بداية، نقر بأن هذا الكتاب يعد عملاً من أعمال أدب المقاومة، فهو يحاول الصمود في وجه هذه اللحظة التاريخية الخطيرة من حياة الأمة العربية، بل ربما، وبدون مبالغة، تكون هي اللحظة الأخطر، التي يعيشها أبناء ما تم التعارف عليه سياسياً بمنطقة «الشرق الأوسط»، وهم يشاهدون واحدة من أكبر المآسي التاريخية على مر العصور، تجري أمام أعينهم، تحت عنوان «الحرب على غزة».
فنحن في هذا العمل السردي، بصدد إعادة تذكير بقضية فلسطين المحتلة، وبالشعب الفلسطيني، من خلال التركيز في زاويا عاينها الكاتب حصراً، ثم ها هو يستعيدها، ويحفظها في مجلد، حتى لا تغيب المأساة وأسبابها، ويضيع التاريخ على أيدي المطبعين والمتصهينين العرب. لقد صنع العدو الأعمال الأدبية والفنية من أجل تزوير التاريخ، وتطويعه لصالح سرديته، وفعل ما هو أكثر لتزييف الأحداث بأعمال تم التحضير لها جيداً، ثم قام بتنفيذها بإتقان منقطع النظير، فهو يعلم قيمة الأدب والفن، وضرورة السيطرة على الرأي العام العالمي، والتغيير بإلحاح متواصل، وبخطاب دعائي لا يعرف الفتور…
على جانب آخر، تذكَّر معي قصيدة «عابرون في كلام عابر»، كعمل شعري عظيم من أعمال المقاومة، عندما نشرها محمود درويش في كانون الثاني/ يناير عام 1988، إبان انتفاضة الحجارة، وتلك الضجة التي أثارها الكيان وأعوانه، وحالة الهستيريا التي انتابتهم وأشعلت غضبهم وجنونهم، بعدما لامست كلماته الحقيقة، ووصفتهم بدقة، متنبئة بزوالهم ونهاية حلمهم المزعوم، مؤكدة أنهم عابرون لا مقيمون، وجودهم الدامي بيننا، مهما طال الأمد، مسألة وقت لا أكثر. كتبها درويش بحساسية جمالية فائقة، حاشداً لها طاقته الشعرية الرفيعة، مضيفاً إليها موروثه الثقافي والحضاري، على نحو جعل من القصيدة واحدة من أيقونات الشعر العالمي الحديث.
وظيفة الأدب إذن، لا تقل خطورة عن وظيفة المدفع والدبابة، القلم يفتح ثغرات مغلقة في الوعي، ويحتل مواقع متقدمة. إنه سلاح لا يقل أهمية عن بقية الأسلحة العسكرية، يستخدم في الحروب الفكرية، معبراً عن الاستمرار والهوية، وأداة تذكير وشحن وجداني. وأدب المقاومة ليس دائماً أبطاله من حملة البنادق، الذين يضحون بأرواحهم، ويقدمون صوراً قتالية مبهرة، فالمقاومة ليست الكفاح المسلح فحسب، فلا بد من عمل موازٍ لها، وإسناد ثقافي مدروس، وهو لا يقل أهمية، ويمثل دعماً لوجستياً. ربما كانت الإشارة إلى النازحين والمهاجرين والقتلى والمشردين واللاجئين، أوقع وأشد تأثيراً عندما يتم العمل عليهم باستبصار لتجسيد دور الجماعة وطرح أحوالهم كبشر.
بهذا الإدراك بأهمية الكتابة ودورها الفعال، كخطاب إبداعي في مواجهة استعمار استيطاني وحشي، يبدأ زياد أبو لبن كتابه «رائحة الزينكو» بمفتتح لافت وكاشف تماماً عن قضيته:
«في غرفة ضيقة، وبين بيوت من صفيح وزينكو، تولد الحكايات كما يولد الخبز الساخن من رحم النار. هذه المجموعة ليست مجرد قصص عن الطحين والفلافل والحليب و..، ولا عن خيام تحولت إلى براكيات، بل عن شعب يعيش، يضحك، ويأكل، ويحلم… رغم كل شيء».
إنه يعي جيداً، أن بين صفوف المؤن وعيون الأطفال، تتشكل ذاكرة المكان، ذاكرة لا تنكسر، مؤكداً على أنه يكتب المخيم. لا كألم، بل كحياة لا تزال تختمر على نار هادئة.
