يذهب الشاعر العراقي باسم المرعبي، في كثير من نصوص مجموعته الشعرية الأخيرة «في مطعم الوجود»، إلى اجتراح تصورات وجودية، كاشفاً عن جوهر فلسفي، يحيل العبث إلى شكل من أشكال الاستعارة الجمالية، المصاغة بلغة الحلم، يبرز فيها نوع من الألفة مع الغموض، عن طريق الكتابة التي تشبه الضوء الذي يرينا ما يجري في ليل الوجود، متأثراً – ولو في الخفاء ـ بالظروف التاريخية لوطنه، دون أن يغالي في إخضاع السياسة للمشاعر والانفعالات المباشرة. نلمح ذلك جيداً، كما في قصيدة «قطار مضاء»، حيث تمضي الكلمات في سكة دائرية، ويولد التوتر من الحضور الذي يخفي غياباً حزيناً، وكأننا في متاهة لا خروج منها:
«الوجود نوع من قطار مضاء،
يمضي على سكة الليل، المسافر فيه لا يكل عن التنقل بين عرباته.
لا وصول لهذا القطار
ولا توقف
وبين حين وآخر يزدحم بمسافرين جدد
كأنهم ينبثقون من الفراغ.
قطار مضاء على سكة الليل
ركابه وحدهم المرئيون
وهم لا يرون شيئاً خارجه.»
لنعرف بعدها أنهم لا يعرفون وجهته، ولا يحق لهم السؤال، ولا تعنيهم الإجابة. كل ما هنالك أنهم تآلفوا مع وجودهم الغامض، في أثناء رحلتهم الغامضة، داخل قطار غامض، محكومون بحضور جزئي، يطوي بين جوانحه تعايشاً متواطئاً مع هذا الغموض، وكأننا أمام مشهد كوني، عبثي، تتبدى فيه الإنسانية وكأنها مساقة بلا وعي، داخل الزمن، ووسط العتمة، دون أن تبددها، أو تخترق الليل الذي يحيط بها.
بينما في قصيدة «المدينة نون» ثمة شعور بالحيرة، إزاء المدن المحاطة بالأسرار، والمصنوعة من نسيج الكلمات والأحلام:
« تعرّفَ على المدينة نون في كتاب ما، فاتخذَ طريقه إليها. وما إن شارف على دخولها، حتى طالعته مدينة أخرى أُقيمت محلّها. ما من أحدٍ ليسأله عن سر هذا التبدل. وبدا له أنّ المدينة مهجورة. بحث عن العلامات الخاصة بها، دون جدوى. واصل رحلته ماراً بعشرات المدن، لكن ما من أثرٍ لمدينته المنشودة. أيقن بعد تطوافه الطويل، أن المدينة نون لم يكن لها من وجود أصلاً. وكل ما عُرف عن هندستها أو المعالم المميزة لها، كان مجرد فكرة في بال مهندسها الذي تعمّد إشاعة الخلط بين تَعيُّن المدينة والتطلُّع إليها».
في هذه الشذرة، التي تُعد – في ظني- تلخيصاً عكسياً لرائعة الكاتب الإيطالي إيتالوكالفينو «مدن لا مرئية»، حيث المدن المرتجاة بعيدة المنال، بل هي رموز يزاح فيها الواقع، ليفسح للخيال تصوراته، مكوِّناً من الفراغ مدناً غير مرئية. بدت فيها كتمرين قصير، ومحاكاة سردية، تذكرنا بالفقرات اللامعة من تلك الرواية الفاتنة، وكأن الحرف «نون» يوحي بالعدم واللااكتمال. وبأننا أمام فكرة عن مدينة غير متحققة، الواقع فيها ينسحب أمام الخيال، فلا وجود بشري هنا، ولا ذاكرة جمعية تحفظ العمارة والمعالم وما يجري في دروبها من أحداث. وهي ليست كمدن كالفينو، حيث يقص الرحالة ماركو بولو على قوبلاي خان عن مدينة الرغبة، مدينة الموت، مدينة الذاكرة.. إلخ. مدن عدة، كل مدينة تفتح باباً للتأويل، وإن كانت كلها، في الحقيقة، مدناً غير جغرافية، ليس لها وجود إلا في ذهن خالقها.
يكشف الشاعر في كثير من نصوصه عن موقف فلسفي، دون أن يعيقه الغموض، بل يتآلف معه كعنصر تكويني للوجود، محولاً هذا الغموض إلى فضاء رحب للتجربة الإنسانية، حتى لو جاءت بعض القصائد على شكل ألعاب رمزية تقوم على التوتر بين ما نراه وما لا نراه. فهو يحاور الأشياء، وكأنها أفكار، ليوسع من المعنى الكامن وراءها، يفعل ذلك بقدر من اللايقين، مستخدماً صوراً ترتكز على التجاذب بين الحضور والغياب.
