستعود لتمتلئ من جديد ولكن هل تمتلئ بالطريقة نفسها؟ لا أعتقد، فالمشهد قد يكون مختلفاً”.