هذا الإدراك للمعنى، الذي مضى الكاتب في أثره، هو ما يطمئن، ويعطي الباحث عن الحقيقة ثقته بما سيقرأ، ربما بمعزل عن تصنيف هذه الكتابة والوقوف على تحديد النوع الأدبي: أهي فعلاً مجموعة قصصية، أم متتالية روائية، أم صور قلمية، أم لقطات ومشاهد من الذاكرة؟ عمل تسجيلي، توثيقي، أم محطات منفصلة متصلة من سيرة ذاتية، أم شهادات حية يسجلها فتى يدرك ما يدور حوله، ويعلم تماماً ما حدث؟
فلنضرب صفحاً عن التصنيف، ونعتبر الكتاب يتغذى على كل ما سبق، متمرداً على الامتثال لنوع أدبي وحيد، ولنمضِ قدماً في المتابعة. ولكن قبل مواصلة القراءة، علينا التوقف قليلاً مع العنوان: «رائحة الزينكو». ما هو الزينكو على وجه التحديد، الذي يعرفه المصريون باسم لوح الزنك، الذي يكسو عربات الطعام، وبعض المطابخ، وله لون رقائق الألومنيوم؟ الزينكو في مخيمات اللجوء الفلسطينية هو ألواح الصاج المطلية بطبقة من الزنك للحماية من العوامل الجوية، عند التأكسد تتصاعد منها رائحة معدنية مميزة، وتلك الذاكرة الشمية تحديداً، ما زالت عالقة لدى الكاتب، ولدى قطاع كبير من فلسطينيي الشتات، كرمز نفسي عميق، غائر في الوجدان.
يرتبط المخيم بالهشاشة، البيوت الصغيرة التي تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية، بيوت مسقوفة لكنها لا تحمي من العوامل الجوية، ولا تصمد أمام القصف والقنابل. أسقف تعلو الرؤوس، لكنها بيوت غير حقيقية، تشكل هوية خاصة باللاجئين، وتجعل الرائحة تنخر في الذاكرة طوال السنين، فهي ليست مجرد خلفية، بل تتداخل مع حياة الفلسطيني اليومية. والفضاء المكاني لا يعد مجرد ديكور، بل هو رمز لنكبة قومية، وجرح تاريخي مفتوح ما زال ينزف.
فلنذهب إذن إلى أحد نصوص الكتاب، وهي فقرة منقصة «على باب الطحين» لنرى الكاتب وهو يلخص في مشاهد قصيرة حال هذا المجتمع:
«كان المخيم يستيقظ باكراً في صباحات التوزيع. الناس يعرفون الموعد دون أن يُعلن. رائحة الطحين كانت تسبق الشاحنات، وصرير بوابة مركز التوزيع التابع لوكالة الغوث، كان كجرس منبهٍ لحياة مؤجلة.
رجال ونساء خرجوا من البراكيات، أجسادهم مثقلة بالنوم، وأرواحهم مثقلة بأكثر من ذلك بكثير. تتقاطر الصفوف أمام المركز، طابور يشبه الجديلة التي تنفلت كلما اشتدت الريح، لكنها لا تنقطع. الوجوه شاحبة، الملامح منهكة، والمكان متخم بالصبر.
في الخلف، كان صوت حمارٍ ينهق، وقد عُلّقت على ظهره خُرَجتان كبيرتان تنتظران امتلاءهما، وعربات خشبية مهترئة تدفعها أيدٍ كانت يومًا تزرع القمح، صار همها اليوم أن تنقله من باب المذلة إلى فم العائلة».
مشهد حركي متكامل، يعرف تفاصيله كل اللاجئين، الذين ذاقوا مرارة العيش المعلّق بالمساعدات الخارجية، باب من أبواب الذل والاعتماد على الآخر، يتم فيه اختزال البشر إلى أرقام وصفوف. إنه يكمل الصورة، بعين الطفل الذي كان يلتقط من خلال الذاكرة كل ما يتسع لرؤيته.
لا يلجأ الكاتب إلى التشظي، كتقنية يمكن الاستعانة بها لسرد الأحداث، فثمة تماسك نصي يربط النصوص، وراوٍ وحيد لا يعتمد على شيء آخر سوى حواسه القوية، التي تبتعد عن غربلة الأحداث، ولا تعمل على تمزيق الزمان والمكان، متمسكاً بالواقع الذي عاينه ولا ينبغي عليه إفلاته.
