القاهرة – «القدس العربي» : سنوات خلف الزنازين، قضاها نشطاء وصحافيون في قضايا سياسية، باتت أحلامهم مؤجلة، وتحولت حياة أسرهم إلى مأساة لا تنتهي. أطفال لم تر أبائها إلا في زيارات تحت أعين الشرطة، وزوجات تتحمل مسؤولية الأسرة في غياب الأزواج.
10 سنوات من الارتباط العاطفي المعلق و3 سنوات من الزواج مع وقف التنفيذ، هذا ما يمكن أن نصف به حالة روفيدة حمدي والناشط السياسي، محمد عادل، أحد رموز حركة 6 أبريل، التي لعبت دورا في الإطاحة بالرئيس المصري محمد حسني مبارك، بعد أن أعلنت روفيدة عام 2020، كتب كتابها عليه في منزلها في انتظار خروجه من السجن.
10 سنوات
تروي روفيدة لـ»القدس العربي»: «التقيت محمد بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وتعرفت عليه بعد إنتهاء خدمته العسكرية عام 2012، وتحولت صداقتنا لارتباط عام 2013، لتبدأ رحلة مصلحة السجون».
وتضيف: «نجحنا رغم صعوبة الإجراءات من إتمام زواجنا في نهاية عام 2020».
وتواصل: «عندما ألقي القبض على محمد في المرة الأخيرة، كنت أبلغ من العمر 27 عاما، وعندما سجن عام 2013، كنت أبلغ من العمر 22 عاما».
زوجة الناشط محمد عادل تروي رحلة 10 أعوام من زيارات المعتقلات
وتضيف: «فقدت 10 سنوات من عمري في زيارات السجون، وأشعر بالقهر لضياع هذه السنوات في الهم بدون ارتكاب أي جرم، لو كنت أجري خلف مجرم أو فاسد أو حرامي، كنت سأعتبر أن هذا طبيعي ومشكلتنا ونتحملها». وتزيد: «أشعر بالقهر من السنوات التي كان من المفترض أن أعيشها، وأنا سعيدة ولست حزينة وتائهة، أعمل بربع طاقتي، ولا أتمكن من البحث عن عمل ثابت وضاع مني فرص كثيرة، لعدم قدرتي على التركيز، وتأخرت في الحصول على درجة الماجستير، وكان من المفترض أن أكون حصلت على الدكتوراة».
«طاقتي نفدت»
وعن الأوضاع في زيارة محمد في السجن، تقول: «طاقتي نفدت، مؤخرا لا أحاول الحديث مع أحد، حتى لا تحدث مشكلة، أنتظر لمدة 5 ساعات أمام سيارة الترحيلات حتى أتمكن من رؤية محمد».
وتؤكد أنها تلقت الكثير من الوعود بالإفراج عن زوجها ضمن قوائم العفو الرئاسي، وكانت آخر هذه الوعود أن يأتي قرار الإفراج ضمن قائمة شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وهي القائمة التي لم تصدر بعد.
يذكر أن عادل محبوس احتياطيا منذ 18 يونيو/ حزيران 2018، حيث تم القبض عليه أثناء استعداده لمغادرة قسم شرطة أجا في السادسة صباحا بعد انتهاء مراقبته اليومية. ومازال أمامه عام ونصف في عقوبة المراقبة والمحكوم عليه بها كعقوبة تكميلية لمدة 3 سنوات منذ يناير/كانون الثاني 2017 في القضية رقم 9597 لسنة 2013 جنح عابدين، التي اتهم فيها مع النشطاء أحمد ماهر وأحمد دومة بـ»التجمهر واستعراض القوة».
وعادل محبوس على ذمة ثلاث قضايا، أخلي سبيله فقط في أولاها والتي تحمل رقم 5606 لسنة 2018، بتهمة نشر أخبار كاذبة، بضمان مالي قدره 10 ألاف جنيه. وهو الآن رهن الحبس الاحتياطي على ذمة القضية الثانية رقم 4118 لسنة 2018 الدقهلية، وفي حالة إخلاء سبيله في القضية الحالية لن يتم إطلاق سراحه بشكل فعلي، ولكن سيبدأ فترة حبس احتياطي أخرى في القضية الثالثة رقم 467 لسنة 2020 حصر تحقيق نيابة أمن الدولة العليا بتهمة «الانضمام إلى جماعة إرهابية مع علمه بأغراضها وتمويلها وإمدادها بمعلومات من داخل محبسه».
