في كتابه الشعري «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» الذي ينقسم إلى جزأين، الأول النشيد الرثائي لبرعتا، ثم يليه عدة قصائد مرتبطة به، يستعيد الشاعر السوري نوري الجراح وهج القصائد الطويلة ذات النفس الملحمي، والخط الدرامي المتصاعد، متابعا تفاصيل حكاية تاريخية، تصل الشرق بالغرب، وتربط الحضارات برباط نبيل ومتسام هو الحب، الرباط الأكثر متانة عبر العصور، والأشد تأثيرا. هنا نزوع إلى سرد قصيده كبرى، تحيط بالعالم الواقعي، والعالم الأسطوري، المنافي، والهجرة، والاغتراب في العالم، والارتحال عبر التاريخ، لتعويض قسوة الابتعاد عن مكان الميلاد، وملاعب الصبا، وسنوات الشباب الأولى.
يخدع الشاعر نفسه، أحيانا، بالاستقرار والطمأنينة، ولكن عند الكتابة يتصاعد الألم، والتوترات المطمورة. فثمة كمائن تنصبها له قصيدته، فهو كثيرا ما يستدعي الميثولوجيا، والأساطير الرمزية، الأوديسا تحديدا، رحلة عوليس المثيرة إلى إيثاكا، مصرا على العودة، فهناك من ينتظره. صوت هوميروس الملحمي يتردد هنا، رفقة أصداء من سوفوكليس، أسخيلوس، يوربيدس، أصحاب المكانة الراسخة في تأسيس ثقافة الشاعر الأولى، فهو ابن المسرح، دارسا وممثلا في بدايات حياته، وقارئا لروائعه الخالدة التى تركت آثارها على هيئة مشاهد، ومونولوغات، وديالوغات تبدو للقارئ وكأنها تلقى على لسان جوقة مسرحية تتكون من كهنة معابد، أو مجموعة من حكماء مخضرمين. هناك مسرح شعري، وشعر مسرحي؛ الأخير هو ما نجده في النص الأول، الخط الدرامي الأرسطي واضح كما في كثير من أعمال الجراح السابقة، التي تعكس المأساة السورية الكبرى، المثقلة بآلاف الحكايات المفجعة؛ التي تنسحب أمامها مآسي العالم متراجعة، لتضعها في المقدمة.
عندما قرأت هذا العمل الفريد بقسميه، المضفور بخبرة عميقة في تشكيل القصيدة، مسني شعور مزدوج، خليط من السعادة والحزن، الفرح الغامر بهذا العمل، والحزن على إضاعة بعض الشعراء لأعمارهم وهم يسطرون أبياتا مجانية، لا تحمل أي قيمة فنية، ضرب من الهدر، وخيانة للأدب، لا علاج لهما. لكن ما يجبرنا على الصبر على هذا الطوفان الشعري، والروائي أيضا، هو ظهور هذه الأعمال الكبرى، التي تعوضنا عن هذه الخيبات التي تضاف إلى مجموع خساراتنا، فالشعر لم يكن يوما قطا أليفا نربت على شعره. الإبداع الحقيقي هو ما يطير النوم من العيون، عندما يطالعه القارئ لا يصبح هو الشخص نفسه قبل القراءة، شيء ما يتغير في داخله.
نوري الجراح شاعر مجيد، مهموم، مؤرخ خسارات، لا يراهن على شيء، سوى الذاكرة، حتى الأمل لا تجده في قاموسه الشعري، أو مجازاته القليلة، فهو لا يرى نهاية للاستبداد الشرقي، وطغاته، لكنه يحاول التعريض بهؤلاء الطغاة، فضح وجودهم الثقيل، وإقامة سور من العداء، محيط بهم، وسجنهم وراءه كمجرمين، متخذا نبرة أسلوبية نادرة تدمج الأناشيد بالنظم التوراتي، بادئا العمل في مرثية برعتا التدمري لحبيبته ريجينا، متتبعا تفاصيل قصة حب، تم اكتشافها بالمصادفة في العام 1878، قريبا من حصن آربيا الشهير في ثاوس شيلدز ببريطانيا.
شعر عميق ومكثف، يعي مرور الزمن وهو يدمج الأسطوري بغيره من العناصر، رابطا الجغرافيا بالتاريخ، محولا القصيدة إلى عمل أيقوني، ينطوي على المعرفي والجمالي، والصور الشعرية المفاجئة، بلغة منتقاة، تخالف اليومي والعابر والتداولي. يبدأ الشاعر:
«لَوْلَا أَنَّكِ هُنَا،
لَوْلَا أَنَّنِي تَرَجَّلْتُ عَنْ هَذَا السُّوْرِ المُتَلَوِّيَ كأُفْعُوانٍ حَجَريٍّ
وردَدْتُ السّيْفَ إلى صاحِبِ السّيفِ،
هَلْ كَانَ يُمْكِنُ لِي أَنْ أَقِفَ فِي نَهَارٍ
لِيُنَادَى عَلَيَّ مِنْ أَحَدٍ،
لَوْلَا أَنَّكِ هُنَا،
لَوْلَا أَنَّ صَوْتَكِ رَدَّدَ اسْمِيَ فِي هَذَا الصَّقْعِ مِنَ الأَرْضِ.