لنعُد مرة أخرى إلى سيرة المدن، المتخيلة دائماً، كما في قصيدة «تذكار من ثلاث مدن»:
«ولدتُ في مدينة الماء، غير أن ماءها كان يعكس ثلاث مدن، لاحت لي كخطوط غامضة في مرآة القادم من الأيام. كانت الأولى، ما إن يتحرك الناس فيها، حتى يتحولوا إلى أعمدة ملح، والثانية كانت مضماراً لسباق الريح والرمل، والثالثة أغرتني بأضوائها، لكن ما إن وصلتها حتى تبين لي أنَّ ما بدا ضوءاً لم يكن سوى لمع سراب.
في قلبي يترسب الآن: الملح والرمل والسراب، تذكاراً من تلك المدن التي عرفتها».
المدن. المدن. هي نوستالجيا مضنية، لمن ابتعد عن الجذور. المدن المتخيلة، استعارات للذات، أماكن بديلة تعبر عن الانكسار الدفين: مدينة أولى تعكس الجمود، والثانية تجسد الصراع المستمر، والثالثة تمثل الوهم والأمل الزائف. ثلاثية محزنة تشير إلى التحجر والتبعثر والأحلام. وفي الخلفية يحضر الزمن كمرآة للمستقبل.
باسم المرعبي هنا لا يصف مدناً واقعية، بقدر ما هي مدن تدل على الاغتراب، فهو لا يرسم لنا بيوتاً، أو أوطاناً، بل مجموعة من الخيبات والانكسارات، حيث لا مجال للاستقرار أو الأمان، إنه يجعلنا نعاين مشاهد قاتمة عن مأزق الوجود الإنساني.
ثمة إمعان في ثيمات: التشتت، الفقد، العزلة، الاقتلاع من الجذور، والبحث عن المكان، تسيطر على أجواء الديوان، تسري بنبرة جريحة، مشتاقة إلى جنتها المفقودة، حتى يصل صداها إلينا ونحن نطالع قصيدة «مساحة»:
«أُبعدتُ من مكان، وأُبعدتُ من ضفة نهر، وأًبعدتُ من جبل. في الأولى قال صاحب الغابة، لك أن تعبر لا أن تقيم. وفي الثانية طاردتني الشرطة، لأني أقمتُ خيمتي دون ترخيص. وفي الثالثة هاجمني نسر، خوفاً على صغيره وأنثاه، ظناً منه أنني أحد الغزاة! كل ما على هذه الأرض من زينة، لا يعنيني».
هكذا هي الذات الساردة، التي لا تشكو، ولا تبغي سوى مساحة بقدر صفحات معدودة لكتاب، لتأكيد عزلتها. إذن: «فليكن قلبي هو الغابة، وضفة النهر، والجبل، والفضاء الذي عبره أرفع صلاتي. إنني ألوذ بقلبي!»
هنا، كل محاولة للتوطن، أو التجاور، تنتهي بالفشل، كل فضاءات الحماية التقليدية تتحول إلى أماكن طرد، بحيث لم يعد هناك سوى فضاء الوحدة كملاذ أخير في هذا العالم البديل، تنسحب فيه الذات إلى الداخل، إلى القلب، لاتخاذه محراباً في هذه العزلة الوجودية المختارة.
على غرار الموروث العراقي، الممعن في الأحزان، الذي ترك آثاره العميقة في الأدب بأنواعه المختلفة شعراً ونثراً. فالمبدع لا يصطنع الحزن، بل يتغذى عليه، ويعيشه دائماً، بعيداً عن أصوله الطائفية، أو الطبقية، أو وضعه المادي، فهو صنيعة التاريخ الممتد الذي تراكمت على صفحاته سطور ثقيلة من العذاب. وهذا ما يجعل الشاعر مضطرباً، ممسوساً بالألم، يفتقد الطمأنينة في نصه، وتنتزع منه الكلمات – دون أن يدري – ما في داخله من شجون، وهو يصوغ عالمه الخاص، بغير أن يطلق عبارات طنانة شائعة، أو يلجأ إلى شعرية ديماغوجية، تناقض هذا الحس الذي يعتمد المناجاة، والبوح، فهو هنا، يبدو لنا كشبكة من الأعصاب، يستبطن أفكاره، من داخله، عاكساً لنا تلك التعقيدات نتيجة الإحساس بالنفي، وفقدان الأوطان.