1000 يوم
قصة أخرى بطلها بدر محمد عبد الله المتهم في قضية أحداث رمسيس التي تعود أحداثها لعام 2013، إذ قضى أمس، ليلته الألف في السجن، حسب زوجته النمساوية الجنسية إلينا بيشلر، التي تؤكد أن في 11 مايو/ أيار 2020 ، احتجزت الشرطة بدر خلال إفطار عائلي في شهر رمضان.
وتروي على صفحتها على فيسبوك»: إنه «خلال الألف يوم، احتجز بدر في مركز للشرطة لأكثر من ثمانية أشهر، قبل أن ينقل إلى سجن شديد الحراسة، ومؤخراً نقل إلى مركز الإصلاح والتأهيل بدر».
أمضى بدر، حسب زوجته، عامين وثمانية أشهر في الحجز، قبل أن يصدر حكما في 12 يناير / كانون الثاني الماضي 2023 بالسجن لمدة خمس سنوات في القضية المعروفة بأحداث مسجد الفتح في رمسيس.
وتتحدث بيشلر، كيف تأثرت العائلة بغيابه، وكيف بلغت ابنته عامها الأول ثم عامها الثاني ولم تر والدها مطلقاً، وتعتمد علاقتهما فقط على الزيارات الشهرية التي تراقبها الشرطة.
وتوضح: «بدر ليس والد طفل صغير فحسب، بل هو أيضاً الابن الأكبر لعائلته، وهو يفتقد بشدة إخوته ووالديه الذين لا ينامون عليه».
وعن مستقبل الأسرة، تواصل: «لقد مر 1000 يوم لم تتح له فيه الفرصة لمواصلة دراسته وبناء مستقبله مع عائلته، ولم يتمكن من النوم أو الشعور بالأمان، لقد حاولنا كل شيء لإثبات براءة بدر بمساعدة محامين رائعين».
وتبين أنها طلبت المساعدة من السفارة النمساوية والسلطات النمساوية، وتواصلت مع المجلس القومي لحقوق الإنسان وأعضاء لجنة العفو الرئاسي التي وصفتهم أنهم يقومون «بأعمال رائعة»، وأنها تلقت نفس الرد مراراً وتكراراً أنه بمجرد أن يصدر حكما ضده سيتمكنون من مساعدته في إطلاق سراحه.
وختمت: «لقد قيل لي مرات عديدة أن كل ما علي فعله هو الانتظار، وأن الأمر مجرد مسألة وقت، ولم يبق لدينا أي وقت، كم يوما يجب أن يستمر المواطن البريء في هذه الحالة الرهيبة؟ بعيداً عن أحبائه، ومع ذلك، لن أنتظر. سأستمر في فعل كل ما في وسعي وسأكون صوته عندما لا يستطيع بدر التحدث عن نفسه، أعلم أن هناك من يبذلون قصارى جهدهم لدعمي في هذه المهمة الشاقة».
تعود وقائع القضية إلى أغسطس/ آب 2013، حيث جرت مظاهرات في ميدان رمسيس في العاصمة القاهرة، انتهت باشتباكات وقع على إثرها عدد من القتلى والمصابين.
وفي اليوم التالي، ألقي القبض العشوائي على المحاصرين في مسجد الفتح والمتواجدين في محيطه، ومن بينهم بدر الذي كان متوجها لشراء مستلزمات دراسية من منطقة الفجالة تحضيرا لبدء عامه الدراسي الأول في كلية الهندسة، وكان آنذاك طفلا يبلغ من العمر 17 عامًا.
وقضى بدر ثلاثة أشهر من الحبس الاحتياطي قبل إخلاء سبيله في العام نفسه، ثم في مايو/ آيار 2020 ألقي القبض عليه مرة أخرى، على خلفية صدور الحكم عليه في القضية بالسجن لمدة 5 سنوات. وعلى مدار ثلاث سنوات استمر تأجيل جلسات إعادة الإجراءات للنظر في الحكم الغيابي الصادر ضده، حتى صدر تأييد الحكم عليه.
4 سنوات
إلى ذلك، قالت منظمة «مراسلون بلا حدود» في تغريدة عبر حسابها على موقع «تويتر»، إن الصحافي هشام عبدالعزيز، المحتجز على ذمة المحاكمة منذ ما يقرب من 4 سنوات في حالة حرجة. وأضافت أنه بسبب نقص الرعاية المناسبة، أصيب بالصمم في أذن واحدة وأصبح مهدد بفقد بصره .