الأَمواجُ حَمَلَتْ مَرْكَبي جِهَةَ الغربِ وصِرتُ في جَيْشِ قيصر».
فقرة تمهيدية، تجهز المسرح لاستقبال الحكاية، على لسان بطلها، هذا المجذوب، المنقاد إلى خير المصائر: العشق. ويواصل الشاعر، بضمير المتكلم، على لسان البطل، أو يواصل البطل على لسان الشاعر، لا فرق: «مَا بِي وهَذَا السُّور وهَؤُلاءِ الرُّماةِ/ المَهَرةِ عَلَى السُّورِ، والضَّبابِ الهَائِمِ على المُنْحَدراتِ والأَشْجَارِ نُزُوْلاً إلى كَعْبِ النَّهرِ وتِلْكَ المَوْجَاتِ الصَّارِخَةِ المُتَكَسِّرةِ عَلَى حِجَارَةِ الأَبْرَاجِ وقد هَبَّتْ، وتَدَافَعَتْ عَلَى هَذِهِ الجِهَةِ مِنْ أَرضِ قَيْصَرَ، لِسِلْتِيِّينَ كالذُونِيِّيننَ بِرُؤُوسٍ حَلِيْقَةٍ، ووُجُوهٍ مُلَوَّنَةٍ بِصَبْغَاتِ الأَزْهَارِ!/ أَحَقَّاً كانُوا بَرابِرةً؟/ وعِنْدمَا كانُوا يُقْبِلُونَ بِصُدُورٍ مُفْعَمَةٍ بالصَّرخَاتِ،/ ويَتَسَاقَطُونَ تَحْتَ السِّهَامِ،/ عَلَى أَجْنَابٍ،/ وُرَكَبٍ/ وجِبَاهٍ …؛/ هَلْ كانُوا يَدْفَعُونَ ثَمَنَ الحُبِّ!».
ويمضي، متمسكا بالوصف الباروكي المفخم:
«يَا لَهَذِهِ الأَرْضِ الأَبْعْدِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ؛
حَتَّى لَكَأَنَّ آلِهَتِي لَمْ تَعُدْ لَهَا عُيُونٌ لِتَرَانِي
٭٭٭
أَطُوْفُ بِحِصَانِيَ السِّرْتِيِّ، الهَواءُ البَاِردُ يَلْفَحُ عُرْفَهُ الأَسِيْلَ،
الهَواءُ المُبلَّلُ بِدِمَاءِ المَوْشُومِيْن
المُتَدَافِعِينَ يَصْفَعُ وَجْهِيَ».
يمتطي صهوة جواده، متجولا داخل أروقة الزمان، ثم يتوقف قليلا، متريثا، ليخاطب القارئ: «أَنْتَ يَا مَنْ تَقِفُ لِتَقْرأَ كَلِمَاتِيَ المُرْتَجِفَةِ مِنَ البَرْدِ؛ هَلْ وصَلْتَ إِلى هُنَا، مِثْلِي، عِلَى مَرْكَبٍ مِنْ خَشَبِ الْأَرْزِ المَجْلُوبِ مِنْ جِبَالِ «نُوْمِيدْيَا، أم عَلَى طَوْفٍ أَلْقَتْ بِهِ سَفِيْنَةٌ قُرْبَ شاطئٍ فِي بَحْرِ الشَّمَالِ؟/ لَسْتُ حَامِلَ بَيَارِقَ، ولَكِنَّنِي تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ مِنَ الشَّرقْ./ وَلَئِنْ تَرَكْتُ سَيْفِيَ عِنْدَ النَّهْرِ،/ فَلِيُبَارِكَ الْبَعْلُ خُطْوتِي إِلَى البَيْتِ،/ ولِيَصْفَحَ عَنْ إِثْمِ يَدِيْ».
هل يستفز من يطالع النص، كي ينتبه إلى مخاطر هذه الرحلة المدهشة، هل يستنهض مخيلته؟ لقد عاين السحر، وطاف بحصانه في الهواء المبلل بدماء الموشومين، وجاز أميالا في عماء الخضرة تحت سماوات مدلهمة، وطائفة على الرؤوس، تتربص بمن هبت بهم الغابات وأرسلتهم الطبيعة ليترجموا أهواءها جولات دامية، كما كان يسرد تفاصيل الرحلة بذاكرة تستمد صورها من خيال جامح، مهجوس بمشاهد حروب وحضارات قديمة. كأنه أتيح له العودة إليها ذات حلم في ليلة مقمرة مضيئة. وعندما يصل برعتا، يطارده الحنين إلى أشجار الشرق المباركة، النخل والأرز والزيتون، الهويات الرمزية، حتى وهو بجوار قلب الحبيبة، الذي يعدها بثقة ورباطة جأش:
«سَأَبْنِيْ لكَ بَيْتَاً لَمْ تَرَ السَّمَاءُ مِثْلَهُ؛
قَصْراً لَمْ يَسْكُنُهُ مَلِكٌ فِي الأَرْضِ، ولَا وَطَأَتْهُ قَدَمُ أَمِير».
