تونس: أزمات متعددة وجبهة داخلية مفككة ورهانات صعبة

روعة قاسم
حجم الخط
0

 تونس ـ «القدس العربي»: تعيش تونس اليوم على وقع أزمات متعددة لم تعرف لها مثيلا في تاريخ دولتها الحديثة التي لم يسبق فيها أن تزامنت الصعوبات السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية، ومع ما يراه البعض تراجعا في منسوب الحريات العامة والخاصة واستهدافا لقطاع الإعلام.

ويُخشى مع هذا الوضع الخانق الطاغي على المشهد العام أن تتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه، خاصة في ظل التصعيد الذي تجنح إليه مختلف الأطراف سواء تعلق الأمر بالموالاة أو بالمعارضة أو بالمنظمات الوطنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل.

معركة سعيد واتحاد الشغل

والحقيقة أن أزمة رئيس الجمهورية قيس سعيد مع الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي ساند إجراءات 25 تموز/يوليو 2021، هي قديمة-متجددة، والسبب الرئيسي لهذا النفور بين الجانبين هو عدم إشراك الاتحاد في القرار ومحاولة إقصائه عن لعب أي دور سياسي مثلما جرت العادة. ويشترك الرئيس سعيد في هذا التوجه مع من حكم تونس خلال العشرية الماضية أي حركة النهضة وحلفائها، حيث بلغ التنافر مداه بين الاتحاد والطرف الحاكم في ذلك الوقت ووصل بهما الأمر إلى حد تشابك أنصارهما بالأيدي والعصي أمام المقر المركزي للمنظمة الشغيلة الذي حل به أنصار الفريق الحاكم في ذلك الوقت بغاية الاحتجاج.
ولعل رفض الرئيس قيس سعيد للمرة الثانية مبادرة للحل يتقدم بها الاتحاد العام التونسي للشغل وتمسّكه بفكرة أن البلد على الطريق الصحيح بعد إجراء الانتخابات وليس بحاجة إلى حوار وطني، سيزيد الأوضاع تأزما. فهناك حالة غليان سابقة في صفوف النقابيين سببها غلاء المعيشة مقابل تنصل الحكومة من تعهدات حكومات سابقة بالزيادة في الأجور، وزاد عليها هذا الرفض المتهكم من مبادرة الاتحاد والمنظمات الوطنية المساندة له على غرار هيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان، وهو ما جعل الجو العام خانقا.
ويبدو أن ما سيزيد من الاحتقان هو عدم إيمان رئيس الجمهورية بما يسمى الأجسام الوسيطة في الحياة السياسية، أي الأحزاب والنقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني على اختلافها. فالرجل لديه على ما يبدو رؤيته الخاصة لتونس، وهو بصدد تجسيدها على أرض الواقع رافضا أي رؤية تتعارض معها. ولدى الرئيس على ما يبدو أيضا إصرار على الذهاب بعيدا في تنفيذ هذه الأجندة غير عابئ بالانتقادات الداخلية والخارجية.

شبح الملاحقات القضائية

وينقسم التونسيون اليوم بشأن الملاحقات القضائية التي تطال سياسيين وإعلاميين ورجال قانون ورجال أعمال من الحجم الثقيل كان البعض يرى استهدافهم أمرا مستحيلا. ويرى فريق من التونسيين أن ما يحصل من ملاحقات أمنية وقضائية هو حرب على الفساد وعملية تطهير يقوم بها رئيس الجمهورية الذي لم يسبقه أي من رؤساء تونس السابقين إلى القيام بمثل هكذا حرب، فيما يرى آخرون من معارضي الرئيس أن الأمر يتعلق بتصفية حسابات سياسية وقمع للمعارضين وإسكات للرأي المخالف ووأد منظومة الحقوق والحريات التي ترسخت في تونس وميزتها عن بلدان محيطها.
والحقيقة أن لا أحد ينكر أن الفساد قد استشرى في تونس بشكل لافت وزاد في العشرية الماضية على ما كان عليه الحال قبل الثورة، لكن لا شيء يثبت للرأي العام، وإلى حد الآن، أن من شملتهم الإيقافات والملاحقات هم الذين ارتكبوا الأفعال المجرمة التي يشتبه أنهم قاموا بها وذلك احتراما لقرينة البراءة التي تقتضي أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته فما بالك بالمشتبه به الذي لم يوجه له قاضي التحقيق التهمة بشكل رسمي؟ وبالتالي فإن المحاكم الفيسبوكية الشعبية التي تنتشر في تونس هذه الأيام والتي تصدر أحكام الإعدام مباشرة على المشتبه فيهم من قبل قضاة غير مختصين لم يدرسوا القانون، ودون أن يتمكن المشتبه به من أن يدافع عن نفسه، وأن ينوب محاميا، وأن يطعن في الأحكام، ويناقشها في درجات التقاضي المختلفة، تبدو مزعجة ومساهمة في بث الكراهية والظلم وتشويه الأعراض وبالتالي وجب تتبع المتورطين فيها وإحالتهم على العدالة.
وما تجدر الإشارة إليه أن هناك حديثا من قبل محامين عن تجاوزات حصلت لمندوبيهم أثناء عملية القبض عليهم واقتيادهم وأثناء استنطاقهم أو التحقيق معهم وهو ما يوجب فتح بحث تحقيقي لاستجلاء الحقيقة. فمسألة الحقوق والحريات مسألة حساسة وعلى غاية من الأهمية في بلد مثل تونس ناضلت نخبته منذ بداية القرن التاسع عشر وانتزعت المكاسب انتزاعا وهي غير مستعدة للتفريط فيها مهما كانت الأسباب.