في قصيدة «الحرب ثانية» ثمة إيغال في فقدان الثقة بكل شيء، فلا قداسة للموت، ولا اكتراث بقبور الشهداء ولا كرامة للإنسان حياً أو ميتاً:
«استطاع الجندي القتيل في حرب سابقة، عندما سقطت قذيفة مدفع قرب قبره. حين نظر إلى الغبار المتصاعد مختلطاً بالدخان وشواهد القبور القريبة منه مهدمة، وشظايا العظام مبعثرة. أيقن أنها الحرب ثانية. أخذ يفكر في الابتعاد بحثاً عن قبر بعيد لا تطاله القذائف».
في هذا النص، الذي يتحرك في بنية سردية قصيرة ومكثفة، يتكشف لنا أن الحرب ليست حدثاً عابراً، بل حالة دائمة في الزمن، تمس الماضي والحاضروالمستقبل، ولا تنتهي عند الموت، وإنما تتجاوزه، فها هي تطارد الجندي القتيل في قبره، وكأنه يعاقب مرتين: مرة في الحياة، وأخرى في الممات، إنه الإنسان الضحية، المُستهلك في الحروب، بشقيها، العادل أوالظالم، أو نتيجة لنزوات الطغاة، وتعطشهم إلى الدماء، ولهوهم المجنون، الذي يمثل محواً تدميرياً للكيان الإنساني، وإهانة للموتى.
أشعر بالألم وأنا أقرأ هذه المجموعة الشعرية، وينهض أمام عيني تاريخ من الدمار العربي، فما أقسى أن يبحث جندي قتيل عن قبر آخر، بعيداً عن ميادين الحرب، ليضم رفاته المبعثرة! وما أوجع هذه الصورة الشعرية المؤلمة!
في قصيدته القصيرة «في مطعم الوجود» التي اتخذها عنواناً لمجموعته الشعرية، يدمج باسم المرعبي الزمان بالمكان، محاولاً الجمع بين المألوف واليومي، المطعم كمكان والوجود كزمان مطلق، يحمل مسحة ماورائية:
«يرود الزمن – مُذ وجد – مطعم الوجود
فيخف إليه نادلاه:
الليل والنهار.
هما يعرفان، معرفتهما بنفسيهما،
طبقه الدائم، المكون من البشر!»
ثمة تأثر، نلمحه هنا بالفيلسوف الباكي هيرقليطس في شكل الشذرات التي وصلتنا منه، وكذلك مسحة الحزن، وتأمل حياة الإنسان المريرة، ثم وهو يكسو عباراته بطبقات عديدة من المعانى تحتاج إلى التبصر والتأمل لكشف رمزيتها، وإضفاء مسحة فلسفية وهو ينظر إلى العالم، الذهاب إلى الماوراء، إلى أرض الميتافيزيقا، مثخناً بالأسئلة والقلق المزمن. فالوجود مصطلح ميتافيزيقي، ينقلنا إلى الكينونة والمعنى. حيث نرى الزمن يدخل في مطعم اسمه الوجود، ليخدمه الليل والنهار، أما وجبته المفضلة فهي حياة البشر وفناؤهم.
بينما في قصيدة «حلم مرآة بورخيس» يستعير باسم المرعبي ثيمتين مفضلتين لدى الكاتب الأرجنتيني العظيم، وهما ثيمتا الحلم والمرآة، يحاول اللعب معه بأسلحته التي سحر بها الأدب في العصر الحديث:
«جاءني من مدينة بعيدة، يعرض عليَّ مرآة للبيع.
مرآة، قال إنها لا تعكس من يقف أمامها!
قلتُ وما فائدتها؟
قال لا يهم، حسبها أن لها شكل المرآة، وقد تنفع كتعويذة ضد الزمن.
لفت انتباهي أنه عمد إلى تعريف «المرآة»، فلم يقلها نكرةً، كأنه يريد إطلاقيتها.
وفيما هو يحدثني فكّرتُ أن أكتب هذه الثيمة، غير أني استبعدتُ ذلك، لأنها ثيمة بورخسية بامتياز».
هنا، بورخيس يتواجد بقوة من خلال بعض قصصه الشهيرة، كالقرص وكتاب الرمل، وجملته المحفورة في ذاكرة الأدب: الجنس والمرآة يضاعفان البشر.
لكن مرآة باسم المرعبي لا تعكس من يقف أمامها، لقد تخلت عن وظيفتها، ربما صارت رمزاً لزمن لا يُرى، أو فراغاً للاشيء. وهناك دائماً هاجس المدن البعيدة، ما زال يسيطر على مخياله، مدن كفضاءات غامضة، غير جغرافية، حتى يتسنى له العبور من العالم الواقعي إلى عالم بورخيس الغرائبي، مستظلاً به وهو يحاول اللعب معه، مدركاً في نهاية الأمر، وفي مفارقة شعرية: أن الحلم، والزمن، والمرآة، هي عوالم بورخيسية بامتياز.
باسم المرعبي: «في مطعم الوجود»
دار جبرا للنشر والتوزيع، عمَّان 2025
110 صفحة.