وشددت في ختام تغريدتها على أنها تدين هذا الإهمال الطبي «القاسي وغير الإنساني»
ويعمل عبد العزيز، حسب المنظمة، منتجا فنيا في قناة الجزيرة ، ويعاني من مشاكل خطيرة في الرؤية.
وقبل 3 سنوات، وعقب عودته من الدوحة لقضاء إجازته المعتادة ألقت قوات الأمن القبض عليه في 20 يونيو/ حزيران 2019، وتم حبسه على ذمة القضية رقم 1365 لعام 2018، بتهمة «الانضمام لجماعة إرهابية». وقررت النيابة الإفراج عنه لاحقاً، قبل أن يعاد حبسه بعد إدراجه في القضية رقم 1956 لعام 2019.
سميرة الطاهر، زوجة هشام، قالت إن زوجها اعتاد منذ سفره للدوحة عام 2014 العودة إلى مصر من الدوحة لقضاء إجازة الصيف مع أسرته، ولكننا فوجئنا بالقبض عليه في أثناء قدومه في زيارته السنوية المعتادة.
أضافت الطاهر: «في العشرين من يونيو/ حزيران 2019، قدمنا إلى مطار القاهرة بصحبة أولادنا، لكن ضابط الجوازات تحفظ على جواز سفر هشام ونقله إلى مكتب ضابط أمن المطار ، وانتظرنا حوالي 6 ساعات، وكلما سألنا عن السبب قيل لنا أن الموضوع تحريات عادية وتشابه أسماء».
وتابعت: «بعد ذلك تم عاد هشام بصحبة أمين شرطة قام بتفتيش الحقائب التي كانت بحوزتنا والهاتف المحمول، ثم سمح لنا بعد ذلك بمغادرة المطار على أن يذهب هشام إلى مقر أمن الدولة لاحقا لاستلام جواز السفر».
وكشفت إنه خلال ساعة وفور وصولهم إلى المنزل، تلقى هشام مكالمة من ضابط المطار، طالبته بالحضور إلى المطار لاستلام جواز السفر بدلا من استلامه من الأمن الوطني، على أن يحضر هاتفه معه وسيقوم بالاتصال كل 10 دقائق للتأكد من حضوره.
وبالفعل توجه هشام إلى المطار، ولكنه لم يعد مرة أخرى حتى الآن، وبعد أيام ظهر في سجن طرة محبوسا في زنزانة انفرادي.
إلى ذلك، واصلت أسرة المصور الصحافي حمدي الزعيم، مناشدتها السلطات المختصة إخلاء سبيله بعد دخوله في عامه الثالث في الحبس الاحتياطي دون محاكمة، منذ القبض عليه في 5 يناير/ كانون الثاني 2021.
وكتب، حساب حمدي الزعيم على «فيسبوك»: السنة الثالثة حبس احتياطي، «أدعو لحمدي بالعودة قريبا»
وفي رسالة سابقة إلى لجنة العفو الرئاسية، قالت الأسرة إن «المصور الصحفي حمدي مختار وشهرته حمدي الزعيم، ينهي عامه السادس ويبدأ السابع بين حبس وتدابير، حيث تم القبض عليه في سبتمبر/ أيلول 2016 من أمام نقابة الصحافيين ليستمر حبسه احتياطيا على مدار عامين حتى أفرج عنه في عام 2018 بالتدابير الاحترازية التي لا يزال خاضعا لها».
وأضافت: «فوجئنا بالقبض عليه مرة أخرى مطلع يناير/ كانون الثاني 2021 عقب عودته من أداء التدابير الخاضع لها».
تتعلق آمال أسر سجناء الرأي، بأن تشمل قوائم لجنة العفو الرئاسي أبنائهم. وأعاد الرئيس المصري عبدالفتاح تشكيلها في أبريل/ نيسان الماضي لتضم رموز من المعارضة، لبحث ملفات سجناء الرأي، في وقت تنتقد أحزاب المعارضة ومنظمات حقوقية ما وصفته بسياسة التقطير التي تنتهجها السلطات المصرية في الإفراج عن سجناء الرأي.
وتقول منظمات حقوقية محلية ودولية، إن عدد المعتقلين في مصر يتخطى الـ60 ألف معتقل، في وقت تنفي السلطات المصرية وجود معتقلين، وتقول إن المحتجزين في السجون متهمون في قضايا جنائية.