إنها خطوة إلى الأمام، على أرض القصيدة، تلخيص للأحوال بعين خبيرة، ترصد كل شيء من مسافات بعيدة: «كَيْفَ كُنْتُ؟/ كَيْفَ كَانَ شَكْلُ العَالَمِ/ قَبْلَ أَنْ تَطَأَ قَدَمُكِ الْأَرْضَ،/ وتَرَاكِ عَيْنِي؟/ قَبْلَ أَنْ تَأْسُرَنِي تِلْكَ القَدَمُ الأَسِيْرَةُ؟».
هنا سر إنسانيته، التحرر من العبودية، جوهر إدراكه لقيمة الحياة، أنثاه عبدة أسيرة، لابد من إعادتها إلى ممارسة إنسانيتها، على نحو غير منقوص، حرة، غير مملوكة لأحد، تعود إلى ممارسة الحياة كملكة متوجة كسابق عهدها. يمضي الصوت الثاني في القصيدة، صوتها، ليتصاعد ديالوغ المحبين: «فَلأَنْهَض إذَنْ، ولأَمْشي مَعَكَ جِهَةَ النَّهْرِ،/ وطوالَ نَهَارٍ أَرى الهِضَابَ تَتَعالى، والشمسَ تَهِيمُ على المَاءِ/ أَنا لَسْتُ أميرةً مِنَ الشَّرْقِ، ولَمْ أَتَنَزَّه يَوْماً صُحْبَةَ فَتَى في حَدائِقِ روما،/ لكِنَّني اضْطَجَعْتُ في جِوارِكَ، تَحْتَ غُيومٍ ضاحِكَةٍ/ لأَستَلَّ من يَدِكَ التي قَطَفَتْ لي التُّوت الشَّوْكَةَ الَّتي جَرَحَتْ يَدِي».
الشيء المؤكد أن هذه القصيدة الطويلة، التي اقتضت قطف متفرقات منها حتى يقترب القارئ من أجواء الحكاية، ستضيئ وسط حديقة الأشعار الخالدة كعمل مبني ببراعة، تسلح كاتبه بكل الأدوات التي تضمن نجاحا، وتترك أثرا لا ينمحي من ذاكرة الأدب، هنا ما يجعل القارئ ينفعل، ويندمج مع الأحداث المثيرة العجائبية، لبطل أوديسي معكوس، لا يريد العودة إلى إيثاكا وشاعر لا يريد العودة الى الوطن لأسباب محزنة. ويحتاج إلى أكثر من قراءة، فأعماله تحتوي على عوالم متعددة، تفتح المجال لقراءات كثيرة متعددة. تختتم القصيدة بكلمات مستمدة من «اللازمة» الأساس التي تسري بعذوبة داخل النص:
«هَلْ كَانَ يُمْكِنُ لِي أَنْ أَكُونَ،
لَوْلَا أَنَّكِ هُنَا، يَا رِيْجِيْنَا؟
لَوْلَا أَنَّنَّي هِبَةُ اللَّاتِ لِرُوحِ الغَابةِ، وأنت مَرَحُ الضَّوءِ بَعْدَ طَيْشِ الغَزَالةِ؟
هَلْ كانَ يُمْكِنُ لِي أَنْ أَفْتَكَّ يَدَكِ مِنْ مَخْلَبِ النَّسْرِ،
وأُعْطِيْ رَاحِتِيْ لِقَدَمِكِ الْمُجَنَّحَةِ،
وحِصَانِيَ الخَفِيْفَ لِرَهْزَتِكِ الْجَامِحَة،
لَوْلَا أَنَّنِي التَّدْمُرِيُّ الَّذِي أَبْدَلَ الْكِتَّانَ بِالسَّيْفِ،
وقَدَّمَ لبَعْلَ قَلْبَهُ لِيَكُونَ الْأُضْحِيَةْ؟»
إلى هنا، ينتهي القسم الأول، ليفسح المجال لنصوص القسم الثاني التي تنهل من هذه السرنادا الشرقية، وتعمل على أنغام هذه الموسيقى الهادئة: «أنشودة ريجينا عند النهر» و«رامي القوس من تدمرتا» و«ولادة المحارب المرقش» و«أخبار موديكا» و«مرثية رومانية» و «لسان النار TheRuin» و «أصابع جوليا دومنا المفقودة» و«مرسوم كلارا» وهي تحتاج إلى قراءة أخرى. فهي تنهل من هذا التيار الجمالي المدهش.
نوري الجراح:«الأفعوان الحجري »
منشورات المتوسط، ميلانو 2022
110 صفحة.