درج في الفترة الأخيرة تأليف كُتب عن لبنان تندمج فيها مذكرات كاتبها مع توجه روائي فيه كثير من الوصف للأحداث الخاصة والعائلية له مع الإسراف في بعض الأحيان والتبسيط في عرض الأحداث والوقائع السياسية والعسكرية وتواريخها وخلفياتها لدى التطرق للمراحل المختلفة للحرب الأهلية اللبنانية التي وقعت ما بين عامي 1975 و1990 وللشخصيات التي لعبت دوراً فيها.
هناك مذكرات/ روايات في هذا المجال نجحت في دمج هذين المنهجين في الكتابة فيما تتواجد نتاجات أخرى فشلت في تحقيق ما ابتغته في حيز دقة الوقائع، فأتى ما حققته أفضل في قالبه الخارجي مما سعت إليه توثيقياً وموضوعياً في عرضها للأحداث، وذلك لأسباب مختلفة في طليعتها افتقاده للتعمق في البحث.
وقد فاز مؤخراً شاب لبناني، يعيش مع عائلته في فرنسا منذ طفولته، بجائزة «غونكور» (القسم المخصص لكتب الشباب في معاهد الليسيات) على كتابه بالفرنسية بعنوان «بيروت على ضفة نهر السين».
الكاتب سبيل غصوب لبناني ـ فرنسي ولد عام 1988 لعائلة لبنانية هاجرت إلى باريس عام 1975 وبدأ رحلته في الكتابة في صحف تصدر في لبنان بالفرنسية، وتطرقت مقالاته إلى اختباراته ونظرته ومشاعره كشاب مزدوج الهوية حضارياً بينما جذوره وجذور والديه ما زالت راسخة في لبنان إلى حد كبير.
ويعتبرُ غصوب ان هذه الازدواجية لديه وفي انتماء عائلته الحضاري يشبهان الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) وخصوصاً في صعوبة فهمهما، وبالتالي ففي بعض مراحل حياته، كان يراقب تصرفات أهله ولكنه كان يشعر بالارتباك والضياع في هذا المجال في حقبات عديدة وخصوصاً لدى ملاحظته التناقضات في تصرفات والده ووالدته والأقرباء تجاه معظم القضايا الإنسانية والسياسية المرتبطة بلبنان وفرنسا.
الكتاب مقسم إلى فصول قصيرة تحت عناوين متعددة معظمها متعلق بشؤون وشجون عائلة الكاتب. ومن السهل والممتع جداً قراءته، إذ يشمل بعض المواقف الطريفة والمشوقة والمسلية خصوصاً إذا قرأه شباب فرنسيون أو لبنانيون أو عرب عاشوا في المهجر وتفاعلوا مع جذور عائلاتهم التي ما زالت مرتبطة بأوطانها الأم.
يشير الكاتب إلى أن والده المتعدد القدرات والمواهب والذي كان قد تخرج من جامعة السوربون وعمل في التدريس بالإضافة إلى انه كان ضالعاً في حقل الترجمة بين اللغتين العربية والفرنسية، اضطر للعمل في الترجمة لدى صحف عربية في المهجر كانت تصدُر في باريس في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وكان يرتاد المقاهي التي يرتادها الرجال من أصول عربية، ويُدمن على قراءة الصحف العربية التي يستطيع العثور عليها في باريس. أما والدته، فعملت في صحيفة عربية أقفلت أبوابها لاحقاً، فانتقلت بعد ذلك لتعمل في مؤسسة لعرض النتاج الفني لفنانين عرب. ولكن همها الأكبر كان ملاحقة ومتابعة أخبار عائلتها واستقبال أقاربها الآتين من بيروت لزيارة باريس والقلق المستمر على أخويها، أحدهما كان يسارياً مع قيادات الحركة الوطنية المقربة من المقاومة الفلسطينية، والآخر كان في حزب يميني مسيحي مسلح وُجهت إليه تهم بارتكاب عمليات ميدانية قاسية ضد جهات يسارية وأحزاب مسيحية أخرى. ولا يتورع الكاتب عن ذكر الأسماء في وصفه للأحداث في لبنان خلال الحرب الأهلية، إذ يقول ان أحد أخواله ربما كان مشاركاً في الفريق الكتائبي القواتي الذي اغتال زعيم تيار المردة طوني سليمان فرنجية وزوجته وابنته خلال المواجهات الحزبية.