تهديدات للحريات

وفي هذا الإطار فإن تراجع تونس في مجال حرية الإعلام في المؤشر العالمي الصادر مؤخرا واقترابها تدريجيا من القاع الذي تتواجد فيه بلدان منطقتها المغاربية، وذلك على غرار مؤشر جودة التعليم الذي تراجعت فيه أيضا لكنها بقيت في الصدارة مغاربيا، يجب أن يدفع الجميع إلى إعادة التفكير والتخلي عن ممارسات قمعية حصلت مؤخرا وجعلت البلد يتراجع في التصنيف. صحيح أن ما يكتب في الصحف وما يقال في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة التونسية لا يوجد له مثيل في وسائل الإعلام في المنطقة، لكن ذلك يعود إلى شجاعة الصحافيين التونسيين الذين اعتادوا على قول الحقيقة والتعبير بحرية حتى في ظل بعض الممارسات القمعية ومنها مثول صحافيين أمام القضاء العسكري سواء حين كان معارضو قيس سعيد في الحكم أو الآن. ولعل ما يزعج رجل الشارع العادي بالأساس هو هذه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة التي تعيشها تونس خاصة وأن مطالب ثورة 2010-2011 التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي كانت اجتماعبة بالأساس (شغل حرية كرامة وطنية) لكن الطبقة السياسية التفت عليها وحولت وجهتها لتكريس نظام سياسي يضمن هيمنتها على البلد. وحتى بعد الإطاحة بمنظومة2011 من قبل الرئيس قيس سعيد واصل الحكم الجديد في نهج من سبقه في التركيز على ما اعتبره «إصلاحات سياسية» وتم إهمال كل ماهو اقتصادي واجتماعي حتى وصل البلد إلى ما وصل إليه.
لقد جنحت الحكومات التونسية المتعاقبة منذ 2011 إلى التوريد لتعويض التراجع الكبير في الإنتاج بسبب كثرة الإضرابات في مختلف القطاعات واختلال ميزانها التجاري بشكل كبير وخصوصا مع بعض البلدان. حتى علّق البعض على هذا الأمر بالقول بأن تونس تقترض اليوم لتستهلك وتدعم صناعات بعض البلدان على حساب صناعتها الوطنية التي تضررت بفعل التجارة الموازية والتهريب وبفعل كثرة الإضرابات التي أدت إلى تراجع الإنتاج.

اقتصاد هشّ
واستراتيجية مفقودة

ولم تجد الحكومة الحالية الحلول لإنقاذ الاقتصاد خارج إطار التداين والجباية فذهبت إلى صندوق النقد الدولي للمطالبة بقرض ما زال الصندوق مترددا في الموافقة عليه، وسنت قانون مالية تضمن زيادات مجحفة في الضريبة على القيمة المضافة لبعض القطاعات، وتحدث بعض الخبراء عن انعكاساته السلبية على استقطاب الاستثمار الأجنبي. ولم تستغل كما يجب ارتفاع أسعار الفوسفات في الأسواق العالمية لتزيد من الإنتاج وتغطي العجز في الميزانية وتستغني عن القرض المنشود من صندوق النقد الدولي وذلك بمجرد العودة إلى إنتاج سنة 2009 الذي احتلت بموجبه تونس المرتبة الثانية في إنتاج وتصدير هذه المادة الحيوية التي تغيب الخضراء عن خريطة منتجيها اليوم رغم توفر الاحتياطي بشكل كبير.
ولئن أرجع البعض الارتفاع القياسي لأسعار الكثير من المواد الاستهلاكية إلى العوامل الخارجية وتحديدا إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي جعلت أسعار بعض المواد الأولية التي تحتاجها الصناعة التونسية ترتفع لترتفع معها تكلفة صناعة بعض المنتوجات، إلا أن الحكومة لم تكلف نفسها عناء البحث عن طرق لإنتاج هذه المواد الأولية أو تعويضها، بل زادت من نسق التوريد وزادت من استنزاف احتياطي البلد من العملة الصعبة. فكانت النتيجة أن زادت القدرة الشرائية للتونسيين تدهورا في ظل هذا الغلاء الفاحش الذي خلق حالة غير مسبوقة من الاحتقان يخشى معه من انفلات الأوضاع ما لم يلمس التونسيون تحسنا في المعيشة.
ولعل السؤال الذي يطرح اليوم ماذا لو استمرت الأزمة السياسية من دون حل وواصل صندوق النقد الدولي مماطلته في منح تونس القرض المنشود، وذهبت وكالات التصنيف العالمية نحو التخفيض مجددا في الترقيم السيادي الإئتماني لتونس، أية خطة أعدتها الحكومة لمجابهة هذه الصعوبات في ظل جبهة داخلية منقسمة؟ في الحقيقة يصعب التكهن بمآل الأمور، فجميع السيناريوهات ممكنة في بلد يحتاج إلى عقلائه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، خاصة وأن لتونس من القدرات المادية والبشرية والطبيعية وغيرها ما يؤهلها لتكون نبراسا في محيطها لو تمكنت من الاستغلال الجيد لمواردها ووظفت قدراتها التوظيف الأمثل والعمل والجد والتخطيط السليم بعيدا عن الصراعات والمناكفات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية