البهجة، الرومانسية، الألوان الزاهية، اللوحات المرسومة بلمسات رقيقة، الطبيعة الرائعة، السخرية من الحياة المُرة، الاحتفال بالسعادة، واللامبالاة المتعمدة بالواقع الخشن.. هذا ما سيشعر به المتلقي عند انتهائه من قراءة المجموعة الشعرية الأخيرة لعصام أبو زيد «أفلام قصيرة عن حياة العصافير». فهذه ليست المرة الأولى التي يذهب فيها إلى هذه العناصر في أعماله، لاجئاً إلى الحياة المثالية، الخالية من الهم والكآبة، ومن قتامة الأحداث التي تدور أمام أعيننا، وتلقي بنا في دوامتها، فهذا دأبه منذ البداية، عندما انطلق كشاعر يفضل موضوعات الحب، مفسحاً الطريق أمام تدليل الأنثى بالغزل الرقيق، وبإقامة الحوارات المتعاطفة معها، في أي مكان، وبأي لغة. فهو يميل إلى حشد كرنفال كوزموبوليتاني، مستعيراً مدناً كثيرة كرحَّالة متمرس على خرائط الخيال، محاولاً اكتشاف أراضٍ بعيدة، عامرة بالحياة، باحثاً عن بشر يصلحون لبطولة قصائد فتى مشرقي عاشق للجمال، وللأشياء الرائعة التي كادت تندثر من الحياة العربية.
إطلالة سريعة على أعماله السابقة، تجعلك تقف على هذا الاتجاه الشعري، الذي سبق إليه، بعقود طويلة، وأضاف إليه كثيراً، منذ منتصف القرن العشرين، شاعر كبير بحجم نزار قباني، صاحب الحضور الفذ، والكاريزما الطاغية التي كسرت كل الحدود، وضاعفت من وزنه الشعري في قصيدة الحداثة العربية.
في هذا الديوان، نجد عصام أبو زيد، يمضي على الدرب، يراكم التفاصيل الصغيرة، المتخيلة، كتقنية مألوفة، يستعين بها داخل نصوصه، حيث تتناوب النبرة اللاذعة مع الحنين الرومانسي، الذي يمجد العاطفة ويستعيد للطبيعة مكانتها، وللجماليات المنسية حضورها. الشعر لديه ليس مجرد كلمات فحسب، بل صور حية، متحركة، لبطلات قصائده، المتيم بهن. فها هو يفتتح الديوان بقصيدة «هذا البيت». نص قصير، يكشف لنا النبرة الذاتية منذ البداية، مقدماً عالمه الأثير، وكاشفاً، على نحو واضح، مزاجه الشعري:
«هذا البيت المصنوع من خبز الزنجبيل
والذي تقف فوقه طائرة ورقية كبيرة
لتحميه من العصافير والشمس؛
هذا البيتُ بيتي… حظي الجميل
حياتي الضاحكة رغم الجراح».
بداية ترمز إلى الطفولة والحنين، من خلال استحضار خبز الزنجبيل، تاركة انطباعاً مريحاً بالدفء والأمان. أما الطائرة الورقية فهي تعني الحرية والانطلاق، واستعادة أيام الطفولة الرائعة في عالم داخلي محمي وسعيد، البيت فيه ليس مجرد مأوى، بل مساحة عالقة بالذاكرة، تقوم على البراءة والنقاء، ما يجعله متصالحاً مع الحياة، على الرغم من الجراح التي يرفض الخوض فيها، رافضاً الحديث عنها، أو الاقتراب من استعادة تفاصيلها.
يواصل الشاعر جنوحه الرومانسي، كما في قصيدة «الأزرق الوحيد»:
– «كم ابتسامة ابتسمتَ اليوم؟
– 16ابتسامة.
– ما أنواعهن؟
– أبيض لؤلؤي وأخضر فاتح وريد بيري.
– لم تكن بينهن واحدة حمراء؟
– السماء حمراء.
– هل تمزح؟… السماء زرقاء.
– الأزرق خدعة بصرية. لا وجود للأزرق.
البحر أزرق. بنطلوني الجينز أزرق. رأيت في السوق ماكينة خياطة زرقاء، وأنت كتبت ذات مرة عن ناقة زرقاء.
كل هذا مزاح. الأزرق الوحيد هو لون قلبي حين تضربه الوحدة. حين تغلقين الهاتف وتنامين. وحين أتذكر شيئاً نسيته بعد فوات الأوان».
هذا الحوار الذي يدور بين حبيبين، وتقاس فيه الحياة بعدد الابتسامات والألوان، وربط الوجود بالمشاعر الداخلية، وجعل كل لون يمثل حالة عاطفية مختلفة: الأبيض اللؤلؤي يمثل الصفاء، والأخضر الفاتح يعبر عن الأمل والطمأنينة، بينما الريد بيري يشير إلى اللون الأحمر الداكن، القريب من لون الكرز، أو التوت البري، ليرسم ابتسامة حارة، مشحونة بالعاطفة، أقوى، وأكثر وضوحاً من الألوان الأخرى. أما الأزرق فهو الباطن الذي تنكره الحبيبة قائلةً:
«الأزرق خدعة بصرية، لا وجود للأزرق».
بينما هو متغلغل في الأعماق، الجسر الحقيقي إلى المشاعر الداخلية الصادقة، بعيداً عن المظاهر السطحية..
نحن إذن أمام ذات شاعرة تتجول في العالم رفقة الحب، مستفيدة من المشاعر والوجدان، والتجارب الإنسانية، ساعية وراء الجمال الكوني، وكل ما هو مثالي، دون تأثر بمرارة الواقع.
في قصيدة «هل فهمتَ مشكلتي؟» يذهب إلى العناصر نفسها، التي تنتج من خلال تشابكها الوصفي قصيدة مغرقة في الرومانسية:
«المشكلة في الروح
في الابتسامة التي لا يمكن نسيانها
في اهتزاز الخصر مع تموجات الموسيقى
في الكلمة التي تخرج من فمها كأنها شهقة
فكيف يمكنني أن أكتب عنها؟».
نص شعري تعبيري، مكثف، يبني المعاني عبر الصور والإشارات، متجاوزاً الجسد إلى الماوراء، إلى الروح. مسألة ذات طبيعة وجدانية، تتطلب خطاباً متسامياً، وتجعلنا نطالع حيرة الشاعر المضفورة بالإعجاب الشديد إزاء امرأة أيقونية، تتجاوز الجسد بابتسامتها التي لا تنسى، التي لها صفة الدوام، والارتباط بالذاكرة. فهي ليست ابتسامة عابرة، مآلها الزوال، ثم جسداً يذوب مع الموسيقى، مدفوعاً بالأنوثة والديناميكية، في نقلة إيروسية تسمح بالتجلي الحسي. وكأن الحب دواء ناجع لإنقاذ الحياة من قسوتها، والشعر هو الأداة لتحقيق ذلك.
أما في قصيدة «ماندولين»، فهناك الإصرار على مواصلة المضي بقصيدته على الدرب الذي اتخذه، حاسماً رؤيته للعالم من خلال نافذة تطل دائماً على المشاعر الراقية. انظر إليه وهو يستخدم (لا) الناهية، مستخلصاً منها أعذب محاذيرها، فلم يجعلها أداة ترهيب، بل حمَّلها نصائح مخلصة، مبطنة بالرقة البالغة:
«لا تذهبي إلى كافيه (21)
لأن المخابرات تسهر هناك.
لا تدخني سجائر Cedars
لأن دولة أجنبية تفكر في اغتيالك
عن طريق هذه السجائر.
لا تلمسي سور حديقة الطماطم
لأن الطماطم كلها تحولت إلى زومبي
لا تنظري كثيراً في المرآة
لأن المرآة تحمل في قلبها رجلاً جميلاً تحبينه
وهذا الرجل الجميل لم يعد هنا».
يبعث بنصائحه المُحبة، التي تشعر معها، أنها همسات عاشق من طرف واحد، لا يهمه تبادل الحب قدر ما يهمه سلامة الحبيبة، وسعادتها، يراها الأنثى المثال، مركز الكون، ومحط الأنظار، المستهدفة من أجهزة استخبارات العالم، ومن كل ما يحيط بها. محولاً هذه المحاذير، عبر هذا النوع من الغيرة إلى مخاطر سوريالية، محمولة على جناح الشعر، فثمة انتقال فانتازي، نراه هنا، يليق بملكة ذات عرش مصنوع من الإثارة والجاذبية. ملكة على عرش شاعر مولع بالفاتنات. يوصيها أخيراً، بأن لا تثق بشوكولاتة الماندولين، قائلاً وكأنه الحارس السري لها: «فمتى كانت ماندولين؛ تفكر بنا كما نفكر بها؟!» وكأنه يقصد إلى أن الأشياء الرائعة لا تبادلنا دائماً نفس الأحاسيس الخالصة.
في قصيدة «اغتصاب لوكريس»، يلجأ الشاعر إلى استدعاء واحدة من أهم قصائد وليم شكسبير السردية، متماهياً مع النص، متعاطفاً مع بطلته القادمة من رحاب التاريخ الروماني القديم، التي خلدها الشاعر الإنكليزي العظيم ببراعته المعهودة، عندما حول حكايتها إلى عمل تراجيدي، مستلهماً الخطوط العريضة للحكاية من المؤرخ الروماني ليفيوس، ومن الشاعر أوفيد. فالأنثى لا تبارح خيال الشاعر عصام أبو زيد حتى وهو يطالع الآداب العالمية، ويقرأ في التاريخ، فثمة شغف لا يخفت، يجعل عينيه معلَّقتين هناك، نحو ذلك الفردوس الأثير، فهو لا يتصفح سوى ما يناسب هذا الاهتمام، متوقفاً عند بعض اللحظات المفصلية، بادئاً قصيدته بمفاجأة صادمة -لي على الأقل- ولكنه مررها بذكاء، كي نصغي إلى قصيدته منتبهين وهو يلخص الأسطورة في أبيات قليلة:
«لا أحب شكسبير
ولكنه كتب قصيدةً عجيبة
أعتقد أنها «اغتصاب لوكريس»
وأحب أن أعترف الآن
أن هذه القصيدة اخترقت روحي وجعلتني أبكي
فقد كان الجمال وقتها يمتلك قوة عظيمة
وكان العام (509) قبل الميلاد هو العام الجديد بالنسبة لي
حين تنهمر الأمطار الغزيرة وتجرف جثة الملك».
ربما، ما جذب انتباهه إلى لوكريس هو النقاء والشرف الأنثوي للمرأة العفيفة، بعيداً عن رمزية الحكاية في الثقافة الأوروبية، حيث تسبب اغتصابها، ثم انتحارها، في ثورة على الفساد والاستبداد، وقيام الجمهورية الرومانية. حكاية أفلتت من شكسبير المسرحي، ليلتقطها شكسبير الشاعر.
مهما يكن من أمر، فيمكن القول إن عصام أبو زيد في هذا الديوان، يواصل مشروعه الشعري بوعي جمالي خاص به، مُعيداً اكتشاف العالم عبر المشاعر العميقة، وعبر تلوينه بالبهجة، معانداً الواقع وسخافاته، بأسلوب يتأسس على الرهافة، مازجاً بين السخرية المرحة والجدية العاطفية، ليخلق قصائد تستطيع أن تنطلق في فضاء الرومانسية، معتمداً على بساطة الجملة، والصور الشعرية الصغيرة، التي تبني عالماً موازياً، يتسع للحب، ويحتفي بالحياة، دون أن يتخلى عن طابع الحميمية، ليشرك القارئ معه في لعبته الشعرية.
هكذا حاول في قصائد الديوان، من دون أن يلجأ إلى التجريب الشكلي الصارخ، وكأنه يصر على أن الشعر لا يزال قادراً على بث البهجة، وعلى أن الحب هو الترياق الأبدي، الذي يعيد ترتيب الروح في مواجهة قسوة العالم.
«أعملُ في حبِّكِ بدوام كامل
أنقلُ الوجعَ من يدِكِ اليمنى إلى يدي اليسرى
وأنقلُ شامتَكِ من مكانها إلى فمي
ثم أمسحُ عن جبينِكِ العرق
وأنت تصنعين إفطارنا الأول
في هذه الأيام الجميلة من ديسمبر
وأسألك: هل لدينا سُكر؟
فتقدمين لي لسانك الحلو
وتقولين: هذا هو السُكر».
عصام أبو زيد: «أفلام قصيرة عن حياة العصافير»
روافد للنشر والتوزيع، القاهرة 2023
118 صفحة.