قليلة هي الحالات السينمائية التي تكون فيها الموسيقى عنصراً أساسياً وبطلاً مُطلقاً للأحداث الدرامية.. حالة فريدة استثنائية تتحقق في الفيلم الروائي القصير «أروى» للمخرجة الأردنية جُمانه الدُر، حيث استطاعت الكاتبة والمُخرجة تسخير الموسيقى على النحو الذي أرادته تماماً، فلم تكن مجرد عامل إضافي أو مؤثر داعم لتقوية الإحساس بالمشهد، وإنما جاءت الموسيقى نواة لحكاية رومانسية شديدة الرهافة والرقة، وجسراً يصل بين ثقافتين مُختلفتين تفصلهما سنوات طويلة هي المسافة بين عمر الأب وعمر ابنته.
وقائع الفيلم تبدأ بحديث عابر بين أب مُثقف يهوى الموسيقى والشعر والأدب، وابنته الشابة التي ورثت عنه حُب الفن والإبداع والأنتيكات واللوحات التشكيلية، إذ يختصر المشهد الافتتاحي الذي تم تصويره داخل البيت المُرتب الأنيق معاني كثيرة تُنبئ بما سوف تكون عليه الأحداث وحالة البطلين المُنتميين لزمن الفن الكلاسيكي القديم، وهو ما جرى بالفعل وتم تضمينه في الأحداث السريعة والمُتلاحقة في ما يشبه القصيدة الشعرية، أو الحُلم الجميل باستنباطاته ورموزه وصورة، ذلك أن المخرجة جُمانه الدُر اعتمدت بشكل أساسي على اللغة السهلة البسيطة، وعوضت عن أعمق المعاني بأبسط الإشارات والدلالات، فخلقت جواً إبداعياً سحرياً بديعاً من مجموعة عناصر قليلة هي الموسيقى والإضاءة والديكور والصورة المُبهجة لتُعطي للفكرة بُعداً إنسانياً شاملاً وثرياً.
تتمحور فكرة الفيلم القصير «أروى» حول المزاج الفني للأب الذي يهوى الموسيقى ويربطه بها عشق قديم وأزمة لا تزال تعيش معه، رغم مرور سنوات طويلة وجريان مياه كثيرة في نهر الحياة والذكريات، فقد عانى الأب العصري من عنت أبيه وإصراره على عدم تعلم ابنه الموسيقى حين كان شاباً صغيراً، وتقفز فكرة المقاومة في ذهن الأب فيحكي لابنته كيف أنه قاوم رفض أبيه للموسيقى وأقنعة بوجود العود في بيته، وقرّب إليه صوت عبد الوهاب فكان شدو المُطرب الكبير وسيطاً بينهما، تلاقت على أثره الأذواق والأمزجة وانفكت عُقدة الرفض بعد الألفة التي حدثت على خلفية القناعة بأهمية الموسيقى والغناء والطرب الأصيل كمصادر إبداعية ونوعيات فنية من شأنها خلق مناخ نفسي صحي ومُفيد.
التجربة ينقلها الأب في سياق الموضوع لابنته في رحلة التنزه بالسيارة، التي تنتهي بهما إلى البحر، وهو تعزيز للفكرة الرومانسية وربط منطقي بين جمال الطبيعة وجمال الموسيقى، فالاثنان مُتساويان في التأثير الوجداني ومُحفزان على الابتكار والتفاؤل والنظر إلى الحياة بمنظور تفاؤلي بعيداً عن المُشاحنات والتوترات. ليس هذا وحسب، وإنما يزيد على ذلك الهدوء الذي يوفر كل شروط الفن والإبداع والراحة البدنية والنفسية، وهو تعادل أيضاً مع قيمة الموسيقى الكلاسيكية ومحتوى الألحان التي أبدعها الموسيقار محمد عبد الوهاب لتكون علامات على قُدراته وتجلياته الفريدة في مجال تميزه الفني البديع.
وللتأكيد على الحضور الخاص لموسيقى عبدالوهاب كمكون للحالة السينمائية في الفيلم الرومانسي القصير، استخدمت المخرجة فواصل نوعية من أغانية واختارت من بين إبداعاته أغنية «يا مسافر وحدك» لتكون هي الدليل القوي من وجهة نظرها على حالة الشجن الآسرة للبطلين في زمن يحاولان فيه التغلب على الشعور القاسي بالوحدة والخروج من حالة الحزن البادية في بعض المشاهد، التي رمزت إليها جُمانه الدُر بالكرسي المُتحرك بغير تصريح لمعناه، أو أهمية وجودة في السياق، اللهم غير تكهنات المُتلقي بأن الكرسي على هيئته ربما يوحي بحالة الفقد أو العجز النسبي أو الفراغ الذي تركه شخص آخر كان يجب أن يكون معهما، لولا الموت الذي غيبه ولم يترك لهما غير بقايا ذكرى أليمه وموجعة.
وحول الإيحاءات الخاصة لأغنية «يا مسافر وحدك» وما تحمله من آيات الشجن والحزن قدمت المخرجة على لسان البطل «الأب» تفسيراً للحالة، حيث يتحدد الإحساس بالأغنية وفق الجو النفسي للمُستمع، فإن كان حزيناً يكون استقباله حزيناً وشجياً، وإن استمع للأغنية ذاتها وهو في لحظة نشوة وانسجام جاء إحساسه بها مُغايراً ومُختلفاً، فالحزن أو الفرح يأتي في البداية من داخل الإنسان وحسب شعوره الخاص والظرف الذي هو عليه.
كما أن الأغنية بموسيقاها وألحانها يُمكن أن تُفجر الشعور الكامن في الإنسان، فتبعاً لما يختزنه الشخص ونوعية ما يختزنه يكون التفاعل، فلا توجد قاعدة ثابتة لتأثير الموسيقى والأغاني. ويُعتبر ذلك تأويلاً خاصاً وفلسفة شخصية لكاتبة السيناريو والمُخرجة جُمانه الدُر، الهدف منها عدم ربط الإحساس بالموسيقى والأغنية بمقاييس معينة، فهي ترى أن عالم الموسيقى أرحب من كل التفسيرات والتأويلات وشروط التذوق الخاصة لدى المُستمع المُتفائل أو المُتشائم.
كاتب مصري