غير ان غصوب يقول أيضاً في فصول لاحقة أن خاليه اللذين كانا على خلاف سياسي وشخصي كبير فيما بينهما قررا نبذ السياسة لاحقاً واتجها إلى قطاع التجارة بعد ما تصالحا إذ أسسا سوياً مكتبة لبيع الكتب في شمالي بيروت. كما حاول أحدهما إنشاء مقهى صغير في منطقة الجميزة في بيروت الشرقية ولكنه لم يحقق الأرباح فيه لأنه كان في كثير من الأحيان يقدم المأكل والمشروب مجاناً لزبائنه، خصوصاً للأصدقاء الذين يرتادون المقهى.
الرابط الأساسي الذي استمر بين الأخوين كانت اختهما التي كانت طوال مكوثها في العاصمة الفرنسية قلقة على امكان ان يُقتل أحدهما من خلال مواقفه أو عبر ممارساته السياسية والعسكرية الميدانية السابقة.
والد المؤلف كان حسبه يُبدل مواقفه السياسية بشأن الوضع اللبناني والأوضاع العربية عموماً بحسب الأشخاص الذين يلتقيهم اجتماعياً في مقاهي باريس، فيكون عروبياً عندما يحتك اجتماعياً بقوميين لبنانيين، وهنا تتجلى طرافة أسلوب غصوب وقدرته على النقد الساخر حتى تجاه المقربين جداً منه. وبالتالي، كان والده يفخر باللغة والثقافة والحضارة العربية ولكنه يشكك في مصداقية المواقف العربية السياسية عموماً، وميزته الأساسية (حسب قوله) كانت صراحته.
وما زال مؤلف الكتاب يزور لبنان من وقت إلى آخر ويقوم بنشاطات ثقافية وسينمائية فيه، وتصدر مقالاته في صحيفة «لوريان لوجور» اللبنانية الناطقة بالفرنسية.
وقد نظم سبيل غُصُوب (بين عام 2011 و2015) مهرجان الفيلم اللبناني في بيروت، كما أصدرَ كتابين.
ويصف المؤلف حفلة زواج والديه كما تم وصفها له من قبل كبار العائلة وينجح فيه رغم انه يورده بشكل مقتضب.
وهنا تبرز قدرته على إدخال عدد من المواضيع المعبرة بشكل طريف ومختصر في كتابه خلافاً لما يفعله كُتّاب آخرون يبالغون في التطويل وعرض التفاصيل المملة عن أحداث قد لا تهم القراء ولا يرغب في قراءة تفاصيلها.
وهذا يشير إلى أن غصوب حرر كتابه كما لو أنه يخرج فيلماً سينمائياً.
بالنسبة للتحفظات التي قد يلاحظها القارئ في الكتاب، فأكثر ما برزت في عرض أحداث سياسية وقعت في لبنان عبر منطلق تبسيطي للوقائع. ففي صفحتي (38 و39) يتحدث المؤلف عن أسباب انطلاق الحرب الأهلية في لبنان وعن حادثة عين الرمانة التي وقعت في 13 نيسان (ابريل) عام 1975.
وفي تلك التغطية نجده يخلط إلى حد ما في التواريخ ويبسط الوقائع والدوافع وفي تحديد المسببات. فالفدائيون الفلسطينيون (بالنسبة إليه) طُردوا من الأردن عام 1969 إلى لبنان وليس عام 1970 بعد مواجهات أيلول الأسود، ولا في مراحل سابقة من فلسطين في أواخر الأربعينيات بعد النكبة، أو في عام 1967 على أثر حرب الأيام الستة بين إسرائيل والعرب. كما أن اتفاقية القاهرة التي وُقعت في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1969 في مصر، وقعها قائد الجيش اللبناني آنذاك اميل البستاني لأنه (برأيه): «قبض ثمن توقيعه مالياً، شأنه شأن سياسيين لبنانيين آخرين يبيعون وطنهم من أجل حفنة من الدولارات». (ص 39) بيدَ أن معظم الذين عاشوا آنذاك يدركون بان هذه القضية معقدة إلى درجة أكبر بكثير مما عرضه المؤلف ومرتبطة بأمور أعمق، ولعله كان من الأفضل ألا يتناولها المؤلف بهذه البساطة، ومن التسرع عرضها بهذه السطحية والاستخفاف ومن ثمة إتهام قادة لبنان عموماً (في الماضي وفي الحاضر بانهم يشترون بالدولار) مع ان بعضهم كذلك! وقد يفسر هذا الموقف للكاتب بانه إما لإرضاء جمهور فرنسي غربي عنصري ـ استشراقي يرتاح إلى اطلاق وتلبيس مثل هذه الأوصاف للعرب واللبنانيين عموماً أو إلى الفشل في التعمق في دراسة هذه القضية.