تحت عنوان «خيمة رقم 11» ينقل إلينا هذا المشهد:
«لم يكن هناك باب يُطرق، فقط ستارة مهترئة من قماش أبيض باهت، تتدلّى على مدخل الخيمة، تتحرك مع كل نسمة ريح، كأنها تُلوّح للعابرين… أو للراحلين.
خيمة رقم 11، كانت واحدة من صفٍّ طويل من الخيام، متشابهة في الشكل، مختلفة في القصص، نُصبت بعد أيام من النزوح، حين كانت الأرض لا تزال طريّة من أثر الأقدام، والقلوب ساخنة من الوجع الطازج، كان أبي يقول لي:
(هاي مش بيتنا… بس هان رح نحكي الحكاية من أول وجديد).
داخل الخيمة، لا خصوصية، لا غرف، لا نوافذ، لكن ثمّة دفئاً لا يمكن تفسيره، ولدٌ ينام بجانب أخيه، وأم تحضن كل شيء حتى الهواء، وأب ينفث أمله في سيجارة ملفوفة على عجل».
عندما نتابع قراءة بقية هذا النص، نعرف أنها الخيمة التي ولد فيها الراوي، وحفظت فيها أمه أسماء القرى التي لن يروها، وثبت فيها والده مفتاح البيت بمسمار. مرت السنوات واختفت الخيمة، لكنها ما زالت قائمة في القلب، تفوح منها رائحة الكاز والمطر وصوت الأم وهي تقرأ دعاء النوم، والأب وهو يقول: «كل شيء مؤقت.. حتى اللجوء».
ثمة حشد من الرموز الموحية تم الدفع به إلى داخل النصوص، محولاً اليومي إلى أيقوني، المؤقت إلى دائم، والخاص إلى جماعي، من أجل تنظيم حياة هشة، واستخلاص كل عناصر القوة من حطامها. هنا الأمل في أعلى تجلياته، من خلال نموذج المفتاح المعلَّق في كل بيوت الشتات، الرمز القوي للملكية والحق، والذي يمثل الحفاظ عليه وعداً مؤجلاً، وتحدياً وجودياً للنسيان.
يعمل زياد أبو لبن على استرجاع هذه المشاهد، لتثبيتها بجدار الوعي الجمعي، يقبض على الحياة المركبة من الصمود والثبات في مواجهة التهميش، فاتحاً أرشيفاً سردياً، ليستعيد فيه مفردات وعناصر الهوية الفلسطينية من تحت ركام المنافي. فثمة التقاطات كثيرة من الطفولة والصبا، كلها تؤكد على توهج ذاكرة متعددة الطبقات، لا تعرف النسيان، ذاكرة ثأرية إذا جاز لنا التعبير، تراكم ذاكرات أخرى لا تلتزم الصمت، وتعيد إنتاج ما سبقت معاناته، محولة إياه إلى خطاب آني في لعبة الصراع مع العدو، معلنة أن الماضي لم يدفن، وأنه حاضر كعقدة تاريخية تلقي الضوء على اللحظة الراهنة، ناسجة من أدق التفاصيل حكايات بالغة التأثير، تربط ما جرى أمس بما يجري اليوم، وما زالت رحاها تدور على أرض فلسطين.
كتابة ترصد في العمق الخفي منها استمرارية الجروح، وتصاعد الأزمة الإنسانية، فهي تبدأ من عند الجذور بلغة مباشرة تؤكد على واقعية الأحداث. لغة مشحونة بكثافة تصويرية واضحة، تستعيد المشاهد برؤية جماعية، حتى لو كانت من خلال صوت واحد هو صوت الراوي المفعم بانحياز قومي نلمسه جيداً في هذه النصوص، والتزام بتوضيح كيف أنتجت النكبة، وتداعياتها، ومجازرها هذه الأوضاع المأسوية، فالكيان الصهيوني في الخلفية دائماً، والمخيم لديه هو فضاء سياسي، يلتقط العلاقة بين زمن الحرب وأماكن اللجوء.
إنها محاولة على طريق الحرب الثقافية، لإطلاق سراح الحقائق المقموعة من قيودها، ربما لأن المبدع الفلسطيني خاصة، والعربي عامة، لا يملكان ترف الانعزال عما يجري على أرض فلسطين، باعتبارها قضية وجودية، التفت إليها أخيراً العالم بأسره متعاطفاً.
زياد أبو لبن: «رائحة الزينكو»
دار الخليج للنشر والتوزيع، عمّان 2025
124 صفحة.