وفي فصل لاحق بعنوان (آل جنبلاط) يقول إن والدته كانت تؤيد الزعيم اليساري الدرزي الراحل كمال جنبلاط، الذي اغتيل في 16 آذار (مارس) عام 1977 خصوصاً لان عائلتها انحدرت من بلدة في قضاء الشوف اللبناني قريبة من المختارة (بلدة الزعيم كمال جنبلاط) ولأنها كانت تعتقد بان كمال جنبلاط سعى إلى وحدة لبنان وان لديها صوراً في صغرها أُخذت لها ولعائلتها إلى جانبه. (ص 86).
مثل هذا الوصف عادي من الكاتب وطريف إلى حد ما، لكن في الصفحة التالية (ص 87) يختار غصوب التركيز ربما التهكمي على نظريات بيولوجية ـ سوسيولوجية عن الدروز مستنداً فيها على ما قاله الراحل كمال جنبلاط في كتابه «من أجل لبنان» ليصف جنبلاط خصوصية طائفة الدروز كمجموعة حضارية اجتماعية.
ويتناول غصوب ذلك الوصف من منطلق مختلف عما قصده جنبلاط (لدوافع خاصة بالمؤلف) حيث قال كمال جنبلاط كما ورد في كتاب غصوب:
«بإمكاننا ان نعرف إذا كان الشخص الذي نلتقيه درزياً أو غير درزي من تقاسيم وجهه بالإضافة إلى تصرفاته اللبقة وتكلمه اللغة العربية بشكل جيد، كما ان تقاسيم وجوه الدروز مختلفة عن تقاسيم وجوه باقي اللبنانيين الآخرين وبالإمكان اكتشاف ان هذا الشخص درزي حتى أثناء وقوفه بين عشرين شخصاً آخرين… وهذا الأمر يعود إلى أن الدروز يتزاوجون من بعضهم الآخر في معظم الأحيان وليس مع طوائف أخرى». (ص 87).
وبالطبع، لم يكن كمال جنبلاط يُطلق نظريات عنصرية ضد طائفته التي أحبته كما كان هو كريماً ومحباً لها إذ وزع جزءاً من الأراضي التي ورثها على الفقراء والمحتاجين حوله، هذا بالإضافة إلى تقديمه الدعم للقضايا الإنسانية المحقة وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وكان على رأس الحركة الوطنية اللبنانية التي طالبت بإصلاحات في قوانين الانتخاب وبتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية للجميع في لبنان وخصوصاً للمعوزين منهم.
وبدلاً من مبالغة المؤلف في وصف التناقض في شخصية كمال جنبلاط سعياً للفكاهة «الاشراقية» لاستقطاب القراء الفرنسيين والغربيين عموماً والعنصريين ضد العرب منهم خصوصاً (ربما عن غير قصد) كان من الأجدى به التذكر ان جنبلاط الأب قضى اغتيالاً في عام 1977 بسبب مبادئه ومثاليته ونظافة كفه ولم يكن كقادة لبنان الفاسدين في عهده، وبعد عهده.
ولعله كان من الأفضل أن يحذف غصُوب المقطع في كتابه الذي يقول فيه ان كمال جنبلاط كان «تقدمياً ممارساً البوذية الروحية السلمية صباحاً ثم مرتكباً العنف ضد خصومه بعد الظهر، وانه كان رجلاً ذا وجهين متناقضين، ففي بيروت كان قائداً وطنياً بينما عندما يصعد إلى المختارة حيث منطقته الدرزية يصبح زعيماً اقطاعياً يحيط به أتباعه وأزلامه». والمقطع وردَ في كلام المؤلف في الصفحة 87.
وفي الصفحة 88 يستمر غصُوب في وصلته التهكمية على آل جنبلاط في سبيل الفكاهة فيقول ساخراً أن وليد (نجل كمال جنبلاط) يشبه في شخصيته شخصية آل باتشينو في فيلم «العرّاب» ويوجه إليه نقداً لاذعاً لأنه أجرى في تموز (يوليو) عام 1984 مقابلة في صحيفة «بلاي بوي» الأمريكية التي تشمل مقالات متحررة اجتماعياً بالإضافة إلى بعض الصور الفوتوغرافية الفنية لفتيات عاريات. ويقول المؤلف: «وليد جنبلاط نفّذ تلك المقابلة في وقت كان لبنان فيه لم يتجاوز كلياً الحرب الأهلية».
ومثل هذه المواقف اتجاه بعض أفراد عائلته وبعض الشخصيات اللبنانية الأخرى قد تكسبه قراء من الشباب اللبنانيين والغربيين ولكنها تسجل أيضاً هدفاً سلبياً في مرماه لدى قراء آخرين خصوصاً من الأجيال التي عاشت الحرب الأهلية اللبنانية.
Sabyl Ghoussoub: «Beyrouth-Sur-Seine»
Editions Stock, Paris 2022
309 Pages.